رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 24 فبراير، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق {والكاظمين الغيظ}

  - لا شك أن الأصل في الأخلاق أنها مكتسبة،  وأنها من عمل العبد وكسبه؛ ولذلك يثاب عليها أو يعاقب! - ولكن بعض الناس أخلاقهم حسنة بالفطرة. - هذا صحيح كما في حديث الأشجّ عبد القيس، إذ قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خُلقين جُبلت عليهما؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله»، وهذا الحديث دليل على أن المرء يكتسب معظم أخلاقه، ومن كان لديه خلق حسن بالفطرة فليشكر الله -عز وجل-، وليحافظ على هذا الخلق؛ لأنه نعمة عظيمة، والحديث الآخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحِلم بالتحلم ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه»، وعن أبي سعيد الخدري: «ومن يستعفف يعفه الله -عز وجل-، ومن يتصبر يصبره الله» ؛ فهذه الأحاديث وغيرها تبين أن المرء يسعى لاكتساب الأخلاق الحميدة ويجاهد نفسه عليها، ويعينه الله على ذلك، ويعمل كل ذلك بإخلاص رجاء الثواب العظيم لمن حسن خلقه. صاحبي أكثر الناس هدوءًا، لم أره يومًا يغضب على أحد، ولا يرفع صوته على أحد، أغبطه على حلمه! - في أشهر الصيف (6، 7، 8، 9)، تصل درجة الحرارة إلى أرقام قياسية في الكويت، حتى تكون أحيانًا- ودون مبالغة- أسخن بقعة على سطح الأرض، كما تطلب الجهات المسؤولة الاقتصاد في استهلاك الكهرباء؛ فنخفف درجة التكييف والإضاءة في المسجد. بعد صلاة العصر، شعرت أن إمامنا منزعج، جلست معه وصاحبي (الحليم)، بعد أن غادر المصلون أخبرني أن أحد المصلين أتى مبكرا وأخذ يوبخ المكلف بالنظافة في المسجد وكاد يضربه، تدخلت، رفع صوته عليّ، ونهرني بكلمات شديدة لتخفيف التكييف وعدم الإضاءة بشكل كامل، كظمت غيظي ولم أجبه؛ فغادر المسجد وتعهد ألا يصلي معنا! وسيشكونا إلى المسؤولين! - متى حصل ذلك؟ - قبل الصلاة، هذه الصلاة، صلاة العصر. - ابتداء، جزاك الله خيًرا على كظم غيظك وعدم الرد، واحتسب ذلك عند الله، وفي كل مسجد تجد أحدهم يتصرف بهذه الطريقة. - تدخل صاحبي (الحليم). - أنت أحفظ منا لكتاب الله {والكاظمين الغيظ}، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (صحيح الأدب المفرد). وأخذ صاحبي يورد ثواب كظم الغيظ. - أولها ما أعده الله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران). قاطعته:

  • ما الأصل اللغوي لـ(كظم الغيظ)؟
- (الكظم) هو الإمساك والحبس للشيء ومنعه من الخروج، قال القرطبي: (كظم الغيظ)، رده في الجوف، وعدم إظهاره، والغيظ أول الغضب.
  • والثانية حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه- قال - صلى الله عليه وسلم -: «من  كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله -سبحانه- على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء» (صحيح الترغيب).
  • والثالثة (حسن الخلق، كظم الغيظ لله)؛ فكأن كظيم الغيظ هو أساس حسن الخلق، كما تقول (الحج عرفة)، ومن حسن خلقه نال جزاء الصائم القائم!, وفي صحيح ابن ماجه، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله -عز وجل-».
سألت إمامنا: - هل رددت عليه بشيء؟! - كلا بل بقيت صامتًا أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسي. - خيرا فعلت، فهذه وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا غضب أحدكم فليسكت» (صحيح الجامع). في تفسير ابن عاشور: الصفة الثَّانية: الكاظمون الغيظ. وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شك أن أقوى القوى تأثيرا على النفس القوة الغاضبة، فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساك مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النفس، وقهر الإرادة للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة.
  • الصفة الثالثة : العفو عن النَّاس فيما أساؤوا، وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس؛ لأن كظم الغيظ قد تعترضه ندامة؛ فيستعدي على من غاظه بالحق، فلما وصفوا بالعفو عمن أساء إليهم، دل ذلك على أن كظم الغيظ وصف متأصل فيهم، مستمر معهم، وإذا اجتمعت هذه الصفات في نفس سهل ما دونها لديها.
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان؛ ولذلك ختك الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}؛ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك