رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 19 سبتمبر، 2022 0 تعليق

من أرشيـف علماء الدعوة السلفية في الكويت – الشيخ عبد الله السبت- رحمه الله (19) الموقف من التقليد وا

 

هذه محاضرات ألقاها الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- في أوقات متفرقة ومجالس متنوعـة، دارت حول إيضاح مفهـوم المنهج السلفي الصافي، وكشف عُوار الدعوات المشوهة له، وأثراها بالأمثلة الحية التي تُلامس الواقع، بأسلوبٍ موجز لا حشو فيه، وسهل ميسّر، بقوة حجة، واطلاعٍ تام بحال الجماعات الإسلامية المعاصرة، موجَّهٌ إلى أفهام عُموم الناس، غير مختَصٍ بنخبةٍ معينة، قام بجمعها وترتيبها الأخ بدر أنور العنجري، في كتاب (ملامح أهل الحديث) المطبوع حديثاً، ومنه استقينا مادة هذه السلسلة.

     نقول: أنت تحب الإمام ونحن نحبه، لكن حبنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى، ولذلك كانت مقولة الشافعي -رحمه الله-: «إذا رأيت قولي يخالف الحديث، فخذوا بالحديث، واضربوا بقولي عرض الحائط»، نحن لا نضربه بعرض الحائط، بل نقول: غفر الله له، ورحمه الله، ونفع به، ونستغفر له.

موقف السلفيين من التقليد

     إذا موقف السلفيين من التقليد أنهم يرونه ظاهرة وواقعا موجودا في حياة الناس قديما وحديثا، لكنهم لا يرون لأحد أن يأخذ بقول كائنا من كان إذا بان له حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقدون أنه ليس كل إنسان عنده القدرة على أن يكون مجتهدا، وأن يكون مميزا بين الأدلة، وإنما الناس مراحل كل بحسبه يجتهد، وكل بحسبه يعطي، فيريدون نقل المسلمين إلى العيش مثل العصور السابقة عصر الصحابة والتابعين بكل ما فيها، من أئمة مجتهدین، من دعاة متبعين، من عوام مقلدين، هذا هو الواقع القديم، وأن تحب الناس إلى حزبيات ضيقة، هو الذي يفرق المسلمين، وأن الدعوة الشاملة التي تخدم الجميع وتعلن ولاءها للأئمة -رضي الله عنهم أجمعين- هي الدعوة الحق، الواجبة الاتباع.

     فنحن إذا بين إفراط من يلغي الفقه على المذاهب مطلقا، وبين من يلزم الناس بمذهب معين واجب السير عليه؛ فالإسلام أوسع من هذا، ونحن ندعو الناس إلى العودة إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم .

الفرق بين المذاهب

     سؤال: ما مذهب الشافعي نفسه؟ وما مذهب الإمام أحمد؟ وما مذهبهم؟ مذهب أبي حنيفة؟ وما مذهب مالك؟ على أي فقه درسوا هم أنفسهم، لابد أن تطرح هذه الأسئلة على الذي يريدنا أن نقتدي بهم، فأقول: لو أردت أن أكون شافعيا، لكن أريد أن أعرف ماهو مذهب الشافعي؟ فالشافعي لم يكن في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل جاء متأخرا، فأنا أريد أن أكون على المذهب الذي درس عليه الشافعي، فإن قال: إنه كان مذهب شيخه، قلنا له كيف ترك مذهب شيخه؟ وأنتم تقولون: إن السابقين أعلم، فإذا شيخ الشافعي أعلم من الشافعي، فأنا أكون على مذهب شيخ الشافعي، فيقول: لا ينبغي أن تكون على مذهب شيخ الشافعي، فنقول له: أنت تمنع علي أمرا وقع فيه الإمام الشافعي!.

     الآن أئمة المساجد -إلا من رحم الله- يحرمون الاجتهاد ويوجبون التقليد، ولكن يأتيهم العامي، والعامي حنفي أو حنبلي، والإمام شافعي، فيفتيه الإمام على مذهبه، ولا يسأل العامي أنت ما مذهبك؟! وهم بذلك خالفوا أصلهم، وهو أن المقلد لا يجوز له الإفتاء، بإجماع من كتب من المذاهب.

على الأمة أن تعود للعهد السابق دون هذا التعقيد

     نريد للأمة أن تعود للعهد السابق دون هذا التعقيد ، وأنا أذكر - وقلته مرارا- أني ناقشت كثيرا من الإخوة أئمة المساجد الذين يحلقون لحاهم، قلت لهم: أنتم ترون أنه لا اجتهاد، فعلى أي أساس تحلقون لحاكم؟! الأئمة الأربعة يوجبون إعفاءها، وأنتم تحلقون! فهل أنتم خالفتم المذهب؟ أم اجتهدتم؟! فهم في التطبيق العملي لأنفسهم يقعون فيما نريد أن نوصل الناس إليه، لكنهم تربوا على شيء، يريدون أن يبقى العلم عندهم، وتأتي الناس تسألهم، لا يريدون للناس أن تتعلم وأن تتفقه.

الأئمة الأربعة منعوا التقليد

     لم نقرأ أن هناك عالما معتبرا أجاز التقليد، هؤلاء الأئمة الأربعة أقاويلهم معروفة، أشهرها مقولة الإمام أحمد «لا تقلدني، ولا تقلد مالكا..»، وقصة الإمام مالك مع الخليفة العباسي مشهورة، بأنه منعه أن يلزم الناس في العمل بالموطأ، لماذا؟ لأنهم ما كانوا يرضون لأحد أن يقلدهم أبدا، فنقول: إذا كان الأئمة أنفسهم منعوا الناس من التقليد، وكبار أتباعهم منعوا الناس من التقليد، وأهل العلم جيلا بعد جيل منعوا الناس من التقليد، فلماذا يطالبون الناس بالعودة إلى التقليد مرة أخرى؟!

لماذا تمنع التقليد على مذهب معين؟ لأسباب:

     منها: أنا مأمورون باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإذا تعارض فعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع قول إمام، لزم العمل بالسنة، وإلا جعلنا الإمام هو الرسول؛ لأن الله -عز وجل- يقول: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء:65) وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبی».

     تأتي للمالكية تجدهم يسدلون أيديهم في الصلاة، تسألهم لماذا؟ قالوا: هذا قال به الإمام مالك، أين قال هذا الكلام الإمام مالك؟ هذه كتبه لا يوجد له قول، بل يوجد له قول عكسه، وهو موجود في الموطأ، في وضع اليد اليمنى على اليسرى.

     وإن قلنا -جدلا-: إن الإمام قال: تسدل اليد، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال توضع اليمني على اليسرى، وجاءك الخبران، وأنت لا تملك معارف سابقة، فأيهما تقدم؟

     هم يقولون: إن الإمام قد بلغه هذا الحديث، لكن رأى له صوارف تصرفه عن ظاهر معناه، نقول: سبحان الله! إذا كل شيء بالإمكان تصرفه، فغدا يأتي أحدهم ويقول هذا الكلام في الخمر وفي الربا وفي أشياء كثيرة!

     وخذ كذلك الأحناف مثلا يحترمون رفع اليدين في الصلاة في غير تكبيرة الإحرام، والأحاديث في هذا متواترة، لا لشيء إلا لأن الإمام لم يقل به! وقس على ذلك أشياء كثيرة موجودة.

     ويقولون نحن مأمورون باتباع الإمام، لأنه أعلم بالسنة، نقول: طيب، هذا الإمام خالفه أئمة آخرون، فهل هم جهلاء؟! إذا لهذا السبب نحن نقول بأننا مأمورون باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندما تقبر في قبرك لن تسأل على أي مذهب أنت، وإنما تسأل عن السنة، عن اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، من ربك ومن نبيك؟ لن تسأل ما مذهبك؟

     الإمام مالك -رحمه الله- يقول: «ليس كل ما قال رجل قولا، وإن كان له فضل، يتبع عليه»، ونفسه صاحب المقولة: «كل يؤخذ من قوله..».  ومنها: أن التزام مذهب معين هو سبب فرقة المسلمين، وأنا شاهدته بنفسي في الجامع الأموي بالشام أن الناس تصلي خلف أربعة أئمة.

أشهر مسألة عند الشافعية

     خذوا الآن أشهر مسألة عند الشافعية، وهي أن لمس المرأة يبطل الوضوء، فقد قال الإمام الشافعي -كما نقل عنه البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار -: «إذا صح حديث معبد بن ثباته فبه أقول» وحدیث معبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعض أزواجه وذهب ليصلي ولم يتوضأ، إذا هو لم يقل إن اللمس ينقض، وإنما هذا الحديث لم يصح عنده، فأبقى الآية على عمومها، ولكنه قيد فقال: «إذا صح حديث معبد بن ثباته به أقول، فإنه ليس لأحد قول مع فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» هذا فقه الأئمة، أما أن ينسب إليهم بما هو موجود في المختصرات يمثل المدرسة ولا يمثل رأي الإمام، إلا في القليل، وهذه القضية يعرفها كل من درس وقارن بين ما كان عليه فقه الأئمة، وما عليه المدرسة الآن.

 

اتباع ما يسمى بـ(الفقه المذهبي) يحجب الناس عن حقيقة التدبر

     إذا اتباع ما يسمى بـ(الفقه المذهبي) إنما هو يحجب الناس عن حقيقة التدبر الصحيح، ولذلك إذا أخذ الإنسان الفقه هكذا مجردا دون دلیل، من آية أو حديث، فإنه لا يربي عنده الوازع الديني، أما الذي يقرأ الحكم من الآية أو من الحديث، يتغير تماما نظره لهذا الحكم، عن الذي يقرؤه من قول إنسان مثله، فإرجاع الناس إلى المختصرات وإلى أقوال الرجال يحجب الناس عن المصدر الصحيح الذي هو الكتاب والسنة، ويوجد بين الناس فجوة، هذه الفجوة تتعمق يوما بعد يوم، إلى أن يصل الناس كما قال قائلهم الصاوي -وهو أشهر من علق على تفسير الجلالين وهو من كبار فقهاء المالكية-، يقول: «إن الاعتماد على ظواهر الكتاب والسنة من أكبر الكفر»! وهذا ليس رجلا عاما، وإنما هو يعلق على أشهر كتاب تفسیر مختصر، وهو إمام معتمد في الفقه وله كتب كثيرة، ما الذي جر هذا إلى هذه المقولة؟ جره إليها أنه ظن أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم الكتاب والسنة مباشرة.

     إذا كلما ابتعدنا عن أخذ العلم والحجة والحكم من الكتاب والسنة، اتجه الإنسان إلى أن يبقى عنده فقه أجوف، ويتولد عنده بعد ذلك الحيل، فيبدأ يحتال كيف يتخلص من هذا الحكم الشرعي، وأنا أنصحكم للرجوع إلى كتاب الحيل من الكتاب الكبير للإمام ابن القيم -رحمه الله- (إعلام الموقعين).

     سبب آخر يجعلنا ندعو الناس ألا يلتزموا المذاهب، ما الذي يجعلني أن أكون شافعيا ولا أكون حنبليا؟ وأنت اسأل إمام المسجد عن مذهبه، فإن قال أنا شافعي -مثلا-، فقل له: لماذا لم تكن حنبليا؟ فلديه جوابان لا ثالث لهما: إما أن يقول هذا وجدت من سبق، وولدت في بيئة شافعية فتشفعت، وإذا ولد في بيئة حنفية كالهند فهو حنفي، وإن ولد في الجزيرة فهو حنبلي، هكذا يقول، أو يقول - الجواب الثاني-: أنا قرأت و میزت وتعلمت أن مذهب الشافعي أفضل فاتبعته، ولا أظن أن هناك جوابا ثالثا.

     فإذا قال الأولى: فنقول له إذا أصبحت أنت كالعجائز، فكيف تفتي وتتكلم وأنت اتبعت مذهبا وجدت الناس يتبعونه! وقد يكون صوابا وقد يكون خطأ، وهذا معناه أنك إنسان لا تصلح لأن تكون طالب علم، لأنك لابد أن تمیز.

     وإن قال الثانية: إنني أمیز، فنقول له أولا يلزم أن تكون أنت أعلم من الشافعي وأحمد حتى تحكم بأن مذهب هذا أفضل من مذهب ذاك، أو على الأقل -تنازلا- أنت تقرر بأن مذهب الشافعي أفضل من مذهب الإمام أحمد، فتطعن في الإمام أحمد! ولذلك عندهم لا يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب.

لماذا لا تنظر في مذهب الصحابة؟

     لماذا لا تنظر في مذهب الصحابة -وهو موجود بالكتب أيضا-، وتقارنه مع مذهب الشافعي، فتكون بكريا أو عمريا؟ ما الذي جعلك فقط تقارن بين هؤلاء الأربعة؟ لماذا لم تقارن بمذهب الليث، والشافعي نفسه يقول: (الليث أفقه من مالك)، وهذه شهادة من الشافعي.

     فلهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة، ندعو الناس لنبذ التقليد، وأن يأخذوا الدين من منابعه، ومن الأئمة كلهم، ويستفاد من فقههم، وينظر إلى ما قالوا، فإنهم من القرون الثلاثة، ولكن لا يجوز أن تقلد أحدا بعينه، ونرى أن هذا من البدع، ومعنى البدعة شيء أحدث في الدين، وأكبر إحداث أن تلزم الناس أن يكونوا على مذهب من المذاهب الأربعة، وإذا جئت تقول أنا على مذهب البخاري، لا يرضون! أو تقول أنا على مذهب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، لا يرضون!

شبهات يثيرها المقلدون

     يقولون: إذا تركنا تقليد الأئمة الأربعة وفتحنا الباب، يأخذ الإنسان مایشاء؛ فتنشأ فوضى علمية، فيصبح كل جاهل يفتي في الدين، ويصبح الناس يتكلمون دون بينة.

     نقول: مع وجود الحجر على الاجتهاد والإلزام بالتقليد، فالفوضى العلمية واقعة، فمن الذي أفتى بأن الفوائد البنكية حلال؟ هل الذين قالوا لا تقلدوا، أم كبار مشايخ الأزهر؟ أفتى فيها الشيخ شلتوت وغيره، ومن أباح الموسيقى، والرقص في المدارس، ولبس القصير للنساء؟ ومن أباح التماثيل؟ ومن أجاز المحلل للزوجة البائن، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى المحلل تیسا مستعارا ولعنه، ولكن نجد في كتب الأحناف من يجيز ذلك، أو التحايل في التخلص من الربا، فكل من أفتوا بهذه الفتاوى ملتزمون بأحد المذاهب الأربعة.

يقولون: إننا إذا قلنا للناس بترك المذاهب، كأننا نرمي بكل فقه القرون الأخرى كلها، ويضربون مثلا كالذي يبني شيئا جديدا فيهدم بنيان السابق.

الخلاف موجود في المذهب الواحد

     والخلاف موجود حتى في المذهب الواحد، هناك قولان للإمام الشافعي، وقولان للإمام أحمد، و إنا نقول: إذا جاءت الأحاديث، فتتخذ قواعد الجمع بين النصوص، وقد يصيب الرجل وقد يخطئ.

     فنقول إذا: نحن ندعو إلى الوحدة، وإلى أن تكون الأمة أمة واحدة، عقيدة واحدة، وشريعة واحدة، وهذا لا يتأتى إلا أن تجتمع الأمة على عقيدة غير مختلف عليها، وهي عقيدة الصحابة، وعلى فقه غير مختلف فيه، وهو فقه الأئمة السابقين من القرون الثلاثة، فيجمع هذا ويرد ما يخالف النصوص، ويكون هذا هو دستور الأمة.

فإذا فعلنا هذا، طبقنا مبدأ التحاكم إلى الله وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا لم نطبقه، خالفنا المبدأ الذي ننادي به.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك