مقاصد المكلفين (18) الرياء لن يجلب نفع الناس ولن يدفع ضررهم
ما زلنا نطوف حول مقاصد المُكلفين وأمر النية والإخلاص، وقد سلطنا الضوء على مسألتين مهمتين، وهما: ما الأمور التي يُراءى بها؟ ثم ما حكم العمل المراءى به؟ نتعرض لمسألة مهمة وهي في غاية الخطورة، ألا وهي: ترك العمل خشية الرياء، وهذه المسألة قد عانى منها كثير من الناس، من السلف والخلف.
فإن الله -تعالى- قد أمرنا بعبادته مخلصين له الدين، وفي النفس نوازع تدعونا إلى الميل عن صراط الله المستقيم، ومن هذه النوازع الميل عن الإخلاص، وهنا انقسم الناس من أجل مجاهدة الرياء، وقد اتجهوا اتجاهات مختلفة:
مجاهدة الرياء
الفريق الأول منهم أراد مجاهدة الرياء حتى يقتلعه من جذوره، فلا يبقى في نفسه ميل البتة إلى الرياء، بل ولا خاطر يدعو إليه، وهؤلاء طلبوا عظيما وراموا مستحيلا؛ «فالناس لم يؤمروا أن يُخرجوا وساوس إبليس أن تعترض في صدورهم، ولم يؤمروا بأن يغيروا خلقهم وطباعهم، حتى تصير لا تنازع إلى معنى من زينة الدنيا من رياء ولا غيره، حتى تكون طبائعهم الحمد فيها مكروه والذم فيها محبوب»، لم يؤمر العباد بذلك أبدًا، فهذا أمر غير مقدور، والله لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها، والجهود التي تبذل في غير مكانها جهود ضائعة، لا تعود على صاحبها بفائدة.
حب المعاصي وكراهية المأمورات
ولا شك أن بعض الأمور التي دعانا الله إليها مكروهة للنفوس كما قال -تعالى-{كُتِبَ عَليْكُم الْقِتَال وهُوَ كُرْهٌ لكمْ}، وبعض الأمور التي نُهينا عنها محبوبة للنفوس كما قال -تعالى- {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}، فحب المعاصي من الرياء والشهوات لا إثم فيه، وكراهية فعل بعض المأمورات لا إثم فيه، وقد وضح ابن عبد السلام هذه المسألة فقال: «وليس حب الرياء ولا غيره من جميع المعاصي معصية، فإن أطلق عليه اسم الرياء كان ذلك مجازًا من تسمية السبب باسم المسبب، وكل شيء حرمه الله -تعالى- فلا يأثم مشتهيه بشهوته وإنّما بعزمه عليه وإرادته، ثم بملابسته.
هل حب المعصية يُعد نفاقا؟
ومن هنا جاءت هذه المسألة: هل حب المعصية -مع تركها لله- لا يجوز؟ أم يُعد نفاقا؟
- والجواب: إن محبة المعصية - مع عدم فعلها - إن كانت هذه المحبة لا تستقر في القلب بمعنى أن صاحبها ينازعها ويجاهد نفسه في تركها، وفي تحقيق محبة الله، فهو على خير وجهاد، لا على إثم ونفاق، قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد: «وَقد كتبُوا إِلَى عمر بن الْخطاب يسألونه عَن هَذِه المسالة أَيّهمَا أفضل: رجل لم تخطر لَهُ الشَّهَوَات وَلم تمر بِبَالِهِ، أَو رجل نازعته إِلَيْهَا نَفسه فَتَركهَا لله؟ فَكتب عمر: أَن الَّذِي تشْتَهي نَفسه الْمعاصِي وَيَتْرُكهَا لله -عز وَجل- من الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مغفرة وَأجر عَظِيم، إلى أن قال: صَاحب خواطر الشَّهَوَات والمعاصي كلما مرت بِهِ فَرغب عَنْهَا إِلَى ضدها ازْدَادَ محبَّة لضدها ورغبة فِيهِ وطلبا لَهُ وحرصا عَلَيْهِ، فَمَا ابتلى الله -سُبْحَانَهُ- عَبده الْمُؤمن بمحبة الشَّهَوَات والمعاصي وميل نَفسه إِلَيْهَا إِلَّا ليسوقه بهَا إِلَى محبَّة مَا هُوَ أفضل مِنْهَا وَخير لَهُ وأنفع وأدوم، وليجاهد نَفسه على تَركهَا لَهُ -سُبْحَانَهُ-، فتورثه تِلْكَ المجاهدة الْوُصُول إِلَى المحبوب الْأَعْلَى، فَكلما نازعته نَفسه إِلَى تِلْكَ الشَّهَوَات واشتدت إِرَادَته لَهَا وشوقه إِلَيْهَا، صرف ذَلِك الشوق والإرادة والمحبة إِلَى النَّوْع العالي الدَّائِم، فَكَانَ طلبه لَهُ أَشد، وحرصه عَلَيْهِ أتم». أ.هـ.
وأما إذا استقرت محبة المعصية في قلب العبد، وتلذذت نفسه بذكرها، ولم يجاهد نفسه في دفعها، فهو عاص، ومحبته غير جائزة، والمقصود أن مجرد الميل والحب لا يحاسب عليه الإنسان.
الفريق الثاني
وأما الفريق الثاني وهم من نقصدهم بحديثنا، عمل خلاف ما عمله هؤلاء، فعندما يُدعى إلى فعل خير أو تدعوه النفس إلى عمل خير، يعرض في نفسه عارض الرياء، فيخشى من هذا الخاطر أن يكون، فيُعرض عن العمل خوفاً من الرياء، وهذا قد هرب من شرٍّ ووقع فيما هو أشدَّ منه أو مثله، وقد تنبه العلماء الأعلام إلى هذا المزلق الخطر فحذروا منه.
يقول القاضي عياض -رحمه الله-: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك»، ويقول النووي -رحمه الله معلّقا على كلام القاضي-: «ومعنى كلامه -رحمه الله تعالى-: أن من عزم على عبادة، وتركها مخافة أن يراه الناس فهو مُراء، لأنَّه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب، إلاّ أن تكون فريضة أو زكاة واجبة فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل».
مسائل مهمة
ونلقي الضوء على مجموعة من المسائل المهمة ومنها:
السبيل الأعظم لجهاد النفس
أن السبيل الأول لجهاد النفس نحو أمر الرياء، هو الاستعانة بالله على الإخلاص والتعوذ به من الرياء، واستشعار مراقبته -تعالى-: قال -تعالى-: {فَفِروا إِلَى اللِّه إِنّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مبينٌ}، فالسبيل الأقوم والأعظم هو أن نلجأ إلى الله -تعالى- محتمين به لائذين بجنابه، كي يخلصنا من الرياء، ويرزقنا الإخلاص، ولنا في إبراهيم (خليل الرحمن) أسوة حسنة؛ إذ توجه إلى ربه كي يخلصه من الشرك الأكبر: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أنْ نَعْبدَ اْلأصنَامَ}، ولذا فإن كل مسلم يؤكد هذا المعنى في صلاته: {إِيَّاكَ نعبدُ، وَإيَّاكَ نستَعِينُ}، فهو المعبود وحده دون سواه، فلا نعبد إلا إياه،مخلصين له الدين، فلا قوة لنا إلا بالله -تعالى-، ثم علينا أن نتعوذ بالله -تعالى- من الرياء، ففي الحديث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خاطب أصحابه قائلاً: «أيها النَّاس: اتقوا الشرك؛ فإنّه أخفى من دبيب النمل، قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهمَّ إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».
السبيل الذي نخلص به لله
وقد أرشدنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى طريق النجاة، وهو السبيل الذي نخلص به لله، ونصل به إلى أعلى المراتب وهي الإحسان، فقال في حديث جبريل الطويل وفيه: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، وفي رواية في مسلم أيضا: «أن تخشى الله كأنك تراه، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك»، وفي رواية في مسند أحمد: «الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنه يراك»، وقد علق الإمام النووي -رحمه الله- على هذا الحديث فقال: وهذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكلم التي أوتيها - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه -سبحانه وتعالى- لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به».
الأسباب المانعة من الرياء
ولعل من الأسباب المانعة من الوقوع في الرياء، النظر في عاقبة الرياء في الدنيا، فإذا علم المرائي أن رياءه لن يجلب له نفع النَّاس، ولن يدفع عنه ضررهم، بل قد يجلب سخطهم وكراهيتهم ومقتهم كما يجلب كراهية الله وسخطه ومقته، فيخسر الدنيا والآخرة، ولله در الخليفة الراشد عمر بن الخطاب؛ حيث يقول: «ومن تزين بما ليس فيه شانه الله»، وقد علَّق ابن القيم على هذا القول القيم قائلاً: «لما كان المتزين بما ليس فيه ضدّ المخلص فإنه يظهر للناس أمرًا، وهو في الباطن بخلافه، عامله بنقيض قصده، فإنَّ المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولمَّا كان المخلص يعجّل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة في قلوب العباد، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته إن شانه الله بين الناس، لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وحكمته في قضائه».
وقد بين -رحمه الله- أن المرائي قد يشينه عمله عند الناس، لأنَّهم يبحثون عنده عما يظهر أنه فيه، فلا يجدونه، فيعلمون كذبه، ولما كان من تزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدِّين والشك والعلم وغير ذلك، قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تُطْلَبَ مِنْهُ، فإذا لم توجد عنده افتضح فيشينه ذلك؛ من حيث ظن أنه يزينه.
لاتوجد تعليقات