رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني 21 يناير، 2014 0 تعليق

معـــالـــم في الوسطية والاعتدال4- الوسطية في التعامل مع أهل البدع

 

معلوم أن البدعة إحداث في الدين ما ليس منه بقصد التقرب إلى الله تعالى، ومن هنا كان ضرر البدعة والمبتدعين عظيماً؛ لأنهم يتقربون إلى الله بما لم يشرعه الله، والأصل أن الذين يقصدون القربة بأعمالهم أنهم من أهل الطاعة والصلاح، فيكون اغترار الناس بهم أكثر، وافتتان العامة بهم أشهر.

ومن هنا عظمت كلمات السلف - رحمهم الله - في التحذير والتنفير من البدعة وأهلها وكتبهم، وكانت مواقفهم تجاه أهل الأهواء صريحة وقوية؛ لإضعاف شوكتهم، وإخماد نارهم وفتنتهم، وإخماد ذكرهم وأمرهم، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً.

     ولما وقف أقوام من المعاصرين على هذه النصوص والآثار السلفية ظنوا أن هذه الطريقة في التعامل تكون كذلك مع جميع المخالفين لهم: سواء كانوا أهل بدعة حقًا، أم كانوا أهل سنة، وأقوم قيلاً وأهدى سبيلاً في الواقع من هؤلاء المبدعين لهم! كما ظنوا أيضاً أن هذه المعاملة مع أهل البدع حقًا تكون في كل زمان ومكان، ومن جميع الأشخاص مع جميع المخالفين، غير معتبرين حال أهل السنة من جهة القوة والضعف، ومن جهة قوة الهاجر على التأثير في المبتدعة أو زيادة شرهم، ولم يلتفتوا إلى تفصيل الأئمة في حال الرجل من أهل السنة، وصحة فهمه، وقوة حجته، وعدم الخوف عليه من الانزلاق وراء المبتدعة إذا نظر في كتبهم للرد عليهم، أو لإظهار تناقضهم، إلى غير ذلك من أمور معتبرة عند الأئمة.

     ومن تأمل طريقة الأئمة، وجمع شتات كلامهم في هذا الباب، ظهر له أن الأئمة يتعاملون في هذا الباب كغيره من الأبواب مراعين تحقيق مقاصد الشريعة، التي تحث على تكميل المصالح وتحصيلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وظهر له أن طريقة السلف تنفي الحرج عن أهل السنة، ولا تحمل الرجل مالا يحتمل، فتنظر في قرائن وأحوال، وتوازن بين المصالح والمفاسد، فتعمل ما فيه رفع الحرج، وتكثير الخير، وتقليل الشر.

     ولست بحاجة إلى نقل كلام السلف في النهي عن مجالسة أهل البدع، أو النظر في كتبهم، أو مناظرتهم ونحو ذلك لكثرته واشتهاره، إنما الحاجة ماسة إلى بيان تفصيلات الأئمة، وأن لهم معاملات تختلف باختلاف الأحوال، وليس لهم طريقة واحدة أبداً، سواء نفعت أم ضرت، حتى يرعوي الغلاة عن غلوهم، ومن عرف أنه حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء؛ فحري به أن يتهم نفسه، ويقف حيث وقف القوم، فإنهم بعلم نطقوا، وبحلم سكتوا.

أ- فرع: في مناظرة أهل البدع:

     الأصل اعتزال مناظرة أهل البدع؛ لأنهم أصحاب شبهات، ويخشى على من ناظرهم أن يقع في قلبه شيء منها، ولأنهم يتركون المحكمات ويتعلقون بالمشتبهات، ويشككون بها في المحكمات القطعيات، وقد ذم الله تعالى أهل هذا الصنيع، فقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}(آل عمران: 7}؛ لأنه في الغالب لا ينتفع بعلم أهل البدع المناظرين على بدعهم، الولاجين الخراجين، وقليلاً ما يستفيد هذا الصنف من المناظرة لكثرة لجاجتهم وعنادهم، وفتنتهم بالأتباع والأطماع، ولذلك قال الإمام أحمد - رحمه الله - رادًا على أهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز، أي إذا جاء الموت فمن كان يعرف أنه على باطل، وتخلى عن الأتباع؛ فإنه سيتراجع بخلاف أهل الحق، فإنهم ثابتون على الثوابت المستفيضة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من فسر هذا القول بأن المراد أن أهل السنة يكثر من يشيعهم في جنائزهم بخلاف أهل البدع.

     لكن قد يكون المبتدع صاحب فتنة وتشهير بأهل الحق، وتلبيس على العامة، فلا بد من أن يتصدى له عالم من أهل السنة، يكشف زيغه، ويفند باطله؛ لأن من جملة مقاصد ترك المناظرة معه عدم إشهاره والتعريف به، والحال أنه مشهور وصاحب فتنة، فيتعين الوقوف في وجهه، ولهذا ناظر ابن عباس - رضي الله عنهما - الخوارج بإذن من علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وناظر علماءُ السنة الجهمية في فتنة القول بخلق القرآن، وناظر شيخ الإسلام ابن تيمية أهل البدع البطائحية وغيرهم حتى دحر باطلهم، وهتك أستارهم، وكشف عوارهم، ولازال هذا دأب العلماء مع أهل البدع عند الحاجة، وقد أجاز الله عز وجل مجادلة أهل الكتاب - وهم أشد من أهل البدع المسلمين - فقال: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت:46).

وعلى ذلك فإذا رأينا بعض السلف ينهى عن مناظرة أهل البدع، أو لا يرد عليهم إذا كلموه، أو نحو ذلك؛ فيجب أن نحمله على أحد المحامل الآتية:

1- إما أن يقال: قد ترجح عند هذا العالم أن هذا المبتدع لا يستفيد من المناظرة، إنما هو صاحب جدال عقيم، فيفسد على الشيخ وقته، أو قلبه، أو يفسد على أحد جلساء الشيخ قلبه، فيرى العالم أن الترك في حق هذا الشخص أنفع، فيترك مناظرته.

2- وإما أن يقال: إن المبتدع خامل الذكر لا قيمة له - ولاسيما في أزمنة قوة السنة وأهلها - ومناظرة الشيخ له تُعرِّف به وتنوه بذكره عند من لا يفهم، وإخماد فتنته بإهمال ذكره مقصد شرعي، ولذلك أعرض العالم عنه.

3- وإما أن يقال: إن العلماء أرادوا سد الباب أمام دخول من لا يقدر من أهل السنة على دفع شبهات المبتدعة، فتقوى بذلك شوكتهم، وإلا فهم لا يمنعون من المناظرة إذا وجد من هو أهل لذلك.

4- وإما أن يقال: إن المبتدع رجل مطاع في قومه، أو الغلبة في البلد الفلاني لأهل البدع، ويخشى على العالم السني من مناظرتهم أن يفتكوا به، فرأى أن المصلحة في ترك المناظرة بين قوم أذيتهم له متحققة، وانتفاعهم بعلمه بعيد الاحتمال.

وعلى ذلك فلا بأس من مناظرة أهل البدع لمن هو متأهل لنقض شبهاتهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما في «مجموع الفتاوى» (20/164 - 165): «فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين» ا. هـ.

     وقال - رحمه الله - في «درء تعارض العقل والنقل» (7/173 - 174): «وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف على أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإن ذلك يضره أو يضر المسلمين بلا منفعة، وقد ينهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله - وهو السوفسطائي - فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها، ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائياً، ولم يؤمر بمناظرتة بعد ذلك...».

     قال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال، وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة، ومستحبة أخرى، وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل» ا. هـ.

     وبهذا نعلم أن في المقام تفصيلاً، وأن إطلاق المنع قول غير مستوعب لحال السلف، وبعيد عن مقاصد الشريعة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح الخلق، وتحذرهم من الانحراف.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك