مكافحة الجوع في الإسلام (2)
تعدُّ مشكلة (الجوع) من أخطر المشكلات التي تواجه البشرية، وتسبِّب هلاكَ أعدادٍ كبيرةٍ منها كلَّ عامٍ؛ لهذا فإن التركيز على مشكلة (الجوع) من الواجبات التي لها الأولوية، ومكافحته من حقوق الإنسان الضرورية، فلا غروَ أن يكون إطعام الجائعين من الأعمال الفاضلة التي حثَّ عليها الأنبياء والمرسلون -عليهم الصلاة والسلام-، وتتابعت شرائعهم بالأمر بها، وبيان فضائلها، وتضمَّنت الشريعةُ الإسلامية من الأحكام والآداب التفصيلية في مكافحة الجوع والتخفيف عمَّن يعانون من وطأته ما لا مثيل له في أيِّ شريعةٍ سابقةٍ، ولا قوانينَ حادثةٍ؛ فقد جعلها الإسلام عملًا صالحًا من صُلْب الإيمان، ووضع الأحكام التي تشجِّع عليها، وأوردتْ من صنوف الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب ما يضمن استمراريتها في ضمير أتباعه وتصرفاتهم.
الإطعام حقٌّ واجبٌ
وإن ما ذكرناه في المقال السابق هو الأصل في تربية الإسلام لأتباعه؛ فالله -تعالى- يريد من الناس أن يبادروا إلى الخير بمحض إرادتهم ودوافعهم الداخلية، من غير جبرٍ ولا إكراهٍ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} (المزمل: 20). لكن هذه المبادرة الذاتية إلى الخير لا تتحقق في كل إنسان، كما أن الناس يتفاوتون فيه تفاوتًا كبيرًا، وقد ينشغلون برغباتهم وشهواتهم، وتغلبهم أنانيَّتُهم، فيغفلون عن ذوي الحاجة، إما بتضييعهم بالكلية، أو بالتقصير في حقهم. لهذا جاءت الشريعة الإسلامية بالأحكام التي تحفظ الضروريات، وتصون الحقوق، وتأمر بإقامة الواجبات، إما أمرًا دينيًّا محضًا، تترتب عليه عقوبات أخروية فقط، وإما أمرًا دينيًّا ودنيويًّا أيضًا؛ بحيث تترتب عليه عقوبات دنيوية، يقوم بتنفيذها السلطة الحاكمة؛ فتلزم المواطنين بأداء الحقوق، والقيام بالواجبات إلزامًا. وبهذا يكون دين الإسلام قد جمع بين الطريقتين في تحقيق التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع: الطريقة الاختيارية التطوعية، والطريقة التشريعية الإلزامية. وهذا من كمال الشريعة ومحاسنها، وصلاحها وإصلاحها لكل زمان ومكان.
تشريع الزكاة
أبرز التشريعات الإلزامية في هذا المجال هو الزكاة؛ إذ هي فرض في القرآن والسنة والإجماع، وهي ركن من أركان الإسلام، فرضت في السنة الثانية من الهجرة، وهي من التشريعات الخاصة بالمجتمع المسلم في مواردها ومصارفها، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين: «إنَّ الله قد فرَضَ عليهم صدقةً تُؤخَذ من أغنيائهم، فترَدُّ على فقرائهم».
حقوق غير المسلمين
أما غير المسلمين فلهم حقوق أخرى بما يحفظ لهم ضروريات الحياة من المطعم والمشرب والمسكن، وبما يصون كرامتهم الإنسانية بالقيام بحوائجهم، وليس لهذا مقدارٌ ولا حدٌّ. وقد جاء الترغيب في الإحسان للمخالفين في الدِّين ما داموا غير مقاتلين، كما قال -تعالى-: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)، قال ابن العربيِّ المالكيِّ (ت: 543): «قوله -تعالى-: {وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} أي تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه الصِّلة، وليس يريد به: العدل؛ فإن العدل واجب فيمن قاتل، وفيمن لم يقاتل».
آثار الصحابة
وجاءت آثار عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم- بإيجاب ذلك الإحسان عن قيام موجِبِه، منها ما رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه مرَّ بباب قومٍ، وعليه سائل يسأل: شيخٌ كبيرٌ! ضريرُ البَصَر! فضرب عضده من خلفه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهوديٌّ. قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أُسأَل الجزيةَ والحاجةُ والسِّنُّ. قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه؛ فوالله ما أنصفناه أَنْ أكلنا شبيبتَه، ثم نخذله عند الهرَم، {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}، والفقراءُ هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزيةَ وعن ضُرَبائه. وعندما زار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الشَّامَ مرَّ عند مَقدمِه الجابيةَ من أرض دمشقَ بقومٍ مجذومين منَ النَّصارَى، فأمَرَ أن يعطَوا منَ الصدقات، وأن يُجرَى عليهم القوتُ.
مقصد عظيم
وهذا الحكم من الخليفة الراشد عمر مبنيٌّ على مقصد عظيم في الشريعة، وهو المحافظة على حياة الإنسان وما به قوامها؛ لكونه نوعًا مكرَّمًا مميزًا، كما قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70)، فلا يستهان بحياة إنسان، ولا تهدر كرامته، وتضيع حقوقه، مهما اختلفت العقائد والأديان، لهذا أفتى سماحة الشيخ الراحل عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت: 1999) -المفتي السابق للمملكة العربية السعودية، رحمه الله- بمساعدة الفقراء من الرجال والنساء والأطفال، مهما كانت جنسياتهم واعتقاداتهم، بشرط ألا يكونوا منتمين إلى دولة معادية للإسلام والمسلمين.
حديثان عظيمان
وهاهنا حديثان عظيمان يدلَّان على وجوب المشاركة في ضروريات الحياة:
- الأول: قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما آمَنَ بي مَن باتَ شبعانَ، وجارُه جائعٌ إلى جَنْبه، وهو يعلم به».
- والثَّاني: ما رواه أبو سعيدٍ الخدريُّ - رضي الله عنه -: بينما نحن في سفرٍ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجلٌ على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان معه فضلُ ظهرٍ فليَعُدْ به على من لا ظهرَ له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليعُدْ به على من لا زادَ له»، قال: فذَكَر من أصناف المال ما ذَكَر حتى رأينا أنَّه لا حقَّ لأحدٍ منَّا في فضلٍ.
قال ابن حزم (ت: 456) -رحمه الله-: «وفَرضٌ على الأغنياء من أهل كلِّ بلدٍ أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك إن لم تَقُمِ الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين؛ فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بُدَّ منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنُّهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المارَّة. برهان ذلك: قول الله -تعالى-: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} (الإسراء: 26)، وقال -تعالى-: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: 36)؛ فأوجب -تعالى- حقَّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حقِّ ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسانُ يقتضي كلَّ ما ذكرنا، ومنعه إساءةٌ بلا شك». وسيأتي في مبحث (لا تمييز على أساس الدين...) مزيد أدلة على هذا الأمر.
تحريم التَّرفع والاستعلاء والمنِّ والأذى
إذا كان عمل الإنسان لله -تعالى-، وكان دافعه الشفقة والتراحم والتكافل والإحسان، وأدرك ما يجب عليه من الحقوق والمسؤوليات تجاه إخوانه في الدين، أو في الإنسانية؛ فالواجب عليه أن يتواضع لله -تعالى-، ولا يقصد بصدقته ومعونته الظهور والشهرة، ويتجنب التعالي والكبر، ويراعي مشاعر المحتاجين، فلا يخدشها بأي قول أو فعل يسيء إليها.
معان سامية
لقد جاءت الشريعة السمحة بتقرير هذه المعاني السامية، والتنبيه على أهمية مراعاتها، حتى يكون عمل المسلم صالحًا مقبولًا عند الله -تعالى-، غير مؤذٍ لعباده، فقال -تعالى-: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 262 - 264). فامتدح الله -تعالى- الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله ولا يتبعونها بما يُنقِصها ويفسدها من المنِّ بها على المنفَق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدِّد عليه إحسانَه، ويطلب منه مقابلته، ولا أذيةً له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم اللائق بهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم الشر لأنهم عملوا عملًا خالصًا لله سالما من المفسدات. ثم نهَى الله عبادَه لطفًا بهم ورحمةً عن إبطال صدقاتهم بالمنِّ والأذى؛ ففيه أن المنَّ والأذى يبطل الصدقة.
وإذا كان الله -تعالى- قد نهى عن المنِّ والأذى، فقد رغَّب بالمقابل بالأكمل والأحسن في السلوك والتصرف، وذلك بأن تكون الصدقة سرًّا، فتكون من جهة في سلامة تامة من الرياء والسمعة، فلا يخدش إخلاصه لله -تعالى- شيءٌ، وتكون من جهة أخرى في غاية الأدب والرفق والإحسان بالمتصدَّق عليه. قال -تعالى-: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة: 271)، وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: «ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينُه».
لاتوجد تعليقات