معضلة الجنوب وشكل الدولة وصعدة والتطهير المذهبي في دماج يضع مصير الحوار الوطني على المحك – اليمن وحوار القنابل المؤقتة
رغم إبداء أغلب القوى اليمنية المشاركة في الحوار الوطني تفاؤلا بقدرتها على الوصول بالبلاد إلى بر الأمان، والوصول لتوافق حول أغلب القضايا المثيرة للجدل داخل جنباته، إلا أن أجواء التفاؤل هذه لا تخفي أن هناك أزمات عديدة ينبغي تفكيكها، وقنابل موقوتة ينبغي نزع فتيلها، إذا أريد للبلاد أن تتجاوز المأزق الصعب الذي تعانيه، وعلى رأسها معضلة الجنوب والأزمة في صعدة وشكل الدولة اليمنية، وهي قضايا تحتاج لمؤتمرات وطنية عدة وليس مؤتمرا واحدا في ظل تعقدها، وتنازع الإرادات والأهواء بين القوى المنخرطة في أعماله فضلا عن وجود لوبي مصالح يعد نجاح الحوار اليمني أو فشله يتحدد بمدى محافظته على هذا النفوذ دون الوضع في الاهتمام بمصالح البلد العليا.
حجر الزاوية
وتعد قضية الجنوب حجر الزاوية في جلسات المؤتمر والمعيار الأهم لتحديد أمكانية نجاحه من عدمه ولاسيما أن كل المقترحات التي طرحت لتسوية المشكلة سواء بفرض فيدرالية تضم إقليمين «شمالي وجنوبي» لا تحظى بإجماع من القوى السياسية، ففي الوقت الذي لا تمانع قوى جنوبية في الموافقة على هذا الخيار لا يحظى هذا المقترح بدعم من المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي يرفض ما أسماه بأي نزعات شطرية أو تقسيمية تعيد البلاد إلى حقبة ما قبل صيف عام 1990، بل ويشدد على المحافظة على ما أسماه البيان المنجزات الوطنية، بل يرى أن مقترح تقسيم اليمن إلى إقليمين أو ست إقاليم يفتح الباب أمام تشظي الدولة.
ومع أن المؤتمر الشعبي العام جدد رفضه القاطع لفيدرالية الدولة أو لتقسيمها لأقاليم، إلا أن الأغلبية داخل جلسات الحوار تعد تقسيم البلد إلى إقليمين يبقي أخف الضررين لإنقاذ وحدتها في ظل إصرار عدد كبير من ممثلي الجنوب في المؤتمر وعلى رأسهم زعيم مؤتمر شعب الجنوب محمد علي أحمد الذي حمل لجلساته (منفستو انفصالي)بامتياز، بل إنه كال الانتقادات لفريق من ممثلي الجنوب واتهمه ببيع قضية الجنوب لخدمة مصالح فئوية ضيقة ردا على رفضهم لقراره بتعليق المشاركة في الجلسات، وهي مواقف كانت في السابق قد أشعلت نوعا من السجال بين أحمد والرئيس عبد ربه منصور هادي لدرجة أن الأخير أكد أن مزبلة التاريخ هي مصير من يتآمرون على وحدة اليمن، وهو ما رد عليه الزعيم الجنوبي وبالتأكيد على أن التاريخ لن ينسى فضيحة دخول الجنوب على رأس دبابات علي عبدالله صالح صيف عام 1994.
وتوضح الانتقادات المتبادلة بين شخصيتين جنوبيتين ذات ثقل مدى تباعد الشقة بين الفرقاء اليمنيين، وهو أمر عكسته السجالات الواضحة داخل جلسات الحوار وخارجه لدرجة جعلت بعضهم يفضل عدم حسم قضية الجنوب وتأجيلها لاستحقاقات أخرى انطلاقا من تعقد القضية وعدم وضوح الرؤية لدى أغلب القوى المشاركة سيعقد الموقف غير أن الأغلبية حذرت من خطورة هذا وعدته قنبلة موقوتة تهدد باشتعال الأوضاع في اليمن في ظل تصاعد هجمات القاعدة شمالا وجنوبا؛ مما يؤكد أن البلاد قد تكون على أعتاب حملة عنف هي الأقسى في تاريخه الحديث.
خليجية ثانية
بل إن تفجر الأوضاع قد يسمح لشخصيات انفصالية مثل علي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس بالعودة إلى المشهد وتقديم مقترحات تتولى تصفية الدولة اليمنية. مثل الدعوة لطرح مبادرة خليجية ثانية قد تؤمن للجنوبيين الاستفتاء على استمرارهم في دولة الوحدة مع الشمال من عدمه، وهو ما جوبه بحالة من الرفض في أوساط غالبية القوي السياسية، فهناك من عدها رغبة في إعادة عقارب الساعة للوراء وتفتيت وحدة البلاد، وثان رآها مسعى لإثبات الوجود ومحاولة لتفريغ المبادرة الخليجية من مضمونها بكونها تخص الشماليين فقط وتركيزها وحدة البلاد واستغلال الجدل داخل الحوار لإفشاله.
ولكن وفي ظل هذه الأجواء يمكن القول: إن خيار الفيدرالية ورغم ما يمثله من خطورة على وحدة اليمن في المستقبل إلا أنه يحظى بالقبول في أوساط عدد من القوى اليمنية التواقة لتفكيك سطوة الدولة والمركز في صنعاء على الأطراف، ولاسيما أن تجاهل رغبات الجنوبيين وعدم الوصول لحل توافقي لمشكلاتهم سيفتح أبواب أزمة اليمن على كل الخيارات من اضطرابات وفوضى واقتتال داخلي وصولا للحرب الأهلية بما يفرض على القوى المنخرطة في المؤتمر ضرورة البحث عن تسوية سحرية تحظى بدعم الفرقاء وبقبول من الجنوبيين.
قنابل مؤقتة
ولا تتوقف القنابل الموقوتة التي تواجه هذه الجولة من الحوار الوطني عند أزمة الجنوب التي يمكن تسويتها في نهاية المطاف عبر خيار الفيدرالية أو حزمة من الإجراءات لرفع الظلم والتهميش عن مواطنيه؛ لأن خيار الانفصال لا يحظى بدعم إقليمي أو توافق دولي، بل إن الأزمة في صعدة ومصير الرئيس السابق علي عبدالله صالح واحتمالات تطبيق قانون العزل السياسي عليه وعلى مئات من المقربين وتصاعد التذمر من تنامي نفوذ صالح وحزبه بحسب تأكيدات الدكتور ياسين سعيد نعمان الأمين العام للحزب الاشتراكي، تعد من أهم الملفات التي ينبغي للمؤتمر أن يصل لتسوية لها؛ ففيما يتعلق بالأزمة في صعدة ينبغي البحث عن حلها يزيل أثار الحروب الستة التي شنها صالح ويقطع الطريق على دخول إيران على خط الأزمة ليس فقط للحفاظ على مصالح مواطني صعدة، بل لاستخدامها كحصان طروادة لفتح خطوط مع الجنوبيين لتعزيز النزعة الانفصالية بما يمهد لإيران موطئ قدم في هذه البقعة المهمة من الجنوب العربي.
ومن البديهي التأكيد على أن تسوية أزمة صعدة سيقطع يد طهران ويمنعها من العبث في الخاصرة الجنوبية للأمة العربية ويحرمها من توظيف التوتر لتوفير الدعم اللوجيستي أو السياسي أو الإعلامي لعرابي الانفصال في الجنوب، ولاسيما أن مخابرات غربية قدمت لنظيرتها اليمنية وثائق تثبت تآمر إيران على وحدة البلاد وسعيها لإعادة الأوضاع إلى ما قبل صيف عام 1990والبحث عن مناطق نفوذ لها قد تعوض ما يمكن خسارته من حلفاء تقليدين في مقدمتهم الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان، وهو ما يتطلب سعياً جادا من الحوار الوطني والحكومة الحالية لدمج الحوثيين مجددا في النسيج الوطني وإقرار حزمة إجراءات تنهي ما عانوا من ظلم وتهميش على يد قوات صالح.
عزل سياسي
وتمتد الخلافات داخل المؤتمر لقانون العزل السياسي؛ حيث تؤيد مؤسسة الرئاسة بقوة تفعيل هذه القانون وتنفيذه على الرئيس السابق وحلفائه انطلاقا من أن الحصانة التي تمتعوا بها وفقا المبادرة الخليجية أنهت دورهم السياسي، فضلا عن أن تفعيل هذا النص سيحظى بقبول وارتياح من جانب شباب الميادين الذين قدموا التضحيات لإسقاط نظام صالح وهو المسعى الذي قوبل بحالة غضب شديدة من المؤتمر الشعبي العام الذي رفض تبني الحوار أي نهج إقصائي، معدين أن إقراره لهذا القانون يهدد بتفجيره وتكريس حالة الاحتقان والاستقطاب في الساحة اليمنية، ولاسيما أن آثاره قد تمتد للرئيس منصور نفسه وهو أمر لا يرجح أن يجد آذانا مصغية لدى الأغلبية دخل الحوار.
حرب إبادة
وكأن القنابل الموقوتة التي كانت تهدد مؤتمر الحوار الوطني لم تكن كافية لتفجير جلساته حتى تنفجر الأوضاع في منطقة دماج الشمالية؛ حيث شنت قوات الحوثي قصفا شرسا على المنطقة وكثفت من هجماته على المنطقة ذات الأغلبية السنية في إطار مخطط ممنهج لإبقاء منطقة صعدة خالية، إلا ممن يؤمنون بأفكار الحوثيين ومناهجهم؛ حيث ركزت هذه الهجمات على مركز العلوم الشرعية السلفي في رغبة لاستئصال هذا المنهج السلفي من عقول أبناء المنطقة مستهدفة الأطفال والنساء والطلاب وكأنها تدير مخططا ممنهجا لإدارة حملة تطهير عرقي ومذهبي للسنة من المنطقة في ظل تصاعد أعداد الضحايا والمصابين وحتى المحاصرين.
وكشف الدكتور محمد موسى العامري رئيس حزب الرشاد السلفي عن معالم هذه الجريمة بالقول: إن جماعة الحوثي ترغب في تكريس حالة من الإغلاق المذهبي على المنطقة عبر وضع منطقة دماج تحت الحصار مستغلة انهماك جميع القوى السياسية في الحوار ومحاولة تطويع الأجواء الخاصة لتعزيز وجود الجماعة على الأرض، كاشفا أن الحزب لن يتراجع عن تعليق مشاركته في الحوار لحين التصدي لهذا العبث.
وحث العامري جميع الحركات المشاركة في الحوار لاتخاذ خطوة مشابهة منتقدا صمت القوى السياسية تجاه الجريمة العرقية والمذهبية في دماج، كاشفا أن جماعة الحوثي كانت قد طالبت مركز العلوم الشرعية بضرورة التخفيف من لهجته وتعديل مناهجه بما لا يحرض أو يفضح الفساد الفكري للحوثيين، وهو ما رفضته إدارة المركز بقوة مما دفع الحوثيين لقصف المنطقة وحصارها ومحاولة تهجير مواطنيها ليسهل مهمة الحوثيين في السيطرة عليها.
الضحية والجلاد
ويزيد من تعقيد الموقف أن الرئاسة اليمنية لم تحرك ساكنا في هذا السياق؛ حيث اكتفت بتشكيل لجنة رئاسية لدراسة الوضع في دماج وكأنها تسوي بين الضحية والجلاد، وهو ما يعد مسعى للحفاظ على الحوار وعدم تفجيره، ولاسيما أن قضايا الجنوب والحوثيين وشكل الدولة وكما يؤكد الدكتور طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة لم تحل حتى الآن، بل تعاني حالة من التعقيد بما يمنع التصعيد في دماج ومحاولة تسوية الأزمة بشكل سلمي حتى لا تؤثر بالسلب على حالة التوافق المنشود داخل جلسات المؤتمر.
ولم يستبعد وجود دور إيراني في إشعال الأوضاع في دماج فهم يريدون ابتزاز الحكومة اليمنية لتمرير مخطط لتطهير المنطقة من الأغلبية السنية والإبقاء على مناطق عديدة من صعدة تتمتع بنقاء عرقي وطائفي، منتقدا بشدة حالة الرخاوة التي تعاملت به الحكومة اليمنية مع الأحداث في صعدة، وكذلك الفرقاء السياسيون فقد ساووا بين الضحية والمعتدي عبر الاكتفاء بتشكيل لجنة رئاسية لدراسة الوضع ومنع تكراره، وهي رخاوة قد يستغلها الحوثيون لفرض الأمر الواقع، وهو ما يستجلب ردا من المواطنين السنة مع حزم حكومي ضد المعتدي قبل أن تصل الأزمة إلى منزلق صعب
ونبه فهمي أن كثرة الأزمات المعقدة على أجندة الحوار الوطني وتعدد الجهات المشاركة فيه وتباين المواقف السياسية والإيديولوجية وعدم وجود رؤية واضحة لدى الحكومة، وعدم وجودآلية تنفيذ قرارات الحوار يمكن أن يثير نوعا من الشك حول إمكانية نجاح الحوار في تفكيك عناصر الأزمة, ولاسيما فيما يتعلق بمعضلة الجنوب في ظل تنامي النزعات الانفصالية ورفض عدد من الفرقاء لصيغ الفيدرالية، بصيغها المختلفة لتجاوز هذه المعضلة التي تشكل الاختبار الأصعب، فإذا نجح في الوصول لتسوية له فإن باقي المشكلات ستحل بالتبعية، أما إذا فشل المؤتمر فإن وحدة البلاد واستقرارها سيبقى على المحك لمدة ليست بالقصيرة.
لاتوجد تعليقات