منهج ابن تيمية في كشف بدعة الخوارج (2)
الخوارج وقعوا في أمرين: تركهم واجب اتباع السنة وتفسير القرآن بفهمهم وآرائهم
لقد نبتت في بلاد المسلمين نابتة سوء ترجع بأصولها إلى بدعة الخوارج؛ فوجب تحذير المسلمين من ذلك، وحتى يتمكن المبصر – لحقائق الأشياء – التمييز عند الحكم على الأفعال بين الخطأ المغفور لصاحبه الذي هو من قبيل الاجتهاد السائغ، وبين الأخطاء المغلظة التي ترجع بأصولها إلى أهل البدع والأهواء؛ ولاسيما فيما يتعلق ببدعة تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وديارهم، واستكمالاً لهذا الموضوع نقول:
مصدر التلقي عند الخوارج وطريقتهم في الاستدلال
يعتمد الخوارج في تقرير أصولهم على ظواهر النصوص القرآنية، ويردون من السنة ما خالف – بزعمهم – ظاهر القرآن، بل يعدلون عن السنة المتواترة إذا كانت تخالف هذا الظاهر، يقول شيخ الإسلام – رحمه الله – في (المجموع 3/355): وإذا عرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب، ويعتقدون ذنباً ما ليس بذنب، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترة. ويكفرون من خالفهم، ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»، ولهذا كفروا عثمان وعلياً وشيعتهما؛ وكفروا أهل صفين – الطائفتين – في نحو ذلك من المقالات الخبيثة أ.هـ
فالخوارج وقعوا في أمرين خطيرين:
- الأول: تركهم واجب اتباع السنة، ولا يرون اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجباً:
قال شيخ الإسلام في (المجموع 20/104): وأهل البدع ذنوبهم ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين، فإن الخوارج أصل بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عندهم، وهذا ترك واجب.
وقال -رحمه الله- في (المجموع 19/73): والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف – بزعمهم – ظاهر القرآن.
- الأمر الثاني: تفسير القرآن بفهمهم وآرائهم: فلم يقف الأمر عند اتباع القرآن دون اتباع السنة فحسب، بل تعداه إلى تفسير القرآن بفهمهم وآرائهم وأهوائهم، لا سيما نصوص الوعيد؛ حيث غلطوا في فهمهم، يقول شيخ الإسلام في (المجموع 28/483)، وأيضا فالخوارج كانوا يتبعون القرآن بمقتضى فهمهم.
وقال أيضاً في (المجموع 28/491): وأيضاً فإن الخوارج كانوا ينتحلون اتباع القرآن بآرائهم، ويدعون اتباع السنن التي يزعمون أنها تخالف القرآن.
تحليل بدعة الخوارج
والمتتبع لكلام شيخ الإسلام في تحليله لبدعة الخوارج يلحظ: أن الخوارج لم يكن عندهم كتب مصنفة في أصول بدعتهم وتفريعاتها؛ بل تبقى فكرتهم قائمة في عقولهم، ينظِّرونه، ويؤصِّلونها على أساس بدعي حركي فكري؛ مما يخدم بدعتهم في تكفير المسلمين وإلزامهم بهذا اللازم الفاسد؛ ولهذا يصعب تمييزهم في بداية ظهورهم حتى تكون لهم الأرضية التي ينطلقون منها لتحقيق بدعتهم، بخلاف سائر الفرق الأخرى التي لها كتب مصنفة في تقرير اعتقادها، ومن ثمَّ يتمكن أهل الاتباع من تمييزهم والتعريف بهم وببدعتهم.
يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في (المجموع 13/48-49): و(الخوارج) لا يتمسكون من السنة إلا بما فسر مجملها دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصاباً، وحينئذ فقد يقولون: ليس في القرآن قتل المرتد، فقد يكون المرتد عندهم نوعين.
أقوال الخوارج
وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالميّة، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية، ونحو هؤلاء.
مسّوغات بدعتهم
المحور الرابع: منشأ الغلط عند الخوارج، عالج شيخ الإسلام – رحمه الله – عوامل نشوء بدعة الخوارج، وبيان المداخل التي يدخل الشيطان منها؛ لتزيين البدعة لهم، وتحسينها، بل وتسويغ القول بها؛ حتى تكون مقبولةً يدافعون عنها بالجماعة والإمام والسيف.
ويمكن الإشارة إلى الأسباب التي رصدها شيخ الإسلام، التي هي منشأ الغلط عندهم، وهي – في الوقت نفسه – مسوّغات إمضاء بدعتهم إلى الناس:
المسوغ الأول : الورع الفاسد (الناقص) الناتج عن قلة العلم:
يتورّع كثير من الناس عن أمور معينة، وبالمقابل يتركون أموراً واجبة عليهم، ومنهم من يفعل أموراً مشتبهة فاسدة هي من جنس الظنون الكاذبة، ويعدون ذلك من قبيل الورع بسبب نقص علمهم وفقههم، حتى يجعلوا ذلك طريقةً متبوعةً يضاهون الشريعة فيها.
ولما تورع الخوارجُ تورعاً فاسداً من جهة تعظيم أمر الظلم والمعاصي، وأن الله -تعالى- صادق ليس بكاذب بما أخبر بأحكام الوعيد، وتركوا بالمقابل واجب الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيم سنته في مسائل الأسماء والأحكام، ووجوب بذل الرحمة لأهل الإيمان؛ وقعوا في بدعتهم المغلظة، التي كانت سبباً في تنصيص النبي صلى الله عليه وسلم على ذمهم والأمر بقتالهم.
وفي هذا المدخل الخطير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في (المجموع 20/140): وهذا الورع قد وقع صاحبه في البدع الكبار؛ فإن ورع الخوارج والمعتزلة ونحوهم من هذا الجنس، تورعوا عن الظلم وعما اعتقدوه ظلماً من مخالطة الظلمة في زعمهم، حتى تركوا الواجبات الكبار، من الجمعة والجماعة؛ والحج والجهاد؛ ونصيحة المسلمين والرحمة لهم، وأهل هذا الورع؛ مما أنكر عليها الأئمة؛ كالأئمة الأربعة، وصار حالهم يذكر في اعتقاد أهل السنة والجماعة.
ثم بيَّن -رحمه الله- أن هذا الورع الفاسد لا يصح إلا بعلم كثير، وفقه متين، وحلم رزين؛ فقال في (المجموع 20/141-142): ولهذا يحتاج المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة، والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه؛ كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج وغيرهم.
والورع المشروع – الذي غلط فيه الخوارج وانحرفوا عنه – لابد أن يكون في فعل الواجبات وترك المحرمات أولاً، ولا بد أن يكون صاحبه موافقاً للسنة ثانياً، وأن يكون في دائرة الخوف والرجاء ثالثاً، يقول شيخ الإسلام في (المجموع 20/110-111): مثال ذلك: أن الوعيدية من الخوارج وغيرهم فيما يعظمونه من أمر المعاصي والنهي عنها، واتباع القرآن وتعظيمه أحسنوا، لكن إنما أُتوا من جهة عدم اتباعهم للسنة، وإيمانهم بما دلت عليه من الرحمة للمؤمن إن كان ذا كبيرة.
المسوغ الثاني: التلازم بين الخطأ والإثم:
من المعلوم أن الكلام في حكم الفاسق الملي هو أول اختلاف حدث في الملة؛ فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالوا بـ «إنفاذ الوعيد» ومعناه عندهم: أن فساق الملة مخلدون في النار، لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك؛ ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب، إذا كان عندهم قد أخبر بالوعيد العام، فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه، وغلطوا في فهم الوعيد، وجعلوا الإثم وموجبات الوعيد لازمة للخطأ لا تنفك عنه بأي حال.
قال شيخ الإسلام في (المجموع 35/69-70): وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم؛ ويقولون: إنهم معصومون. وتارة يجفون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ، وأهل العلم والإيمان لا يعصمون، ولا يؤثمون.
ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال؛ فطائفة سبت السلف ولعنتهم؛ لاعتقادهم أنهم فعلوا ذنوباً، وأن من فعلها يستحق اللعنة؛ بل قد يفسقونهم؛ أو يكفرونهم، كما فعلت الخوارج الذين كفروا علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، ومن تولاهما، ولعنوهم وسبوهم، واستحلوا قتالهم. أ.هـ
المسوغ الثالث: الغلط في فهم النصوص:
ظهر هذا الغلط بوضوح في فهم نصوص الوعيد وما يتفرع عن ذلك من تكفير المسلمين، وكذلك في فهم نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتفرع من مسائل الخروج على الأئمة وقتالهم.
يقول شيخ الإسلام في (درء تعارض العقل والنقل 1/141): والخوارج الذين تأولوا آيات من القرآن وكفّروا من خالفهم فيها، أحسن حالاً من هؤلاء، فإن أولئك، أي: الخوارج علّقوا الكفر بالكتاب والسنة، لكن غلطوا في فهم النصوص، وهؤلاء، أي: الجهمية علّقوا الكفر بكلام ما أنزل الله به من سلطان.
المسوغ الرابع الغلط في الوسائل والمقاصد:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصد شرعي له ضوابطه وحدوده ووسائله، والخوارج – بسبب إعراضهم عن السنة – جعلوا المعروف منكراً والمنكر معروفاً، بل جهلوا وسائل الأمر والنهي وما يصلح لهما وما لا يصلح؛ فكان خطؤهم في الوسيلة والمقصد.
يقول شيخ الإسلام في (المجموع 28/128) – عند الكلام على أغلاط الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر –: والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه وإما بيده مطلقاً؛ من غير فقه وحلم وصبر ونظر فيما يصلح من ذلك وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر؛ فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيع في ذلك لله ورسوله وهو معتد في حدوده؛ كما انتصب كثير من أهل البدع والأهواء؛ كالخوارج والمعتزلة والرافضة، وغيرهم ممن غلط فيما أنه من الأمر والنهي والجهاد على ذلك، وكان فساده أعظم من صلاحه؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة؛ ونهى عن قتالهم ما أقاموا الصلاة، وقال: «أدوا إليهم حقوقهم، وسلوا الله حقوقكم».
المسوغ الخامس: الغلط في الدليل والمدلول:
اعتقد الخوارج رأياً ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم، وسلكوا في سبيل ذلك طريقين:
إما بسلب ما دل عليه القرآن، وإما بحمله على ما لم يدل عليه؛ فكان خطؤهم فيما اعتقدوه من المعاني الباطلة، وفي طريقة استدلالهم لتقرير تلك المعاني:
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في (المجموع 13/356): فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول – مثل طوائف من أهل البدع – اعتقدوا مذهباً يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن؛ فتأولوه على آرائهم:
تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم.
لاتوجد تعليقات