مصــر إنجازات قليلة وطموحات بلا حدود
تراجع اقتصادي.. انفلات أمني.. تردد سياسي.. مطالب فئوية واعتصامات.. أربع مظاهر لما تعانيه مصر بعد ما يقرب من 5 أشهر على سقوط نظام حسني مبارك وانهيار منظومة الحزب الوطني الحاكم وإخفاق سيناريو توريث السلطة، وهو السيناريو الذي أدى الدور الأهم في إشعال ثورة المصريين، بل وإن اتهامات طالت أنصاره بالوقوف وراء أحداث التحرير التي خلفت قتلى وجرحى وأعادت للأذهان الاضطرابات الأمنية التي شهدتها مصر في الأسابيع الثلاثة قبل تنحي مبارك.
وبقدر ما أبدى المصريون من تفاؤل حيال تحسن أوضاعهم بقدر ما هم يشعرون بالخطر حاليًا جراء جملة من الظروف والتطورات التي ألمت بهم جراء حالة الفوضى التي سادت البلاد لفترة وما زالت مستمرة في تكرار لسيناريو الأزمات التي كان يتقن النظام إشعالها لتكريس هيمنته على السلطة مثل أزمات (البوتوجاز) والنقص في الأرز ونقص المخزون من السلع الاستراتيجية مثل السكر والدقيق وغيرهما وهي الأزمات التي تعاملت معها حكومة عصام شرف بشيء من التردد مما زاد من حدتها.
ولا شك أن انهيار عائدات السياحة وضعف الإنتاج وانخفاض عائدات قناة السويس والتراجع الحاد في الأسواق المالية والبورصة قد زادت من الأعباء على الاقتصاد المصري، فالسياحة التي تشكل نسبة كبيرة من الدخل القومي تراجعت بشدة مما دعا غرفة صناعة السياحة للتأكيد بأنها فقدت أكثر من 80% من أسهمها مقارنة بالعام الماضي وإن كانت الغرفة قد راهنت على إمكانية استعادة السياحة لعافيتها خلال المرحلة القادمة في حالة تحسن الأوضاع الأمنية.
وضاعف من الصعوبات التي تواجه المصريين بعد الإطاحة بمبارك ما عانت منه البلاد من مظاهرات فئوية طالت جميع العاملين والمواطنين في القطاعين العام والخاص، والذين عدوا الأوضاع الحالية فرصة لرفع المظالم والإجحاف الذي عانوا منه طوال الثلاثين عامًا الماضية وهي التظاهرات التي لعبت دورًا مهمًا في تكريس حالة الفوضى في مصر بعد سقوط مبارك عدها اقتصاديون بارزون عاملاً من عوامل التراجع الاقتصادي.
وقد عانت مصر كذلك عجزًا متزايدًا في موازنتها تجاوز 14% لأول مرة منذ سنوات بسبب تراجع الإيرادات السيادية مما طرح إمكانية الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين قبل أن تتراجع الحكومة عن هذا الأمر بفضل الضغط الشعبي والانتقادات المتتالية لهذا الخيار وحثها على تبني سياسات اقتصادية أكثر توازنًا.
استعادة العافية
وإذا كانت مصر قد عانت على الصعيد الاقتصادي كثيرًا بعد إطاحة مبارك فإن أغلب المصريين لديهم تفاؤل بقدرة الاقتصاد المصري على استعادة عافيته بشكل ينعكس على تحسن أوضاعهم المعيشية وتجاوز عصور الإفقار والتهميش اللذين عانوا منهما فإن كثيرًا من الإنجازات قد تحققت على الصعيد السياسي سواء في الداخل أم في الخارج، فقد خاض المصريون تجربة ديمقراطية غير مسبوقة تمثلت في تسجيل حضور لافت وغير مسبوق في الاستفتاء على التعديلات الدستورية والتي عكست تصاعد نفوذ الإسلاميين في الساحة السياسية ووجود تأييد شعبي جارف لهم بعد سنوات من الملاحقات الأمنية والعقوبات القاسية خلف القضبان وهو ما اعتبر مظهرًا من المظاهر الإيجابية التي حققها فصيل بارز على الساحة.
ورغم أن المصريين خلال الاستفتاء قد حسموا خيارهم نحو إجراء الانتخابات البرلمانية أولاً يليها تشكيل لجنة يختارها البرلمان لصياغة الدستور الجديد يعقبها انتخابات رئاسية نهاية العام الحالي إلا أن التيارين العلماني والليبرالي شنوا حملة عنيفة لتغليب خيار الدستور أولاً؛ خوفًا من مواجهة خسارة موجعة في انتخابات البرلمان وتكريس هيمنة الملتزمين بالإسلام على مصر ما بعد مبارك خصوصًا أن أغلب الترجيحات تؤكد تصاعد وزنهم النسبي خلال الانتخابات الرئاسية حيث سيكونون فرس الرهان الذي يستطيع حسم هذا الاستحقاق المهم.
وقد جرت مياه كثيرة في القناة المصرية وحالة شد وجذب حول مصير الانتخابات البرلمانية المعتزم إجراؤها خلال سبتمبر القادم إلا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم حسم ذلك عبر بيان رسمي أكد فيه عقد الانتخابات البرلمانية في موعدها طبقًا للاستحقاق الدستوري وهو ما تكرر على لسان نائب رئيس الوزراء يحيى الجمل الذي أكد أن أحداث التحرير الأخيرة لن تؤثر على تأجيل الانتخابات البرلمانية مبديًا احترامه لخيار الشعب في استفتاء التاسع عشر من مارس الماضي.
فراغ أمني
غير أن هذه التصريحات التي تواكبت مع أحداث التحرير الأخيرة عمقت المخاوف داخل قطاع عريض في مصر من وجهة الأحداث وإلى أين تتجه البلاد في ظل هذا الاضطراب الأمني المستمر منذ سقوط النظام.
وقد أثارت هذه الأحداث تساؤلات حول طبيعة المتورطين في هذه الأحداث الدموية حيث استغل فلول النظام وأعضاء المجالس المحلية المنحلة وفلول جهاز مباحث أمن الدولة هذه الأحداث لتفجير الأوضاع حرصًا منهم على قطع الطريق أمام إجراء انتخابات حرة وتشكيل حكومة قوية ستفتح أبواب محاسبة من أجرموا في حق هذا الشعب.
وأوضح عبد الماجد أن المستفيدين من إشعال هذه الأحداث هم من وقفوا وراءها حيث لا يشغلهم أمن مصر واستقرارها بل مهمتهم في المقام الأول مصالحهم، مرجحًا قدرة مصر على استعادة عافيتها إذا تضافرت جهود الجميع لتحقيق هذا الهدف وإجراء انتخابات برلمانية ستفضي لتشكيل حكومة قوية قادرة على محاكمة المتآمرين.
حملات تشويه
ومن المهم التأكيد أن مصر ما بعد سقوط مبارك تواجه تحديات شديدة الصعوبة لم تكن في الحسبان؛ حيث لم يتوقع المصريون أن تكون مقاومة النظام السابق للثورة بمثل هذا الحد خصوصًا أن أغلب رموزه ما بين محتجز في أحد السجون أو يواجه احتمالات استدعائه للمثول أمام لجان التحقيق مما جعلهم يكثفون تحركاتهم لخلق نوع من الاضطرابات بشكل قد يمنع مساءلتهم أو يؤجلها على الأقل ويمنحهم فرصة لتسوية أوضاعهم المالية أو التنازل عن أراض حصلوا عليها بطرق غير مشروعة إبان النظام السابق.
ولكن الأمر المثير للدهشة أن مساعي فلول الحزب الوطني المنحل لإشاعة أجواء الاضطراب قد تزامنت مع تحركات قوى ليبرالية وعلمانية تتبنى حاليًا مشروع «الدستور أولا» بهدف الالتفاف على نتائج الاستفتاء السابق وكأن هذه القوى تريد قيادة البلاد لنفق مظلم ولا تعبأ بما يمكن أن يؤدي إليه الالتفاف على إرادة الشعب أو الدعوة لاستفتاء جديد يلغي نتائج الاستفتاء الأول.
ومن الأمور اللافتة التي تعانيها مصر خلال الفترة الأخيرة الفوضى التي تسود المجال الإعلامي وتبني هذه الفضائيات لمواقف أو أجندة بعينها ومحاولة فرضها على المواطن، ومنها الحملة على المادة الثانية من الدستور أو فيما يتعلق بهوية مصر الإسلامية؛ حيث دعت عديد من هذه الفضائيات لضرورة إدخال تعديلات جذرية على هذه المادة بشكل يحافظ على عقائد الآخرين وهو ما جوبه بمواقف معارضة من جانب التيار الإسلامي الذي شدد ضغوطه للحفاظ على هذه المادة وعدم المساس بها.
مساعي تشويه
ولم يتوقف دور وسائل الإعلام على هذا الأمر وإنما أصبحت تركز جهودها على ضرورة الترويج لقيم علمانية وليبرالية باعتبارها السبيل الوحيد لخروج مصر من عنق الزجاجة على حد قولهم والتشكيك في أهلية التيار الإسلامي لاحترام تقاليد الحياة السياسية كأنهم يرغبون في حرقه وتشويه صورته أمام الجميع مستغلين حالة الفوضى التي تسود الساحة المصرية وانشغال مصر بعدد من الملفات الصعبة التي جعلت الساحة تبدو خالية أمام الترهات التي يحاولون نشرها في مصر والتي تواجه مقاومة شديدة من التيار الإسلامي.
بضاعة كاسدة
ويحاول العلمانيون والليبراليون استغلال سيطرتهم على وسائل الإعلام للترويج لبضاعتهم الكاسدة كما يصفها د. عصام سلطان نائب أول رئيس حزب الوسط ذي المرجعية الحضارية حيث يرى أن مصير هذه المحاولات للالتفاف على إرادة الشعب الفشل، لافتًا إلى أن هذه القوى لا تستطيع مواجهة الملتزمين بالإسلام في اقتراع نزيه يحظى بمراقبة دولية.
وأضاف أن محاولات الالتفاف على إرادة الشعب ستواجه بمواقف قوية من قبل الملتزمين بالإسلام الداعمين بشدة للشرعية والساعين للمحافظة على احترام إرادة الشعب وإشراف لجنة منتخبة على صناعة الدستور بشكل يمنع الحكم الديكتاتوري من العودة لمصر مجددًا.
ولفت إلى أن مصر تواجه حاليًا مرحلة صعبة تحتاج لتكاتف الشعب المصري للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، متهمًا فلول الحزب الوطني «ولوبي» المصالح بالتورط في أحداث التحرير الأخيرة حيث يخوض هؤلاء معركتهم الأخيرة للدفاع عن فسادهم ومصالحهم.
وشدد على قدرة مصر على تجاوز هذه الأحداث والخروج منها بشكل قوي خصوصًا إذا وضعت كل القوى الوطنية مصلحة البلاد على رأس أولوياتها باعتبار أن بناء الدولة في حجم مصر يتطلب تعاون جميع أبنائها لما فيه خير البلاد.
لاتوجد تعليقات