رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: معالي الشيخ: صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ 12 مارس، 2018 0 تعليق

مصادر التشريع وأثرها في وحدة الأمة (1)

  الحديث عن مصادر التشريع يتضمن مفردتين مهمتين المفردة الأولى: (مصادر التشريع)، والثانية: (وحدة الأمة)؛ فمصادر التشريع يهتم بها كل طالب علم، وكل فقيه وكل باحث في الفقه وفي أصوله؛ لأن مصادر التشريع هي المرجع الذي به يكون الحكم عند الفقهاء وعند أهل الديانة فيما اختلف فيه الناس من أمور.

     والمفردة الثانية (وحدة الأمة): وهي مطلب عزيز عظيم، وكل مخلص لله -جل وعلا- ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم فإنه يطلب هذه الوحدة؛ لأن الخير في الاتحاد، والقوة في الوحدة، والتفرق فيه الضعف وفيه قوة الأعداء؛ فالمفردتان مهمتان، لكن إلى أين سنتجه في عرض هذا الموضوع؟

مأخذ أصولي

هل سنأخذه مأخذًا أصوليا، فندخل في مباحث مصادر التشريع وتعددها، والأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها، والمذاهب في ذلك، وما اتفقوا عليه منها، وما اختلفوا فيه منها، وندخل في دليل القرآن ودليل السنة، وكيف يكون الاستدلال، إلى آخره؟

عرض كلي

     أم نذهب إلى عرض مصادر التشريع كليا، ونأخذ النتيجة والمآل من كونها حجة؟ سنفترض افتراضًا أن مصادر التشريع الإسلامي مقبولة عند المتلقي الذي يسمع هذا الكلام، لا يناقش في أن القرآن حجة والسنة حجة والإجماع حجة والقياس حجة على نحوٍ ما ونحو ذلك.

سنفترض القبول، مع أن هناك فكراً علمانياً متطرفاً - وهو موجود- يقول: ليس القرآن بحجة، ولا السنة بحجة، ولا الإجماع بحجة إلى آخره.

نهضة الأمة

     فنفترض افتراضًا مبدئيًا أننا سنتناول من يهتم بنهضة الأمة وبوحدة الأمة من جهة شرعية، هناك من ينظر إلى الوحدة من جهة لغوية، من ينظر إلى وحدة الأمة من جهة قومية، الأمة العربية أو أمم أخرى، ومنهم من يفترض أن تكون وحدة والأمة على نحو التفكير العلماني بالعلمانية الشاملة، وهناك آراء كثيرة.

وحدة الأمة ومصادر التشريع

     نعرضها في البداية بإيجاز في أن العلاقة بين مصادر التشريع ووحدة الأمة علاقة فقهية سليمة؛ لأن وحدة الأمة كان من أسباب وجودها وحدة منهج التلقي، ووحدة أدلة التشريع؛ لذلك إذا كان هناك في مقام الاستدلال عند تقرير الحاضر نظرة لما حولك نظرة للكون، ونظرة لتعامل الإنسان مع الإنسان، ونظرة لتعامل الإنسان مع الموافق والمخالف مع دولته، والتعامل مع الكون والبيئة. وما المرجعية في تحديد علاقة الإنسان بما حوله من جهة كلية؟ المرجعية في هذا الطرح هي مصادر التشريع، يعني القرآن والسنة والإجماع والقياس والقواعد.

الشرعية ومقاصد الشريعة الكلية.

لذلك نهضت الأمة حين نهضت، واتحدت حينما كانت متمسكة بالمرجعية في منهج التلقي وفي مصادر التشريع، يعني الحجة في مصادر التشريع التي أقرتها الأمة على اختلاف مناهجها.

     أقرت بالقرآن، وأقرت بالسنة، على نحو من الاختلاف، وأقرت بالإجماع على نحو من الاختلاف، وأقرت بالقياس أيضًا بخلاف - يعني بالاختلاف- في بعض أنواعه وبعض مسائله، أقرت بكثير من القواعد، ولاسيما القواعد الكلية العامة، وترتب هذا الإقرار على أن يكون الاختلاف في الأمة محدودًا، حتى انقضى القرن الأول، ودخلنا في القرن الثاني؛ فزاد النقاش في موضوع الاحتجاج، ثم ازدهرت الكثير من التفاصيل الفقهية في نوعية الاحتجاج.

     ثم زادت الفرق، فكلما صار هناك بُْعدٌ عن منهج التلقي الواضح في القرن الأول الهجري زادت الخلافات، وصار هناك بحث في الموضوعات حول ذلك، بالتالي زادت الفرق، وزادت الأطروحات الفلسفية والكلامية، وزادت المذاهب السلطوية واتجاهات الحكم، وتعددت الدول إلى آخره.

     حتى ضعفت الأمة بذلك، وفي وقتنا الحاضر لا شك أن وضع الأمة في تفرقها وضعٌ لا تحسد عليه؛ فهي في أشد حالات ضعفها فيما مضى، ولا نقول إنها كانت في فترة سابقة أضعف والآن صارت أقوى، ليس الأمر كذلك، الآن هي أضعف ما يكون، لماذا؟ لأن وحدة الأمة المطلوبة الآن تُضرب في صميمها بطرح المفاهيم الكبرى الجديدة التي هي منوطة بالفكر الماسوني العام وتفريعاته في العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

كذلك الفرق ما بين الدين والثقافة، سلطة الدين وميادين الثقافة، وألا يكون هناك علاقة بين الدين والثقافة، وألا يكون هناك علاقة بين الدين والدولة، وألا يكون هناك علاقة بين الدين والقِيم، وألا يكون هناك علاقة بين الدين وسلوك الناس.

كذلك البعد الاقتصادي، وأثر هذا البعد الاقتصادي في تكوين البعد الثقافي، والعولمة مثال كبير لذلك؛ حيث إن فكرة العولمة في أساسها فكرة اقتصادية ثقافية بامتياز.

أمر صعب جدًا

بالتالي؛ فإننا حين نتحدث عن وحدة الأمة؛ فنحن نتحدث عن أمر صعب جدًا على الحقيقة، والتحدي فيه كبير جدًا، بل إن الأمة الآن يراد لها أن تكون متفرقة شذر مذر، إلا أن تجتمع على مصلحتها الدنيوية بمفهوم العلمانية الجزئية، ومفهوم العلمانية الشاملة.

العلمانية الجزئية

ماذا تعني العلمانية الجزئية؟ العلمانية على مستويين:

     العلمانية الجزئية: تعني فصل الدين عن الدولة بالمفهوم العام، فلا علاقة للدين بالدولة، والدولة هي عبارة عن حكم وأرض وناس؛ فتشريع هذه العلاقة بين هذه الأشياء لا دخل للدين فيها، وبالتالي فإنه لا يمكن أن تتوحد الأمة بمنظور ديني؛ لأن الفكرة السائدة الآن لابد أن تكون الأمة داخلة في العولمة، فتطرح وتبعد عن تميزها الثقافي أو خصوصياتها، وهناك علاقة متينة جدا ما بين موضوع العلمانية وموضوع الخصوصية، وموضوع العولمة وموضوع الخصوصية.

العلمانية الشاملة

     النوع الثاني من العلمانية هي العلمانية الشاملة، وهي انفصال الإنسان عن الدين بالكل، يعني الانفصال في قيمه وثقافته وفكره وطريقة تعامله مع نفسه، وتعامله مع من حوله؛ فالعلمانية الشاملة والعولمة المطروحة حاليا؛ هي سلب لسيطرة أو لمرجعية أو مصادر التشريع.

معركة كبيرة

     ومصادر التشريع تبقى في دائرة العلماء في بحوثهم الفقهية، فيما يتسامرون به، ويؤلفون ويناقشون في الجامعات، لكن يجب ألا يكون هناك دخل وصلة ما بين هذا المنهج -منهج التلقي الرباني- وحياة الناس؛ وبذلك كانت المعركة اليوم معركة كبيرة، كأشد ما تكون في التاريخ ما بين الإسلام والأفكار الأخرى، وهذه المعركة الكبيرة هي معركة -في الأساس- فلسفية، ثم نزلت من الفلسفة -الفلسفة الدينية والفلسفة الإنسانية- إلى دوائر السياسة، والفكرة العامة هي في الأساس ماسونية؛ لأن الماسون أول ما أرادوا تثبيته في الناس ليكون هناك منهج له هو العلمانية الجزئية بفصل الدين عن الدولة، والعلمانية الشاملة بالإبعاد عن القيم.

فكرة ماسونية

     لذلك كل علاقة تراها ما بين إبعاد الشريعة عن واقع الحياة؛ فهي فكرة ماسونية علمانية، تستهدف عدم وجود الدين في حياة الناس، وهل هم أعداء للدين لأجل الدين؟ أم لأنهم يقتنعون أنه لا صلاح للناس بالدين؟ وهناك من العرب من يؤيد ذلك، ويقول: الإنسان يمكن أن يكون مع الإنسان وحدة واحدة، وأمة واحدة.

     أحد العرب العلمانيين المفكرين يقول: الناس يمكن أن يكونوا أمة واحدة لو لم يكن هناك قرآن وسنة وأنبياء، ويقول: القرآن دلنا على ذلك، مع أنه يقول القرآن ليس دليلا وليس حجة، ولكنه يقول: القرآن دلكم على ذلك في قوله:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (البقرة: 213)؛ فكان الناس شيئًا واحدا، ولكن جاءت الأنبياء ففرقتهم.

     وهذه الفكرة فكرة موجودة الآن؛ فيمكن أن يكون الناس أمة واحدة، ولكن عدو وحدة الإنسان هي الديانات، ويضربون أمثلة ليس بالدين الإسلامي فقط، بل يضربون باليهودية في بعض جمعياتها وتجمعاتها ومنظماتها، وكذلك بالمسيحية في بعض تجمعاتها وكنائسها، وبالإسلام.

الإسلام في المدرسة السلفية

     هنا إذا تكلم الغربي عن الإسلام المضاد للفكرة الغربية أو للعلمانية الشاملة؛ فإنه يأتي ويقول: الإسلام في المدرسة السلفية، والمدرسة السلفية عندهم تشمل المدارس التي تقول: إن مصدر التشريع الذي يجب الرجوع إليه لتحديد علاقة الإنسان بنفسه بمن حوله ببلده بالإنسان الآخر مصدر التشريع القرآن والسنة والإجماع والقواعد والمقاصد.

من احتج بهذه المصادر يعدونه مدرسة سلفية، والمدرسة غير السلفية التي تقول: إن القرآن يناقَش بالعقل؛ فهو حجة لكن يناقش بالعقل، والسنة حجة لكن تناقش بالعقل، نقبل منها ونَذر ، والقرآن نقبل منه ونذر.

لذلك يذكرون كثيًرا نقد الموروث في منظومات الحداثة، والحداثة جزء أو هي مفهوم فلسفي كبير للعلمانية الشاملة، لكنها الحداثة وما بعد الحداثة وتفصيلات ذلك تؤدي إلى أن كل شيء يجب أن يكون تحت النقد.

     وفي النهاية لا يكون هناك احتجاج بمصادر التشريع؛ ففي المفهوم الغربي سواء الدراسات الفلسفية، لدى الجامعات أو الفلاسفة السياسيين أم الفلاسفة الدينيين، إذا قالوا: السلفية فإنهم لا يعنون بها ما نفهمه نحن بالسلفية؛ فيفهمون السلفية بمعنى أننا نرجع إلى أصول السلف في الاحتجاج، أصول الأئمة الأربعة في الاحتجاج، وفي مصادر التشريع وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس وأقوال الصحابة والقواعد الكلية والمقاصد العامة.

     عدم إدخال العقل في هذه المدرسة هو جعلهم ينظرون إلى أنها السلفية، فأشد المدارس عداوة للحداثة عندهم هي السلفية بالمفهوم العام لها، لكن إذا أردنا أن نأخذ صورة أخرى، فإن المدارس الأخرى التي تنفصل عن مدرسة تعظيم مصادر التشريع، إلى نقد مصادر التشريع؛ فهذه يحبذونها ويطلق عليها مدارس مختلفة بأسماء مختلفة، بحسب المصطلحات الموجودة؛ لذلك فالبحث في وحدة الأمة بحث صعب،  صعب جدا؛ فالأمم تتحد بجامع اللغة، وتتحد بالإقليم، وتتحد بجامع التاريخ، وبجامع الدين، تتحد بأنواع من الجوامع، لكن الأمة الإسلامية من المستحيل في المعطى الحاضر أن تتحد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك