رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: زين العابدين كامل 13 يناير، 2020 0 تعليق

مقاصد المكلفين (10)


استعرضنا مسائل عدة في المقال السابق، وذكرنا أن النية هي الأصل والمقياس، والمحول العجيب الذي يحول العادات إلى عبادات، وأن فساد النية يفسد العمل؛ ولذا فليس بين العلماء نزاع في أن العبد إذا تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه، كان الاعتبار بما نوى في قلبه؛ ذلك لأنَّ النيَّة هي عمل القلب.
     ومما يجدر الإشارة إليه في أمر النية، أن مسألة  الصدق و الإخلاص في النيات، من أشقّ الأمور وأعظمهاعلى النفوس، وهذا أمر عام يستوي فيه العلماء مع غيرهم من الناس، حتى صرح كثير من العلماء والصالحين، أنهم تعبوا في مجاهدة النفس في أمر النية، يقول سفيان الثوري -رحمه الله-: «ما عالجت شيئًا عليّ أشدّ من نيتي، إنّها تتقلب علي»؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو بهذا الدعاء: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب ثبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ»، وكان يكثر في قسمه أن يقول: «لاَ وَمُقَلب الْقُلوب»؛ لأن القلب كثير التقلب والتحول من حال إلى حال؛ ولقد سُمي القلب قلبًا من كثرة تقلبه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «مَا مِنْ قلب إلاّ وَهُو َمُعَلقَ بَيْنَ أُصْبُعينِ مِنْ أَصَابِع الرّحمن، إنْ شَاءَ أَقَامَهُ وإنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، والْمِيزانُ بيَدِ الرَّحْمَن، يَرْفَعُ أقْوَامًا، وَيخَفِضُ آخرينَ إلى يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ويقول صلى الله عليه وسلم : «لقَلْب ابْن آدَمَ أشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْر إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا»، والسبب في كثرة تقلّب القلوب وتحولها من حال إلى حال،  يعود إلى كثرة الواردات التي ترد على القلوب، والقلب -كما يقول سهل بن عبد الله-: «رقيق تؤثر فيه الخطرات»، ولا يسلم قلب الإنسان من الشيطان  ونزغه ووسوسته وإغوائه، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم  بأن يفزع العبد إلى الله -تعالى- مستجيرًا به من نزغات الشيطان ووسوسته: {وَإِما يَنْزَغَنكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاستعِذْ بِالله إنهُ سَمِيعٌ عَليِم}، وقد أخبرنا الله -تعالى- عن هذه الوسوسة في القرآن الكريم، قال -تعالى-: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}، وفي الحديث أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بأطْرُقِه؛ فَقعَدَ لَهُ بطَريقِ الإسْلاَم؛ فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبَائِكَ، وآبَاءِ آَبَائِكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسلم، ثمَ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ؛ فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَك وإنما مَثَلُ الْمهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطَولِ؛ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بطَريق الْجهَادِ، وهُو جهاد النفْس وَالْمَالِ؛ فقال: تُقاتلُ؛ فتُقْتلُ؛ فَتُنْكَحُ  الْمرْأَة،  ويقْسَمُ المَالُ؟ فَعَصَاَة، فَجَاهَد»؛ فالقلب يكون دومًا عرضة لمكائد الشيطان، والشيطان يعمل جاهدًا حتى يستولي عليه فيفسده، وبفساده يفسد الجسد كله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذَا صلَحتْ صَلَحَ الْجَسدُ كله، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَد كلهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْب»، ويقول : “إنّمَا الأعْمَال كَالْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَسْفَله طَاب أَعْلاه، وإِذَا فَسَدَ أسْفله فَسَدَ أعْلاه».
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك