رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد آل رحيم 2 أكتوبر، 2017 0 تعليق

من أسباب الانحراف الفكري- عدم فهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما صحيحا

من أخطر الأمراض التي تفشت في مجتمعاتنا قديمًا وحديثًا، بل وربما يكون أهمها على الإطلاق  هو مرض الانحراف الفكري الذي نشأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وتصدي له بقوة  كما في حديث ذي الخويصرة الذي طعن في عدالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرها من المواقف ولكن نور النبوة قضى على تلك الانحرافات.

وقلنا: إن هذا الانحراف له أسباب كثيرة ذكرنا منها: ترك العمل بالقرآن الكريم، والخلل في فهم نصوصه، والتقليد الأعمى، واليوم نستكمل الحديث عن هذه الأسباب وهو عدم فهم قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فرض عين أم فرض كفاية؟

     قالت طائفة قليلة من أهل العلم: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، وقال جمهور العلماء: إنه فرض كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الآخرين، وإن لم يقم به أحد أثم الجميع، والدليل قوله -تعالى-: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وظاهر قوله: (مِّنكُمْ)  أنها للتبعيض وعلى قول من يجعلها زائدة أي بمعني لتكونوا فإن ذلك متحقق بوجود الطائفة التى تأمر وتنهى؛ فهو كالجهاد ويدل على ذلك أيضا قوله -تعالى-: {وَما كانَ المُؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِروا قَومَهُم إِذا رَجَعوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرونَ}، قال شيخ الإسلام: وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على أحد بعينه، بل هو على الكفاية كما دل عليه القرآن.

     ويستدل أصحاب هذا القول – أنه فرض كفايه- بقوله -تعالى-: {انفِروا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدوا بِأَموالِكُم وَأَنفُسِكُم في سَبيلِ اللَّـهِ}، وقوله -تعالي-: {إِلّا تَنفِروا يُعَذِّبكُم عَذابًا أَليمًا وَيَستَبدِل قَومًا غَيرَكُم وَلا تَضُرّوهُ شَيئًا وَاللَّـهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدير} قالوا : فالأمر عام وكذا الوعيد ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين، وروى عن مقاتل بن حيان فى قوله {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ} أنه قال: ليكن منكم قوم يعني : واحداً أو اثنين أو ثلاثة نفر فيما فوق ذلك .

     وقال ابن كثير: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأولئك هم المفلحون.  والمقصود من الآية : أن تكون فرقة من هذه الأمة منصوبة لهذا الشأن، وإن كان واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، قال ابن سعدي: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ} أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء.

من المحتسب؟

للحسبة أربعة أركان وهي الُمحتسِب والمحتسَب فيه والمحتسِب عليه والاحتساب، وسيكون الحديث عنها جميعا بدءاً بالمحتسب وتعريفه وشروطه:

فالمحتسب هو الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء نُصِّب لذلك أم لا، على خلاف عند العلماء بأن هذا اللفظ يطلق على من نصب لذلك فقط أما المتطوع فلا يطلق عليه.

قال العز بن عبد السلام : والضابط في الولايات كلها أنا لانقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها فيقدم فيها الأقوم بأركانها وشرائطها على الأقوم بسننها وآدابها (انتهى).

شروط المحتسب

وشروط المحتسب حددها الشرع كما يأتي:

الشرط الأول الإسلام

فالحسبة فيها نوع من الولاية ولا ولاية لكافر على مسلم، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال (انتهى).

وكون الإسلام شرط وجوب أي أن الفعل لا يجب على كافر فلا يخاطب به في الدنيا فلا يطلب من الكافر أن يأمر بالمعروف، أو ينهى عن المنكر، ولكن لو فعل ذلك قُبل منه.

     قال الشيخ ياسر برهامي معقبًا على ذلك: لأن الحق يقبل من كل قائل به ولو كان من أشد الناس كفراً وليس هذا استجابه له، بل هو استجابة لأمر الله -تعالى- كما قال النبي صلى الله عليه وسلم  فى صلح الحديبية عن المشركين: «والذي  نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» وفي رواية: «أجبتهم إليها»؛  فهذه طاعة لأمر الله، لا لأمر الكافر، ولا متابعة لهم، ولكنه انقياد للحق الواجب.

الشرط الثاني التكليف

     وهو شرط وجوب فالاحتساب واجب على العقلاء البالغين «وإن كان مندوبا في حق غير البالغ العاقل»، والمكلف في اصطلاح الفقهاء هو البالغ العاقل، والبلوغ  للذكر يكون إما باستكمال خمس عشرة سنة عند الجمهور، أو بالاحتلام وهو إنزال المني، أو إنبات شعر من قُبل، أما الأنثي فيُعرف بلوغها بأحد  الأمور التى تخص الذكر، فضلا عن الحيض، والمقصود بالعقل: آلة التميز والإدراك.

الشرط الثالث: العلم

     قال الله -تعالى-: {قُل هـذِهِ سَبيلي أَدعو إِلَى اللَّـهِ عَلى بَصيرَةٍ أَنا وَمَنِ اتَّبَعَني}، قال ابن القيم: وإذا كانت الدعوة إلي الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لابد فى كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلي حد أقصى ما يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به  هذا المقام والله يؤتي  فضله من يشاء (انتهي)

      قال النووي: إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال؛ ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام فيه مدخل ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء.

  العلم المشترط في الحسبة

- أولاً: العلم بخطاب الشارع: أي بأن الشرع أمر بكذا ونهى عن كذا والتمكين في هذا العلم شرط للتكليف بالحسبة وغيرها.

- ثانياً: العلم بالواقع: لكي لا ينكر ماليس بمنكر؛ فمثلاً العلم بتحريم الشرع للخمر شرط في الاحتساب على شاربها، والعلم بأن ما في الكأس خمر شرط قيام المحتسب بالحسبة

      قال الشيزرى: وجب أن يكون المحتسب فقيهاً عارفاً بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وينهى عنه؛ فإن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه، ولا مدخل فى معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع فيرتكب المحظور وهو غير عالم به (انتهى).

هل يشترط في المحتسب أن يكون مجتهداً؟

يرى بعض العلماء أن الاجتهاد ليس شرطاً وإنما يكفي أن يكون عالماً بالمنكرات المتفق عليها وبالمعروف المتفق عليه.

قال عبدالكريم زيدان: وعدم شرط الاجتهاد ما نرجحه.

الشرط الرابع: القدرة:

     قال الله -تعالى-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، قال القرطبي: نص الله -تعالى- على أنه لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وقال -تعالى-: {فاتقوا الله ما استطعتم} والآيات كثيرة بهذا المعنى، ويتفاوت الناس في القدرة بدءاً من السلطان مروراً بالُمنصَّب لذلك انتهاء بالمتطوع.

     قال الخلال: عن الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه ويرى منكراً صغيراً يقدر أن ينهى عنه كيف العمل فيهما؟ قال: سئل أبوعبدلله  عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى على أن ينكر عليه وضعيف يعمل بالمنكر أيضاً ويقوى على هذا الضعيف أينكر عليه ؟

قال: نعم ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه. قال الشيخ ياسر برهامي: وشرط القدرة إنما هو تغيير المنكر باليد واللسان أما الإنكار بالقلب فيجب أن يكون كاملاً ودائماً وهو متيقن؛ إذ هو مستطاع لكل واحد (انتهى)

ومن معنى حصول القدرة: غلبة الظن بالسلامة من الأذى والمكروه لنفسه ولغيره من المسلمين

هل يشترط العدالة وتولية الإمام أم لا؟

وهذه من الشروط التي اختلف العلماء فيها، فهل تُشترط العدالة في المحتسب وهل يُشترط توليه الإمام وإذنه للمحتسب أم لا ؟

 - أولاً: العدالة:- وقد وقع خلاف بين العلماء في العدالة وهو شرط قال به بعضهم؛ لأن عندهم المحتسب لابد أن يكون عدلاً غير فاسق ومن مظاهر عدالته أنه يعمل بما يعلم، ولا يخالف قوله عمله مستدلين بقوله -تعالى-: {أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم}، وقال بعضهم: إن العدالة ليست شرطاً وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر؛ لأنه ما من أحد إلا ويصدر منه العصيان والمعصية تثلم العدالة؛ فكيف يُشترط ما يتعذر تحققه في المحتسب  قال سعيد بن جبير: إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء

والعدالة على الراجح من أقوال العلماء لا تُشترط في المحتسب

     قال الغزالي: الحق أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول هل يُشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوماً عن المعاصي كلها؟  فإن شرط ذلك هو خرق للإجماع ثم حسم لباب الاحتساب؛ إذ لا عصمة للصحابة فضلاً عمن دونهم

قال العز بن عبد السلام: إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة؛ بحيث لايوجد عدل ولينا أقلهم فسوقاً.

وقال الشيخ ياسر برهامي: ولا شك أن العدالة من آداب الحسبة وأسباب نجاح الدعوة ولكن لا تُشترط العصمة بالإجماع في الاحتساب.

- ثانياً: توليه الإمام أو إذنه: وعدم اشتراط الولاية أو إذن الإمام هو مذهب جماهير العلماء لعموم الأدلة وعدم المخصص ثم إجماع المسلمين في الصدر الأول؛ وذلك في جميع مراتب الإنكار سواء كان باللسان أم باليد لقوله -تعالى-: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

وذلك طبقاً للضوابط الشرعية وبالشروط السابقة واتباع القواعد من مصالح ومفاسد

قال القرطبي: أجمع المسلمون - فيما ُنقل عن ابن عبد البر- أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر على ذلك إن لم يلحقه بتغييره، إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى (انتهى).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك