مظاهر الحضارة الإسلامية في الممالك الإفريقية
ببزوغ فجر الإسلام في مكة المكرمة، وضُيق على جماعة الإسلام الأولى، كانت الهجرة إلى الحبشة، وبفتح مصر وصل تيار الإسلام إلى شمال القارة الإفريقية وغربها، وإلى بلاد النوبة في السودان، ثم انتشر الإسلام في شرق القارة، كما انتشر في مناطق جنوب الصحراء الكبرى.
وبانتشار الإسلام في إفريقيا انتشرت الحضارة والثقافة الإسلامية في غربي القارة وساحلها الشرقي، ونشأت ممالك عدة، وبانتشار الإسلام وحضارته أصبحت اللغة العربية في مقدمة اللغات في إفريقيا، واتخذت أهم اللغات الإفريقية الحرف العربي حرفاً لها كاللغة السواحيلية، وكانت اللغة العربية من بين اللغات التي كُتب بها ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية.
عوامل انتشار الإسلام
لابد هنا أن نوضح العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام، والطرائق التي سلكها الإسلام في انتشاره في القارة الإفريقية، وقد ارتبط انتشار الإسلام بأربعة عوامل أساسية في إفريقيا:
طبيعة الشعوب
- الأول: طبيعة الشعوب التي نشرت الإسلام: وهي شعوب رعوية بدوية، لم تكن على خبرة بركوب البحر في بدء أمرها، بل كانوا قبائل تستخدم الإبل والخيل، ولا تتقدم إلا في المناطق المكشوفة، ويفسّر ذلك خطاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص، حينما أراد عمرو بن العاص فتح مصر؛ فطلب منه عمر رضي الله عنه وصف البحر؛ فلما وصفه له كتب إليه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قائلاً: «والله! لا أحمل عليه مسلماً»، وهو ما يوضح عدم درايتهم بركوب البحر، وخوفهم من أن يحول بينهم وبين مدّهم بالمؤن والجيوش إذا لزم الأمر.
طبيعة الأرض
- الثاني: طبيعة الأرض، وهي الأرض التي تحيط بالصحراء الكبرى شمالاً في المنطقة الممتدة من حدود مصر الغربية وحتى المحيط الأطلسي، وعبر وادي النيل حتى حدود النوبة، كما تشمل النطاق المحيط بالصحراء من الجنوب إلى مصبّ نهر السنغال حتى السودان.
طبيعة الإسلام
- الثالث: طبيعة الإسلام؛ فإن الإسلام هو دين الفطرة، سهل التناول، لا لبس فيه ولا غموض، يتسم بالبساطة؛ لذا فقد تقبّله الأفارقة، كما أن فكرة التوحيد لم تكن غريبة على الأفارقة الوثنيين؛ إذ كانوا في وثنيتهم يعتقدون بوجود إله أعظم خالق للكون.
طبيعة الدعوة الإسلامية
- الرابع: طبيعة الدعوة الإسلامية: كان الوثني الإفريقي حرّاً في أن يختار دين الإسلام أو يرفضه دون إكراه؛ فشعر الأفارقة بالأخوّة مع الدعاة المسلمين، وتقبّلوا الإسلام وتحمّسوا له، وكانوا ينظرون إلى المسيحية بوصفها دين الأوروبيين البيض، وقد أصابها الضعف في تلك الفترة.
السلم والإقناع
وكان الطابع الأساسي لنشر الدعوة هو السلم والإقناع؛ مما جعل الأفارقة يُقبلون عليها؛ لهذا نشط الدعاة والتجار في نشر الإسلام، والتفوا حول الملوك، وحبّبوا إليهم دين الإسلام، وشرحوا لهم أحكامه.
أبرز مظاهر الحضارة الإسلامية
بفضل الإسلام، تحوّلت المنطقة إلى قيم الحضارة الإسلامية، وكان نتاج ذلك حضارة عظيمة في شرق إفريقيا وفي غربها، وفيما عُرف بممالك الطراز الإسلامي، ويمكن إبراز معالمها في الآتي:
النظم والإدارة
لقد أدت الممالك الإسلامية التي غطت أجزاء واسعة في بلاد غربي إفريقيا وشرقي إفريقيا، كغانا ومالي وصنغي وكانم و برنو وغيرها دوراً مهماً، وساهمت مساهمة ايجابية في نقل الفكر الإسلامي إلى داخل إفريقيا، كما حافظت هذه الممالك على النظام المالي الذي سار وفق النظم الإسلامية المستمدة من تعاليم القرآن الكريم، مثل الزكاة والجزية والغنيمة، وكانت تُدفع لبيت المال، أما القضاء؛ فقد كان مستقلاً عن السلطة التنفيذية، ويطبق الشريعة الإسلامية.
نظام المظالم
وقد عملت هذه الممالك بنظام المظالم، وكان خلفاء الدولة (الصكتية) ينظرون المظالم بأنفسهم، كما كان في أول دولة الإسلام، كما ظهرت ولاية الحسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وازدهرت هي الأخرى في خلافة (صوكتو) للحاجة لهذا المنصب لضبط أمور الدولة في الاجتماع والاقتصاد.
التعليم
شهدت الممالك الإفريقية نهضة علمية؛ فكانت المدن مليئة بالعلماء والفقهاء والأئمة، وكانوا يتمتعون بالاحترام، ويمنحون الرواتب السخية، وكان الطلب مشتداً على الكتب، وقد راجت تجارة الكتب، ويذكر ابن بطوطة أنه رأى كتاب (المدهش لابن الجوزي) في إحدى مدن مالي، وقد اشتهرت مدن شتى بالعلم، وبرزت المراكز الثقافية، وأهم مركز ثقافي في (تنبكت) في مسجد (سنكري) أو جامعة سنكري.
تعليم القرآن واللغة العربية
وقد انتشرت المدارس في المدن جميعها، والتعليم ينصبّ على تعليم القرآن واللغة العربية، وكانت اللغة العربية هي لغة الدواوين الحكومية والمراسلات الدولية والتجارة، وهي اللغة السائدة كما يقول (توماس أرنولد): «غدت اللغة العربية هي لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة الإفريقية».
هذا، وقد تركت اللغة العربية أثرها في اللغات المحلية، ويظهر ذلك جلياً في لغة (الهوسا) وفي اللغة السواحلية، وفي اللغة الأمهرية، ولا يزال الحرف العربي يستخدم في هذه اللغات.
المجتمع
أما في المجال الاجتماعي؛ فقد انصهر العرب المسلمون مع سكان هذه المناطق، ونتج من ذلك الانصهار مجتمع جديد، وثقافة جديدة، تعتمد في جوهرها على دين الإسلام، وكان نتاج ذلك ظهور طائفة من العلماء في معارف وفنون مختلفة، وأبرز هؤلاء المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي 1168هـ /1754م وغيره من العلماء، فضلاً عن بروز مجتمع حضاري تُمارس فيه نظم الحكم، وتُطبق فيه الشورى، وحسن الإدارة.
كما انتشرت اللغة العربية في مساحات واسعة من بلاد القرن الإفريقي والساحل الشرقي، ليس ذلك فحسب، بل أصبحت المدن التي ذكرت مراكز للإشعاع الحضاري والثقافي والفكري، محافظة على ذلك حتى بعد مجيء المستعمر الأوروبي، وعلى روح ومكونات الثقافة الإسلامية، ولا تزال المساجد والمدارس الإسلامية تنتشر في البقاع كلها، وهو ما أسّس لقيم من الأخلاق في مجال العادات والتقاليد، ولاسيما أن الزواج حتى يومنا هذا يتم وفقاً للنظم والتقاليد الإسلامية.
الاقتصاد
وفي مجال الاقتصاد اشتغل التجار بنقل المحاصيل؛ فازدهرت تجارة البحر، ونقلت المعادن كالعاج والذهب والمحاصيل وريش النعام، العسل، الجلود، اللؤلؤ، اللبان، الموز والصمغ؛ فراجت هذه البضائع في بلاد الشام والعراق، وأضحت منسي وزنجبار وكلوة، كالمدن الفينيقية التي اشتهرت في البحر الأبيض المتوسط كصيدا وصور.
المجال الصناعي
وفي المجال الصناعي استُخْرج النحاس والذهب والفضة والحديد، واعتمد أهل الساحل على الذهب والحديد في معاشهم، وكانت (سفالة) مصدراً للذهب الذي يدخل الدولة الإسلامية، حتى عُرفت (بسفالة الذهب).
الزراعة والحيوان
ارتقت الزراعة في الممالك الإسلامية الإفريقية، ونموذج دولة مالي ذات الأرض الخصبة يوضح ذلك؛ فكانت تنتج القطن، والقمح، والذرة، وهو أكثر حبوبهم، ويزرعون الأرز، ولهم حبوب تشبه الخردل، ومن الخضروات اللوبيا والقرع والباذنجان، ومن حيواناتهم الخيل، ومن الطيور الإوز والدجاج والحمام، وقد وفدت إليهم هذه الحاصلات والحيوانات من مصر.
ختامًا
بفضل الإسلام تحوّلت هذه المناطق إلى قيم الحضارة الإسلامية، وكان نتاج ذلك حضارة عظيمة في شرقي القارة وغربها وفي ممالك الطراز؛ فكانت براوة، وهي جزيرة عربية على الساحل الشرقي لإفريقيا، مكاناً لانتشار العلوم العربية والإسلامية.
من ثم فلابد من العناية بمناطق ساحل إفريقيا الشرقي، ومنطقة القرن الإفريقي، وغرب إفريقيا، والاهتمام بالدور العلمي والسياسي الذي اتسمت به في نهضتها، بما يخدم التراث والثقافة الإسلامية، ويرسّخ لحفظ جذوة الإسلام وحضارته، ويجذر لها في هذه المناطق.
لاتوجد تعليقات