رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ محمد صفوت نور الدين رحمه الله 1 نوفمبر، 2011 0 تعليق

مــن أخطــاء الحـجيج

 

الحج فريضة عظمى، وركن من أركان الإسلام، ومؤتمر جامع للمسلمين من ‏كافة أرجاء الأرض، والحج فيه منافع أخروية ومنافع دنيوية، ففيه مغفرة ‏الذنب؛ لحديث أبي هريرة أن النبي [: قال «العمرة إلى ‏العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».‏

ولحديث أبي هريرة أيضاً: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع ‏كيوم ولدته أمه».‏ وحديث عطاء بن يسار أيضًا : «من حج البيت فقضى نسكه وسلم المسلمون من ‏لسانه ويده ، غُفر له ما تقدم من ذنبه».‏ ومنافع أخروية دنيوية لحديث ابن عباس، ]، قال: قال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم : «تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر ‏والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد».

أما المنافع الدنيوية ففي قوله تعالى:

{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي ‏أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } (الحج : 28).‏

      والحج موسم يجمع الحجيج من كافة بقاع الأرض ، فيظهر فيه من آيات الله ‏سبحانه ما جاء في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ ‏أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (الروم : 22).‏

      والحج عبادة عظمى تتساوى فيها الهيئات وتتوحد الأعمال وترتفع الأصوات ‏بنداء واحد يشترك فيه الجميع: الغني والفقير، والملك والمملوك، والرئيس ‏والمرؤوس، لباسهم الإحرام، ونداؤهم الرحمن: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا ‏شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، نداء واحد على ‏اختلاف الألسنة والألوان.‏

      تجتمع الأبدان ويتوافق نطق اللسان ويتوحد مراد الجنان، ويتعرف المسلمون ‏على حاجات إخوانهم ، في عرفة موسم عظيم، وفي منى ومزدلفة مقام لا شغل ‏لهم فيه إلا ذكر الله، حتى رمي الجمار، فضلاً عن الطواف والسعي ، ليس له ‏من شغل إلا الذكر والشكر والعبادة والطاعة.

      مع كل هذه الفوائد العظمى والعوائد الكبرى يظهر الأثر السيئ للجهل الشديد ‏في التزاحم الذي يؤذي الكثيرين، بل قد يودي بحياة بعض الضعفة والمساكين‏‏، عند رمي الجمار، أو التزاحم لتقبيل الحجر الأسود، وفعل بعض ما لم ‏يكلفوا بفعله كصعود الصخرات التي تسمى بجبل الرحمة، وهذا يحدث بسبب ‏خطأ عظيم هو الجهل بأحكام الدين القويم.‏

      فمع أن الحج من أيسر العبادات تعلمًا، وأكثرها سماحة ولطفًا، إلا أن الناس ‏أحالوه من جهاد لا شوكة ولا دم فيه ، فجعلوا الشوكة فيه بازرة، والدم نازفًا.‏

      ويرجع ذلك إلى أن الحاج لا يقوم بأوجب الواجبات عليه قبل الخروج إلى الحج‏‏، وهو أن يتعلم مناسك الحج من واجبات ومندوبات ومحظورات وآداب وهيئات ‏ورخص وسائر أعمال الحج، وهذا الخطأ هو بالنسبة للأخطاء أُمٌّ لبقية الأخطاء، ويزيد من ذلك الخطأ أن الناس لم يفهموا أن عبادة الحج في هيئتها أعمال ‏عادات أحالتها نية التقرب إلى الله تعالى، والاقتداء بالنبي [ ‏إلى عبادات، فالسفر والترحال واللباس إحرامًا وتحللاً والسير طوافًا وسعيًا، ‏والمكث بمنى وعرفة ومزدلفة والمبيت وقضاء الليل والنهار، ورمي الجمار، كل ‏هذه في هيئتها أعمال عادات صارت بنية التقرب إلى الله، وقصد الاقتداء بالنبي ‏[ صارت عبادة مشروعة، بل مفروضة واجبة لازمة على كل ‏قادر مستطيع للزاد والراحلة، مع أمن الطريق وبلوغ سن التكليف.‏

      زاد من ذلك الخطأ أن صار الناس يقلدون في أمر الحج من ليس له بذلك علم ، ‏فترى هيئة الإحرام كأن كشف الكتف الأيمن من مناسكها، مع أنه سنة فقط في ‏أشواط القدوم السبع فحسب، لكنك ترى الحجاج جميعًا على ذلك، ويعين على ‏هذا أن الملصقات الإرشادية ترسم صورة الحاج في إحرامه وقد كشف كتفه الأيمن‏‏، فيثبت ذلك الخطأ ، ومن أسباب الأخطاء: تسمية من يقوم بمساعدة الحجاج ‏في تدبير الإقامة والسفر (مطوفًا)، فيظن الناس أن وظيفته تعليم الناس ‏الطواف ومناسك الحج ، فترى الحاج القادم يسأل أعمالاً عند أولئك المطوفين ‏وهؤلاء لا يتورعون عن الفتيا بما لا يعلمون.‏

      ومما يعين على ذلك طلب التكسب بالبدع، فترى أصحاب السيارات ينادون على ‏الحجيج بالمزارات بالمدينة أو بالعمرة من التنعيم ، أو الجعرانة بمكة، فيظن ‏الناس أن هؤلاء ما داموا موجودين إلى جوار الحرم، فهذا دليل صحة لهذه ‏الأعمال، وكأنها فتوى بمشروعيتها، بل يظنون هؤلاء محلاًّ للفتيا ‏فيسألونهم والآخرون يجيبون ولا يردون العلم لأهله.

      هذا، مع أن مراكز الدعوة والإرشاد قريبة يمكنهم أن يسألوهم، بل سيارات ‏التوعية تجوب الشوارع ودعاتها يرشدون الناس في المساجد، لكن الناس لم ‏يتعلموا أن يتحروا في أمر دينهم كما يتحرون في أمر دنياهم.‏

      وإن العامي إذا عرضت له مسألة دينية لا يسعه في الدين إلا السؤال عنها؛ لأن ‏الله لم يتعبد الخلق بالجهل، ولكن تعبدهم بتصحيح القصد والاقتداء بالنبي [.‏

لذا فإن السائل لا يصح له أن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه؛ لأنه إسناد ‏الأمر لغير أهله ، فكأن السائل يقول لمن ليس بأهل للمسألة إذا سأله: أخبرني ‏عما لا تدري، وأنا أسترشد بك فيما نحن في الجهل به سواء، مع أنه لو سأل ‏عن طريق أو مكان يريده ويسأل من يعلم أنه جاهل بالطريق لعده الناس من ‏المجانين، والطريق الشرعي أولى بالرعاية والعناية؛ لأنه هلاك في الآخرة، ‏بينما هذا هلاك في الدنيا.‏

      والمفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا ‏درهمًا ، وإنما ورثوا العلم».‏

      ويحرم التساهل في الفتوى ويحرم استفتاء من عُرف بالتساهل بالفتوى ، ويحرم ‏الفتوى بالتسارع بغير نظر ولا تفكر؛ لظنه أن الإسراع بالفتوى براعة وترك ‏الإسراع عجز ونقص.

       ويبقى أن يعلم الحاج أن التزاحم على الحجر ليس من ‏السنة، وأن صعوده على رصيف الكعبة (الشاذروان)، ليصل إلى الحجر ‏يجعل الطواف غير صحيح مثله كمثل الذي يدخل من باب الحجر ويخرج من ‏الآخر؛ لأن هذا الرصيف الذي حول الكعبة من الكعبة ومزاحمة النساء ‏للرجال عند الحجر ليست من الفضل ولا يعفيها من الذنب الذي تقع فيه والذي ‏أوقعت فيه الرجال.‏

      وكذلك ليس من أعمال يوم عرفة صعود الجبل (الصخرات المسماة جبل الرحمة)، فلا النبي صلى الله عليه وسلم صعدها ، ولا أحد من أصحابه.

      وعمرة ‏التنعيم إنما أذن النبي صلى الله عليه وسلم  فيها لعائشة، رضي الله عنها؛ ‏لأنها لم تكن قد طافت قبل الحج لحيضها، وإنما فعل ذلك ليهدم قول أهل ‏الجاهلية بحرمة العمرة لمن اعتمر حتى ينخلع ذو الحجة والمحرم ويأتي شهر ‏صفر.‏

وتقبيل أحجار الكعبة ليس من الشرع ، إنما التقبيل للحجر الأسود فقط.‏

نسأل الله أن يرزقنا حجاً مبروراً، وذنبا مغفوراً. ‏

والله من وراء القصد. ‏

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك