رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 11 مارس، 2014 0 تعليق

مسلمو القرم..بين شقي الرحى (البطش الروسي.. والنفاق الغربي)

استقطبت الأحداث الحالية في أوكرانيا أنظار العالم أجمع، وبالتحديد إلى شبه جزيرة القرم، التي تسيطر عليها روسيا خلال الوقت الحالي، بعدما أرسلت 6000 جندي لاحتلال الجزيرة،اعتراضًا على الإطاحة بالرئيس الأوكراني (فيكتور يانوكوفيتش)، ويبدو أن أوكرانيا أصبحت أكبر مشكلة تواجهها الدول الغربية وروسيا، منذ انتهاء الحرب الباردة، التي من الممكن أن تقود إلى حرب عالمية جديدة، في ظل إصرار روسيا على عدم الاستغناء عن تلك الدولة الحيوية بالنسبة لها، لكونها الحد الغربي لروسيا أمام الطموحات الغربية.

المسلمون ضحية المصالح الغربية

     يبدو أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر تصفية الحسابات وتقاسم المصالح بين القوى العالمية الكبرى على حساب المسلمين, وأن نتائج انفراط عقد وحدة المسلمين التي عمل الشرق والغرب على ضربها بعد سقوط الخلافة الإسلامية، قد تزايدت مظاهرها بطريقة واضحة هذه الأيام، وككل القضايا في هذا العصر التي يكون المسلمون أحد عناصرها أو طرفا من أطرافها، يتم التضحية بهم، ويكونون كبش الفداء، كما تقضي بذلك قواعد الاستراتيجيات العسكرية الغربية؛ فالعنصر الأضعف في أي صراع هو المرشح دوماً لتكون كل التسويات على حسابه؛ فالأضعف يخسر عادة بينما أطراف الصراعات تتفاوت في معايير المكاسب والخسائر، وإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون من أسباب القوة، ولا يستندون إلى دولة كبرى تدافع عن حقوقهم مثلما هو الحال بالنسبة للآخرين فمن الطبيعي أن تقهرهم أي تسوية، هذا باختصار ما يحدث الآن في إقليم القرم الأوكراني.

القرم وتاريخ قديم من الصراع

     ولا شك أن الصراع الدائر في القرم الآن لم يكن وليد اليوم والليلة، فالأحداث التي يشهدها الإقليم مؤخرًا هي امتداد لصراع قديم يصل إلى سبعة عقود من الزمن، مارس فيه الروس أبشع أنواع القتل والتعذيب على المسلمين الذين كانوا يمثلون أغلبية فيه؛ حيث قتلوا 350 ألفًا في عام واحد!! وهرب أكثر من مليون!! ومارست روسيا شتى أنواع القهر والتعذيب على المسلمين هناك وصادرت الأراضي ودمرت المساجد وفتنوا المسلمين في دينهم!

      وفي بدايات القرن العشرين عاد الكثير من المسلمين وحاولوا استرجاع قوتهم، وأعلنوا عن حكومة لهم، لكن الشيوعيين قتلوهم شر قتلة! ثم أراد (ستالين) إنشاء كيان يهودي في القرم عام 1928 فثار المسلمون بقيادة أئمة المساجد والمثقفين فقام هذا المجرم بإعدام 3500 منهم، وبدأ عدد المسلمين (التتار) يتناقص من ملايين عدة عام 1883 إلى 850 ألفاً عام 1941. 

قتل وتعذيب وتهجير

     وفي الحرب العالمية الثانية اتهم (ستالين) المسلمين في القرم بتعاونهم مع الألمان بالرغم من تجنيد الكثير من أبنائهم قسرًا، وقام بإعدام الكثير منهم بعد الحرب العالمية الثانية، وتم تهجير مئات الألوف ممن تبقى منهم، وصاروا أقلية فيها، إلى أن وصل عدد المسلمين فيها بين 400 إلى 500 ألف فقط وذلك بسبب ما لحقهم من تهجير وقتل!

بداية الأزمة الحالية

     تصاعدت الأحداث الأخيرة منذ اللحظات الأولى للإطاحة بالرئيس الأوكراني (فيكتور يانوكوفيتش) واختفائه؛ حيث ترددت الأنباء بأن الرجل قد فر إلى إقليم القرم، أحد أهم معاقل الروس في أوكرانيا، ثم بدأت الاضطرابات تحصل في الإقليم والأخبار تتوالى بأن الإقليم سيفصله الروس عن أوكرانيا تمهيدًا لإلحاقه أو تبعيته للروس، وهو ما بدا واضحًا من خلال مواصلة الجيش الروسي إحكام قبضته على الإقليم، وهو ما وصفته الحكومة المؤقتة بأنه إعلان للحرب من قبل القوات الروسية.

توافق أمريكي روسي

     ومع تصاعد الأحداث لم تتعد التهديدات الأمريكية والأوربية لروسيا إزاء هذا التدخل حيز التلويح بعدم حضورها قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى المقرر عقدها بعد 3 أشهر في منتجع (سوتشي) الروسي؛ مما يشير إلى وجود توافق بينهما على مسألة اضطهاد مسلمي القرم, وربما تهجيرهم أيضًا من بلادهم بعد قرن ونصف القرن من تهجير أجدادهم من المكان نفسه على يد الروس.

     ورغم تأكيد بعض المحللين السياسيين أن ما يجري في شبه جزيرة القرم لعبة سياسية من أجل الضغط على أوكرانيا لكسب أوراق ومكاسب, وأن فصل القرم عن أوكرانيا أمر مستبعد, إلا أن الأمر غير المستبعد بالتأكيد هو التوافق الأمريكي والروسي على اضطهاد مسلمي القرم, وعدم الاكتراث بحقوقهم المدنية والسياسية في تلك البلاد.

     ولا شك أن القلق الذي أبدته أمريكا والغرب على شبه جزيرة القرم ليس على المسلمين هناك, وإنما على الأوكرانيين المسيحيين ومصالحها الاستراتيجية, فقد أكدت شبكة (أوكرانيا برس) حدوث اعتداءات على ممتلكات تعود لمسلمي تتار القرم في منطقة (فنتان).

تخوف من احتلال روسي

     مسلمو القرم في الجنوب، ومسلمو الدنباس في الشرق، يخشون الآن من أن تفضي الأحداث الجارية في أوكرانيا إلى وقوعهم تحت نير احتلال روسي خبروا مغباته، وقاسوا ويلاته على مر القرون؛ فعندما كانت الدولة العثمانية كان الإقليم الاستراتيجي الذي يشرف على بحري الأزوف والأسود ضمن أملاك الدولة العثمانية، ثم طالبت روسيا القيصرية في أعقاب حرق الأسطول العثماني قبل أكثر من قرنين بانفصال الإقليم، ثم لما ضعفت الدولة العثمانية أكثر ضمته روسيا إليها.

     هذا السيناريو الذي تكرر في بلدان إسلامية كثيرة، منها دول وجمهوريات القوقاز على سبيل المثال تريد روسيا تكراره اليوم بضم الإقليم إليها، وكذا شرق أوكرانيا الذي يضم التتر الدونباس المسلمين، والمسلمون البالغ عددهم نحو مليوني نسمة ونيف ينتابهم قلق عميق خشية تكرار الماضي؛ حيث أرغم أربعة ملايين مسلم على الهجرة من ديارهم.

     وحق للمسلمين أن يكون لديهم هذا التخوف الذي قد يفضي إلى إعادة تهجيرهم أو حتى قتلهم، ولا تعويل على فكرة “ تَحَضُّر” أوروبا أو عدم سماحها بمثل هذه الجرائم؛ فما يعايشه المسلمون اليوم في سوريا مثلاً وحتى دول القوقاز يسمح للخيال بتذكر مآسي التاريخ.

صمت عربي

     وأمام هواجس مسلمي القرم من المستقبل الذي ينتظرهم في ظل الأحداث المتسارعة, لا يبدو أن هناك تحركا عربيا إسلاميا يذكر إزاء قضيتهم, اللهم إلا إذا ذكرنا تحرك السيد أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي, الذي التقى في وقت سابق مع مصطفى جميلوف عضو البرلمان الأوكراني عن جمهورية القرم للتباحث حول وضع المسلمين التتار في شبه جزيرة القرم الذين يشكلون 20% من نسبة السكان، فهل يكفي هذا التحرك لمواجهة الهجمة العنصرية الروسية الشرسة على المسلمين هناك في ظل الصمت والتواطؤ والنفاق الأمريكي الغربي؟! سؤال في حاجة إلى من يجيب عليه..!!

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك