رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أمير الحداد 28 يناير، 2026 0 تعليق

مكارم الأخلاق – فليَقل خيرًا.. أو ليصمت

- لا شك أن اللسان باب عظيم إلى النار أو إلى الجنة، يغفل عنه كثير من الناس، مع إن الجميع يعرف حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» (البخاري)، وصاحب الأخلاق يزن كل كلمة يقولها، وإلا لزم الصمت، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

كنت وصاحبي على متن الطائرة لأداء العمرة، اتخذنا القرار بعد صلاة الجمعة، وأتممنا جميع الحجوزات ساعتها، على أن نعتمر السبت ونرجع الأحد!

- فضل عظيم وتيسير من الله أن نتمكن من أداء العمرة خلال يوم واحد.

- نعم، الحمدلله على هذه النعمة العظيمة.

تابعنا حديثنا عن حفظ اللسان.

- قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب)، هذه الآية التي يذكرها إمامنا كل جمعة في مقدمة خطبته، فيها أمر عظيم من الله لأهل الإيمان؛ فمن مقتضيات تقوى الله، القول السديد، عن ابن عباس -]- قال: قولا سديدا، صوابا، صدق، وفي التفسير: «الغرض النهي عن الخوض فيما لا يعنيهم، والحث على حفظ اللسان في كل باب؛ فإنه رأس الخير كله، والمعنى: راقبوا الله -تعالى- في حفظ ألسنتكم وتسديد قولكم».

- وماذا عن حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»؟.

- أحسنت يا أبا أحمد، هذا حديث عظيم رواه الترمذي عن أبي هريرة، وعده بعض أهل العلم ربع الدين، وبعضهم ثلث الدين! قال ابن القيم -رحمه الله- جمع النبي -صلى الله عليه وسلم - الورع كله في هذا الحديث! وبالطبع ليس المعنى أن يترك المرء شؤون المسلمين وهموم الأمة لا يهتم إلا بشأنه! بل على العكس من ذلك، عليه أن يأتي كل ما ينفع الإسلام والمسلمين، ويعرض عما لا ينفع في الدين والدنيا كالإعراض عن اللغو، وهو الباطل، ابتداء من الشرك وانتهاء بما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال.

        أعلن مذياع الطائرة أننا سنمر على الميقات بعد ثلاثين دقيقة؛ ذلك ليلبس المحرم إحرامه، ويستعد، وكنت وصاحبي قد أتممنا هذا الأمر قبل الصعود إلى الطائرة.

       إن الأحاديث التي تحض على حفظ اللسان كثيرة؛ ذلك أن أكثر الذنوب إنما تقع من اللسان كما في حديث معاذ - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: «ثكلتك أمك  يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» (صحيح الترمذي).

        جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - فقال: عِظني وأوجز، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «إذا قمت في صلاتك؛ فصلّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا، واجمع الإياس مما في أيدي الناس». (السلسلة الصحيحة)، وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته» (صحيح الترغيب)، وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» (صحيح الترغيب)، وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: «قلت يا رسول الله: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (البخاري).

       وفي شرح رياض الصالحين لابن عثيمين -رحمه الله-: «فإن الذي تتكلم به -خيرا كان أو شرا مُعلناً أم سِرًا، فإنه يكتب لك أو عليك؛ كما قال الله -تبارك وتعالى-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (ق: 18)؛ فراقب هذا الأمر ، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل لسانك دائما يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً أو ليصمت».

        وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}؛ فأمر الله -تعالى- بأمرين: بتقوى الله، وأن يقول الإنسان قولا سديدا، أي صوابا. وقد سبق الكلام عن التقوى، وإنها فعل أوامر الله واجتناب نواهيه، أما القول السديد فهو قول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله، أو من طلب العلم، أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم، أو غير ذلك، ويجمعه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

           وضد ذلك القول غير السديد، وهو القول الذي ليس بصواب، بل خطأ إما في موضوعه، وإما في محلّه؛ أما في موضوعه: بأن يكون كلاما فاحشا، يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبه ذلك. أو في محله: أي أن يكون هذا القول في نفسه هو خير، لكن كونه يقال في هذا المكان فذلك ليس بخير؛ لأن لكل مقام مقالا ، فإذا قلت كلاما هو في نفسه ليس بشر ، لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقله؛ لأن هذا ليس بقول سديد، ففي هذا الموضوع لا يكون قولا سديدا، بل خطأ وإن كان ليس حرامًا بذاته؛ فمثلا، لو فرض أن شخصا رأى إنسانا علي منكر ونهاه عن المنكر ، لكن نهاه في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا، أو أغلظ له في القول، أو ما أشبه، لعد هذا قولا غير سديد، فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا، حصل على فائدتين: {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (الأحزاب:71)؛ فبالتقوى صلاح الإيمان ومغفرة الذنوب، وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب. وعلم من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقل قولا سديدا، فإنه حري بألا يصلح الله له أعماله، ولا يغفر له ذنبه؛ ففيه الحث على تقوى الله وبيان فوائدها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك