مقدمات دعوية في مقام دعوة غير المسلمين
روى الإمام الترمذي بإسناد حسن، حديث إسلام عدي بن حاتم الطائي -رضي الله عنه-، قال: «أتيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو جالسٌ في المسجدِ؛ فقال القومُ هذا عديُّ بنُ حاتمٍ، وجئتُ بغيرِ أمانٍ ولا كتابٍ؛ فلما دُفِعْتُ إليه، أخذ بيدي وقد كان قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعلَ اللهُ يدَه في يدي، قال فقام فلقِيَتْه امرأةٌ وصبيٌّ معها، فقالا إنَّ لنا إليك حاجةً؛ فقام معهما حتى قضى حاجتَهما، ثم أخذ بيدي حتى أتى بي دارَه، فألقَت له الوليدةُ وِسادةً؛ فجلس عليها وجلستُ بين يدَيه، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال:...».
وقد دلّ هذا النص التاريخي الإسلامي على مقدمات شرعية بين يدي الدعوة قبل الشروع في مخاطبة المدعو من غير المسلمين ومجادلته، وهي:
- الأولى: حسن الاستقبال.
- الثانية: إنزال الناس منازلهم.
- الثالثة: لا يقبل الناس على الإسلام إلا إذا ظهرت محاسنه، واطمئنت إليه نفوسهم: «وجئت بغير أمان ولا كتاب».
- الرابعة: الرجاء هداية غير المسلم والطمع في إسلامهم.
- الخامسة: أخذ الناس بالرفق والعاطفة وإزالة الوحشة عنهم «أخذ بيدي».
- السادسة: التعريف بالفعل والتربية بالسلوك: فقد عرّف النبي صلى الله عليه وسلم عدياً أن الإسلام لا يهمل مصالح الفقراء والصغار في مقام مخاطبة الأغنياء والكبار «فقام النبي صلى الله عليه وسلم مع المرأة والصبي حتى قضى حاجتهما»؛ فسبقت الدعوةُ بالعمل الدعوةَ بالقول.
- السابع: الاعتناء بمجلس الدعوة ومحل المخاطبة: «ثم أخذ بيدي حتى أتى داره».
- الثامن: الاستعداد للخطاب والتهيئة للكلام: «فحمد الله وأثنى عليه».
- التاسعة: كثير من المصالح الحاجية خادمة للمصالح الضرورية، والداعية الرباني هو الذي يجمع بينهما، والجمع بينهما علامة التوفيق؛ فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين حاجة الجارية وضرورة عدي بن حاتم في الهداية.
- العاشرة: من لم يحكم المقدمات لا تسلم له النتائج والنهايات.
وهذه المقدمات العلمية والدعوية والأصولية كلها وقعت قبل الكلام في الدعوة والمجادلة في بيان الحجة.
وهاهنا ثلاث حقائق:
- الأولى: أن البدء مع المدعو من غير المسلمين بالجدل والدفع علامة على عدم التأصيل والتوفيق.
- الثانية: لا يوفق الداعية في تطبيق هذه المقدمات مع غير المسلمين إذا كان غافلا عنها في هداية المسلمين وتعليمهم لهذا السبيل لتقوية الدعوة وأن نحسن تطبيقها مع الأقرب قبل ممارستها مع الأبعد.
- والحقيقة الثالثة: أن الواجب على الدعاة هو الاعتناء بحقائق الدعوة ومقاصدها ومقدماتها ووسائلها ؛ فالدعوة إلى الله ليست مجرد كلمات تقال، وحجج تقام، وجمل تصاغ، إنها حقيقة شرعية جامعة، تتضمن مداخل ومقدمات بين بيدي الخطاب والجدال.
لاتوجد تعليقات