رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 4 نوفمبر، 2010 0 تعليق

مع اتساع رقعة إراقة الدماء في أرجائه -أسرار فشل العالم الإسلامي في تسوية نزاعاته المزمنة

لا شك أن اتساع رقعة الخلافات في العالم الإسلامي ومن أقصاه لأقصاه، سواء في فلسطين أم العراق أم أفغانستان أم باكستان أم الصومال، بشكل خلف إزهاق أرواح مئات من المسلمين وإراقة الدماء وانهيار العديد من البلدان وضياع سلطة الدولة وغياب الأمن والاستقرار - يفرض على حكام وولاة الأمور في العالم الإسلامي التدخل لإصلاح ذات البين بين المتخاصمين وإعادة الأمور إلى نصابها بين المتصارعين، وانطلاقًا من القاعدة الشرعية التي أرستها الآية الكريمة: {وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9).

 

ولكن يلاحظ أن هذه الفريضة غائبة عن أغلب ولاة الأمر المسلمين ولاسيما في التاريخ، رغم أن تاريخ الأمة وسلفها الصالح شهد تطبيقًا للقاعدة وإصلاحًا متكررًا بين متصارعين انتهي بالحفاظ على أرواح المسلمين وأموالهم وصون أعراضهم، وهو ما نراه حاليًا غائبًا عن المشهد بشكل كلي.

ولكن محاولة استقراء المشهد الإسلامي حاليا تكشف وضعًا مأساويًا، فمثلاً التركيز على المشهد الصومالي يكشف عدم نجاح ولاة الأمور في العالم الإسلامي في إعادة السلطة في البلد الممزق بفعل الحروب منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991، وخلال الـ 18عاما الماضية فشلت جميع المحاولات المبذولة لإعادة الاستقرار من قبل كل من مصر والسعودية لجمع الفرقاء الصوماليين على كلمة سواء ووقف إراقة الدماء وتحويل الشعب الصومالي للاجئين، وتم بالفعل الضغط لتوقيع اتفاقيات، لكن يبدو أن التدخلات الدولية قد أدت دورًا مهمًا في عرقلة جهود العديد من القادة المسلمين لرأب الصدع، غير أن عديدا من القوى الغربية والدول المجاورة قد أوعزت لعملائها من لوردات الحرب بإفشال الاتفاق، وهو ما جري في النهاية واستمر النزيف الإسلامي على أرض الصومال.

سيناريو متكرر

ما حدث في الصومال تكرر بصورة كربونية في إقليم دارفور؛ إذ بذل ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية ومصر والجماهيرية الليبية جهودا مكثفة لإعادة الوئام بين الفصائل المتناحرة في دارفور؛ مراهنين على أن الهوية الإسلامية التي تظل جميع الفصائل قد تساعدها في ضمان حل المشكلة، واحتضنت العواصم الثلاث لقاءات متعددة بين حكام السودان وممثلين عن الفصائل للتوصل لتسوية للأزمة، وكذلك جمعت كل من الرياض وطرابلس الغرب كلا من الرئيسين السوداني عمر البشير ونظيره التشادي إدريس ديبي للبحث عن حل للأزمة الدارفورية لعلاقات تشاد المباشرة بالمتمردين في دارفور، ولكن الجهود جميعها باءت بالفشل نتيجة أطماع القوى الدولية في ثروات الإقليم وتصميمها على إشعال نار التمرد فيه؛ لاستخدامه في ابتزاز حكومة الخرطوم لتقديم امتيازات للشركات الفرنسية والأمريكية للعمل في استخراج المعادن الثمينة في الإقليم كالذهب واليورانيوم فضلاً عن النفط، وغض الطرف عن نهب هذه الشركات لثروات الشعب السوداني، وإلا استمر الصراع لسنوات وتم تسخير ثروات السودان لتمويل آلة الحرب بدلاً من استخدامها لدعم مسيرة التنمية لشعب أرهقته الصراعات المسلحة والنزاعات الداخلية.

انقسامات وتحالفات

وليس ما حدث في الصومال والسودان ببعيد عما تدور رحاه في فلسطين المحتلة منذ ثلاث سنوات من صراع بين «فتح» و«حماس» أفضى إلى انقسام فلسطيني للمرة الأولى بين غزة ورام الله أضر بشدة بالقضية الفلسطينية بأكثر مما تحلم به إسرائيل ومن يقفون وراءه، ورغم أن حكام السعودية كانوا قد تنبهوا لمخاطر الانقسام الفلسطيني قبل وقوعه بأشهر، واستطاعوا جمع الفرقاء من فتح وحماس ونجحوا في الوصول لاتفاقية مكة المكرمة التي لم تصمد طويلاً بفعل وقوع الفلسطينيين أسرى للخلافات الإقليمية فهؤلاء مرتبطين بعلاقات مع إسرائيل وعراب التنسيق الأمني الجنرال الأمريكي دايتون والآخرون مرتبطين بتحالفات مع إيران وسوريا الراغبتين بقوة في استخدام الملف الفلسطيني لمساومة القوى الغربية حول ملفات غربية.

إخفاق اتفاق مكة في منع وقوع الانقسام الفلسطيني لم يمنع كل من الرياض والقاهرة من مواصلة جهدهما من أجل رأب الصدع الفلسطيني، ومازالت القاهرة بدعم من الرياض تواصل الليل بالنهار للوصول لمصالحة فلسطينية محاولة تذليل العقبات لإعادة الوحدة الفلسطينية والروابط بين غزة والضفة حتى اقتربت جهودها أخيرًا من الوصول بالسفينة الفلسطينية إلى بر الأمان.

جهود فردية

ومن يلاحظ السطور السابقة ويلاحظ معها الأوضاع في العراق وما يحدث أخيرًا في القدس من عزم على تهويد القدس بالكامل وشن أقسى حملة تطهير عرقي ضد الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة والمرابطين في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يرى أن الجهود الساعية لوقف إراقة الدماء الإسلامية تتم بشكل فردي وغير منسق بين الدول الإسلامية، بل قد تصل للتنافس والصراع لتسوية النزاعات بين الفرقاء بين العالم الإسلامي؛ فإذا همت دولة بتسوية صراع مثلا في دارفور نجد دولا أخرى تسير في نفس الدرب؛ مما يشتت الجهود ويخلق نوعا من الصراع بدلا من التوافق لحل الأزمات.

ولعل تسابق الدول العربية وحتى الإسلامية على إبرام اتفاقات بين الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره التشادي ديبي تقدم مثلاً على ما نطرحه، فقد استطاعت الجماهيرية الليبية إقناع الطرفين بتوقيع اتفاق ينهي النزاع، غير أن الاتفاق نقض قبل أن يجف حبره؛ مما دعا المملكة العربية السعودية لجمعهما مرة أخرى و بذلت جهود ضخمة لإقناع الطرفين بعدم دعم المتمردين في البلدين، ووقعت اتفاقية أخري في نفس السياق ولم يكن مصيره أفضل من سابقة، ودخلت السنغال على خطى الأزمة راعية اتفاقا بين الطرفين بوصفها رئيسة الدورة الحالية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولم تمر ساعات على التوقيع على الاتفاق حتى اندلعت معارك على حدود البلدين، وهو ما تكرر بشكل كربوني مع قطر وأخفقت الجهود في تسوية الصراع أيضا.

إخفاق مستمر

ولعل الدرس الأهم من الصراعات المشتعلة في بلدان العالم الإسلامي ومحاولات تسويته: أنها تتم بشكل فردي وتفتقد الإرادة السياسية والآليات اللازمة لضمان تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، فضلاً عن أنها تشير بجلاء لحالة الخواء والفشل السياسي التي تعانيه ما يطلق عليها المنظمات الإقليمية المشتركة مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، وهي منظمات فشلت فشلاً ذريعًا في القيام بوظائفها؛ فالجامعة العربية ورغم الميزانية الكبيرة المرصودة لها لم تفلح في تحقيق أي نجاحات ذات قيمة في ملفات العراق وفلسطين ولبنان والسودان، بل أن دورها اقتصر فقط على حضور الاتفاقات النهائية التي يبقى دائما مصيرها الأضابير كشاهد فقط، دون دور حقيقي سواء في التفاوض عليه أم في تطبيقه على أرض الواقع.

وقد يقول قائل: إن إخفاق الجامعة العربية يأتي محصلة لفشل الدول الأعضاء فيها، فلو كانت الدول الأعضاء تمتلك القوة والقرار السياسي والقدرة على المناورة لكان وضع الجامعة مختلفا، ولكن لما كانت تنتظر الإملاءات من الدول الغربية وتنفيذ القرارات الصادرة من عواصم القرار الدولي تحولت الجامعة لمؤسسة بروتوكولية لا تقدم ولا تؤخر.

كيان ديكوري

ما يقال عن الجامعة العربية ينطبق أيضا على منظمة المؤتمر الإسلامي؛ فحالها ليس بالأفضل، بل إنها لم تؤد دورا مهما في أي من القضايا الخاصة بها وعلى رأسها قضية القدس التي أنشئت المنظمة من أجلها بعد إحراق اليهود لأجزاء من المسجد عام 1969فالمنظمة تحولت لكيان ديكوري يكتفي بالشجب والإدانة في أي من القضية، ولعل حالة الصمت المزري التي لزمتها المنظمة في أحداث القدس الأخيرة ومن قبلها مذابح إقليم تركستان الشرقية المحتلة من قوات الشيوعية الحمراء ضد المسلمين الإيجور، وفشلها في عقد اجتماع لوزراء خارجية دول المنظمة - يكشف كيف تحولت مثل هذه المنظمات لخصم من رصيد العالم الإسلامي وإلى عبء عليه؛ نتيجة خضوعها لتوازن المصالح وإرادة دولها، دون أن تكون لها أي قدرة على أخذ زمام المبادرة في أي من القضايا الموكولة، فمثلا ما يحدث من مذابح ضد مسلمي بورما وتايلاند ومن سعي لتذويب هوية مسلمي بلغاريا وغيرهم، لم تتعامل معه المنظمة إلا بالإدانات والشجب دون أن تملك القدرة على تبني مواقف جادة.

مؤامرات خبيثة

حالة الضعف الإسلامي الشديد انتقلت أيضا للمنظمات الخيرية الإسلامية، رغم أن هذه المنظمات قد أدت دورا شديد الأهمية في إغاثة المسلمين في مئات من الدولة، وكان وجودها عامل استقرار في عديد من النزاعات بل محل ترحاب من جميع الفرق المتناحرة، وتصدت بقوة وحجمت من الدور المخرب من قبل منظمات التنصير لاستغلال الكوراث والصراعات العسكرية في تنفيذ أجندتها الخبيثة، ولم تكتف هذه المنظمات بدورها الخيري، بل عملت طويلا على كبح جماح الصراعات في عديد من البلدان، وأسهمت في إفشال محاولات القوى الغربية لتغييب شمس الإسلام في عديد من المناطق؛ لتوصيل رسالة مفادها أن مسلمي هذه البلدان ليس لهم من يسأل عنهم، ولكن دور المنظمات لم يكن يروق كثيرا للقوى الغربية فعملت طويلا على الكيد لهذه المنظمات مستغلة أحداث الحادي عشر من سبتمبر للتضييق على أعمالها، زاعمة وجود صلات بينها وبين جماعات العنف الراديكالية، ورغم عدم تقديم أدلة تدعم الاتهامات إلا أن عديدا من الدول الإسلامية أجبرت على حجب الدعم عن العمل الخيري، وأغلقت أبواب عديد من المنظمات لتترك المجال واسعا أمام منظمات التنصير لتنفيذ مخططات اقتلاع الإسلام من جذوره في عديد من الدول، وبل إذكاء الصراعات والاقتتال في عديد من بؤر الصراع في العالم الإسلامي.

آليات وعقوبات

ومن البديهي الإشارة هنا إلى أن حالة الضعف الشديدة التي يمر بها العالم الإسلامي قد انعكست على جميع مؤسساته سواء السياسية الرسمية والمنظمات الإقليمية وحتى الجمعيات الخيرية التي تراجع دورها بفعل فاعل، وهو ما يتطلب حزمة من التحركات الإيجابية والمبادرات القوية المصحوبة بإرادة سياسية جماعية لبلدان العالم؛ لوضع حد للنزاعات في أغلب أقطاره سعيا لوقف الصراعات الدامية وإزهاق أرواح الأبرياء في جميع البقاع.

ويرى السفير رخا أحمد حسن نائب وزير الخارجية المصري السابق أن عديدا من الدول العربية لم تأل جهدا في تسوية قضايا الصراع ولذلك أمثلة عديدة، فقد سعت مصر لحل الأزمة الصومالية وجمعت الفرقاء الصوماليين في القاهرة عام 1998.

وبذلت جهودا مضنية، غير أن الفرقاء الصوماليين وبمجرد مغادرتهم القاهرة جعلوا الاتفاق والعدم سواء؛ لعدد من الأسباب منها: سيطرة الأهواء الشخصية والقبلية على المتناحرين، وتدخل قوى إقليمية ودولية تتمتع بنفوذ كبير في البلاد لإفشال المساعي وما حدث في الصومال تكرر في فلسطين ودارفور والسودان

وأضاف أن العالم الإسلامي لم يتجاوز عددا من الأحداث التي بدأت عام 1990بجريمة غزو الكويت وما أفضت إليه من حالة من انهيار العمل العربي المشترك، وانتهت بسقوط بغداد، ومن قبله احتلال أفغانستان وهي أحداث أضعفت قدرته على تبني مبادرات وأداء دور قومي في قضايا تخص المنطقة، منتقدا بشدة تخلي الأنظمة عن التدخل في قضايا تهم مصالح العالمين العربي والإسلامي مثل الأوضاع في العراق والسودان لقوي دولية، وأصبحنا فقط ننتظر ما ستتفق عليه عواصم القرار الكبرى ونحدد ردود فعلنا على القرارات رغم أن أغلبها لا يصب في مصالحنا، بل قد ينتج عنه تقسيم دول مثل العراق والسودان

ويرى نائب وزير الخارجية المصري السابق أن السعي لتدخل جدي لحل النزاعات الدامية في العالم الإسلامي يتطلب وجود إرادة سياسية لدى الدول العربية والإسلامية الكبرى ووجود آليات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ووجود آلية عقوبات على الطرف الناقض للاتفاقية تتضمن قيود اقتصادية ودبلوماسية على الطرف المعرقل، ودون وجود الآليات سيستمر التدخل عديم الجدوى، مشيرا إلى ضرورة استخدام الأنظمة لعلاقاتها السياسية والاقتصادية الوثيقة والمصالح المشتركة مع واشنطن بوصفها أداة لمنع إفشال جهود الوساطة لتسوية النزاعات الدموية في العالم الإسلامي.

التجربة الأفريقية

وفي الإطار نفسه يرى الدكتور جمال علي زهران أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس أن المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية لم تقدم دليلا جديا خلال الأعوام الماضية على قدرتها على أداء دور مهم؛ بسبب الخلافات الشديدة بين أعضائها وتباين وجهات النظر، رغم أن قضايا كغزو العراق وأفغانستان واحتمالات تقسيم السودان والصراعات الدامية في فلسطين وباكستان وأفغانستان والجرائم الصهيونية في غزة والمساعي المستمرة لتهويد القدس قد أعطت هذه المنظمات فرصة جيدة لاستعادة أرضيتها، لكن الأسباب السابقة ونفوذ واشنطن المتنامي على العالم العربي غل يد المنظمات عن فعل أي شيء.

ورجح د.زهران استمرار إخفاق جهود الأنظمة والمنظمات الإقليمية في وقف النزيف في العالمين العربي والإسلامي في ظل حالة التشرذم في العالم العربي، وتكريس النهج القطري، واستمرار التبعية لواشنطن ووضعها في الاعتبار إبان القيام بأية جهود للتسوية، فضلا عن عدم وجود آليات لقرارات ملزمة في المنظمات الإقليمية، مطالبا الدول العربية بالنظر لتجربة الاتحاد الأفريقي في تسوية النزاعات إذا كانوا راغبين حقا في تطوير الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لتتحول لمنظمات إقليمية قادرة أن تفعل شيئا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك