مفاتيح السعادة الثلاثة
- أذكار الصباح تمثل خريطة طريق متكاملة لتحقيق النجاح الدنيوي والفلاح الأخروي
- الرزق الطيب شرط لاستقامة الظاهر وبركة العمل وليس كل رزق حلال يكون طيبًا ما لم يُستثمر في مرضاة الله
- العلم النافع هو أساس كل صلاح ودونه يختل ميزان العبادة ويضطرب التمييز بين الحلال والحرام
- العمل المتقبَّل هو الغاية الكبرى ولا يتحقق إلا بالإخلاص واتباع السُنَّة والسلامة من موانع القبول
العاقلُ هو الذي يراجعُ نفسه كلَّ يوم، ويتفقدُ أهدافه وأولوياته؛ فلا يمضي نهاره سدى، ولا تنقضي ساعاته بلا بوصلة، وعاقلٌ يطلب سعادة الدارين، ويزن خطواته بميزان الآخرة قبل الدنيا، وهذا المعنى لم يكن اجتهادًا بشريا مجردًا، بل هو هديٌ نبويٌّ راسخ، علَّمنا إياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا وعملاً وحالًا، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه - بسند صحيح - عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الصبح حين يسلِّم قال: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً»، دعاءٌ قصير الألفاظ، عظيم المقاصد، يصلح أن يكون خريطة الطريق اليومية لكل من أراد الفلاح والنجاح وسكينة القلب.
تصحيح النية وترتيب المقاصد
قول أم سلمة -رضي الله عنها-: «كان يقول» ليس مجرد حكاية، بل إشارة إلى الدوام والمواظبة والاستمرار؛ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدعو بهذا الدعاء عرضًا، بل كان يلازمه كل صباح، ليعلّم الأمة أن بداية اليوم ليست حركة الجسد، بل يقظة القلب، وفي هذا اللزوم دلالات عظيمة، منها:- أن المؤمن يبدأ يومه بتصحيح نيته، وترتيب أولوياته، واستحضار غايته الكبرى.
- أن المسلم العاقل لا يترك يومه للصدفة، بل يدخل نهاره وهو يعلم ماذا يريد، ولماذا يعيش؟.
- أنه لا يبدأ يومه بطلب الدنيا، بل يبدؤه بطلب البركة في العلم، والطهارة في الرزق، والقبول في العمل..
المفتاح الأول:العلم النافع بوصلة الطريق
(اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) فتأملوا هذا التقديم؛ إذ قُدِّم العلم على الرزق والعمل؛ لأن (العلم النافع هو الميزان) الذي تُوزن به الأعمال، وتُعرف به الحلال من الحرام، والصواب من الخطأ، والعلم نوعان: (علمٌ نافع، وعلمٌ غير نافع)؛ ولذلك لم يقل - صلى الله عليه وسلم -: علمًا كثيرًا، ولا علمًا غزيرًا، ولا علمًا محفوظًا، بل قال: (علمًا نافعًا)، فالعلم النافع هو الذي: يورث خشية الله، ويقود إلى الطاعة، ويقرب صاحبه من الله، فإن اختل واحد من هذه الثلاثة، لم يكن العلم نافعًا، ولو امتلأت به الصدور. ولم يقل - صلى الله عليه وسلم -: علمًا صحيحًا؛ لأن الإنسان قد يحمل العلم الصحيح ولا يعمل به، فلا يكون علمه نافعًا حتى يُثمر سلوكًا وعملاً، وفي هذا تربية عظيمة على انتقاء المعرفة فلا يسمع المسلم لكل أحد، ولا يقرأ لكل ما نُشر، بل يحرص على العلم الذي يزيده هدى، لا حيرة، وطاعة لا جدلًا.المفتاح الثاني: الرزق الطيب
ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: (ورزقًا طيبًا)، فالعلم النافع يصلح الباطن، والرزق الطيب يستقيم به الظاهر، وإذا اجتمعا أثمرا العمل المتقبل، ولم يقل -صلى الله عليه وسلم -: رزقًا كثيرًا، لأن الرزق ليس بكثرته، بل بطيب مصدره وبركة أثره وسلامة عاقبته، فالطيب من الرزق ما اجتمع فيه: الحِلّ في المصدر، والبركة في الأثر، والسلامة في العاقبة، ولم يقل: رزقًا حلالًا فقط؛ لأن الرزق قد يكون حلالًا، لكنه لا يكون طيبًا إذا لم يُستثمر في مرضاة الله. وهذا الدعاء يربي في القلب معنىً عظيمًا: أن نقاء اليد خيرٌ من امتلاء الجيب، وأن لقمةً من حلال، أزكى عند الله من ثروةٍ يشوبها حرام، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا».المفتاح الثالث: العمل المتقبَّل
ثم ختم - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء الجامع: (وعملاً متقبلاً)، ولم يقل: عملًا صالحًا؛ لأن كل عمل متقبَّل هو صالح، وليس كل عمل صالح متقبَّلًا، فالعمل المتقبَّل هو العمل الذي: أُخلص فيه لله، وكان على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسَلِم من موانع القبول، فقد يعمل الإنسان عملًا صالحًا، ثم يحبطه مانع: رياء، أو أكل حرام، أو اعتداء على حدود الله. وفي هذا الدعاء تربية على: الخوف الدائم من ردّ العمل، والتواضع بعد الإنجاز، وعدم الاغترار بالطاعة، فالعبد الصادق يعمل، ثم يخشى، ويدعو، ويتبرأ من حوله وقوته.منهاج السعادة اليومية
هذه الكلمات النبوية المباركة، من جمعها، وفهمها، وحقق آثارها، ضمن له الله -بإذنه-السعادة والفلاح والنجاح في الدارين: علمٌ نافع، ورزقٌ طيب، وعملٌ متقبَّل، ثلاثة مفاتيح، إذا استقرت في القلب، صنعت منهاجًا إيمانيًا، وتربويًا، وسلوكيًا، يقود العبد إلى مرضاة الله، ويمنحه سكينة النفس وطمأنينة العيش، فابدؤوا بها نهاركم، واستشعروا معانيها، واجعلوها أهدافكم اليومية، فهي نعم المقاصد، ونعم الطريق!.فضل ذكر الله -تعالى-
- ذكر الله -تعالى- سبب من أسباب ذكر الله لك في الملأ الأعلى: قال الله -تعالى-: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} (البقرة: 152).
- ذكر الله سبب من أسباب صلاة الله عليك وصلاة الملائكة أيضًا: قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} (الأحزاب).
- ذكر الله سبب من أسباب مغفرة الله لك: قال الله -تعالى- {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 35).
- ذكر الله سبب من أسباب إعانة الله لك: روى ابن ماجه وصححه الألباني عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله عزوجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه».
- أكثر من ذكر الله اقتداءً بحبيبك - صلى الله عليه وسلم -: روى مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه.
- ذكر الله سبب من أسباب نزول السكينة وإحاطة الملائكة لك: روى مسلم عن الأغر أبي مُسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما شهدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يقعُد قوم يذكرون الله -عز وجل- إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده.
- دعاء يجمع خيري الدنيا والآخرة: روى مسلم عن طارق بن أشيم بن مسعود أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: قُل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني، ويجمع أصابعه إلا الإبهام، فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك.
- ذكر الله يرطب اللسان: روى الترمذي وقال: حسن غريب، عن عبدالله بن بُسر - رضي الله عنه - أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثُرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله».
لاتوجد تعليقات