مسلمو الشمال نفضوا غبار عقود التهميش ولن يقبلوا بعودة عقارب الساعة للوراء هل تتجه ساحل العاج نحو حرب أهلية؟
لا يعتقد على نطاق واسع أن الساحة السياسية في ساحل العاج مقبلة على تسوية للأزمة التي اشتعلت مع إعلان لجنة الانتخابات فوز رئيس الوزراء العاجي السابق وزعيم حزب تجمع الجمهوريين الحسن وتارا برئاسة البلاد متفوقًا على خصمه اللدود لوران غباغبو حاكم الأمر الواقع في البلاد منذ عام 2002م في ظل تمسك الأخير بالسلطة ورفضه الانصياع لقرارات اللجنة وتذرعه برفض اللجنة الدستورية المقربة منه الاعتراف برئاسة وتارا.
فالبلاد التي تعاني أزمة سياسية طاحنة منذ عام 2002م أفضت إلى تقسيمها بين شمال ذي أغلبية مسلمة وجنوب ثهيمن عليه الأقلية النصرانية، بدت معرضة بشكل لم يسبق له مثيل لحزمة الخيارات المهددة لوحدتها في ظل تمسك (غباغبو) بالسلطة مؤيدًا من الجيش الذي يهيمن عليه قبائل «BAD» النصرانية الراغبة بقوة في استمرار هيمنته على السلطة والثروة والنفوذ داخل البلاد إدراكًا منها أن وصول وتارا المسلم لسدة الرئاسة سيعيد رسم الخريطة السياسية في البلاد التي وضعها الرئيس الراحل هوافيه بواتيه منذ حصول البلاد على الاستقلال عن فرنسا عام 1960م، وشهدت هيمنة النصارى على البلاد وعزل الأغلبية المسلمة عبر ممارسات عنصرية وأمنية أجبرت المسلمين في سنوات مظلمة على عدم ارتداء الملابس الدالة على هويتهم الإسلامية، وحظرت عليهم تبوؤ المناصب الرفيعة في البلاد وحرمت مناطقهم من الخطط التنموية حتى سقطوا أسرى التهميش والنبذ.
هروب وأزمة
وتعود الأزمة السياسية للبلاد بعد هروب حاكم البلاد العسكري (روبرت جي) وإجراء انتخابات بين (غباغبو) وبيدييه أفضت إلى وصول الأول للسلطة واندلاع حرب أهلية في البلاد بعد تواطؤ الفرقاء السياسيين على منع الزعيم المسلم (حسن وتارا) من خوض الاستحقاق الرئاسي متذرعين بقانون الهوية الإيفوارية الذي ينص على حرمان أي مواطن عاجي لا يتمتع بالنقاء العرقي من خوض هذه الانتخابات استنادًا إلى أن والدة وتارا من أصول بوركينابية وكانت تعمل في مزارع الكاكاو التي شغل المزارعون من بوركينا فاسو ومالي والسنغال القوى العاملة الرئيسة فيها.
ومنذ ذلك الحين والبلاد مقسمة بين شمال مسلم وجنوب يهيمن عليه النصارى بعد انحياز رئيس الوزراء المكلف والموالي لوتارا (جيوم سورو) إلى الشماليين وقيادة التمرد على قوات (غباغبو) ، بل ونجاحه في توجيه ضربات قاصمة للجيش العاجي وشنه هجومًا على ياماسكور التي أوشكت على السقوط في أيديهم لولا تدخل القوات الفرنسية.
اتفاق سلام وعقبات
ومن ذلك الحين والبلاد مقسمة ولم يعرف الاستقرار طريقًا إليها وهي الظروف التي استغلها (غباغبو) والموالون له للبقاء في السلطة رغم انتهاء حقبته الرئاسية عام 2005م، واستمرت هذه الأوضاع؛ حيث قام الفرقاء العاجيون بتوقيع اتفاق سلام في بوركينا فاسو يضمن تسريع إجراء انتخابات رئاسية يخوضها الجميع بحقوق متساوية وتشكيل حكومة مؤقتة تعيد توحيد البلاد بقيادة زعيم المتمردين (جيوم سورو)، غير أن (غباغبو) لم يترك عقبة أمام اتفاق السلام إلا وأقدم عليها بهدف الاستمرار في السلطة أطول وقت ممكن حيث تذرع بحجج مختلفة لتأجيل الانتخابات الرئاسية مرات عدة حتى أجبرته الضغوط الدولية على إجرائها خلال الأسابيع الأخيرة.
من البديهي التأكيد أن (غباغبو) ومن خلال رفضه الإقرار بنتائج الانتخابات وتمسكه بالسلطة يستند إلى تأييد الجيش له وسيطرته على الأوضاع في العاصمة (ياماسكور) باعتبار رئيس الأمر الواقع، فضلاً عن تأييد أجهزة استخبارات غربية لا تبدي ارتياحًا لوصول وتارا للحكم رغم المخاطر الشديدة لاستمرار (غباغبو) في السلطة على وحدة البلاد واستقرارها، فضلا عن تمتع غباغبو بدعم المنظمات التنصيرية العاملة داخل البلاد والكيان الصهيوني حيث فتح لهم حاكم الأمر الواقع في ساحل العاج البلاد على مصراعيها لاختراق الشمال المسلم واستهداف قادته وتصفية كوادره.
وإذا كان (غباغبو) يراهن على دعم أجهزة استخبارات غربية له وتأييد الجيش والمنصريين والصهاينة، فإن هناك قوى دولية وإقليمية تدعم خصمه وتارا رسميًا على الأقل وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي ساركوزي ونظيره الأمريكي باراك أوباما والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والعديد من دول الجوار وفي مقدمتها نيجيريا وبوركينا فاسو والسنغال؛ انطلاقًا من اعتقاد أن استمرار (غباغبو) في السلطة يقضي على أي احتمالات بعودة الاستقرار للمنطقة باعتباره سببًا مهمًا من أسباب الأزمة التي عانت منها البلاد منذ 2002م وليس له دور في أي حل.
وساطة أفريقية
ورغم اعتراف هذه الدول بوتارا رئيسًا لساحل العاج خلال قمة التعاون الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (الايكوس) إلا أن هذه الدول تبدو غير قادرة على فرض الحل، وهذا ما يفسر تأييدها لمهمة رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي لتسوية الأزمة هي التسوية التي تقوم على ضرورة إقرار (غباغبو) بهزيمته والاعتراف بوتارا رئيسًا، وهو ما رفضه الأول جملة وتفصيلاً مما خلق نوعًا من التشاؤم بعدم إمكانية التوصل لحل وسط بين الطرفين، بل حدا بالموالين لوتارا لدعوة الشعب للتحرك للسيطرة على مؤسسات الدولة الرسمية وطرد غباغبو وأنصاره منها، بل إن رئيس الحكومة المكلف (جيوم سورو) هدد خلال الفترة الماضية باقتحام العاصمة إذا تعرضت قواته لأي استفزاز من أنصار (غباغبو).
ولا شك أن التطورات قد أطاحت مؤقتًا بسيناريو روجه بعضهم لإمكانية تكرار السيناريو الكيني ـ الزيمبابوي في البلاد والخاص باقتسام السلطة بين غباغبو ووتارا بشكل مماثل لما أقدم عليه (كيباكي) ـ (رايلا أودينجا) مع الرئيس الزيمبابوي (موجابي) ورئيسة وزرائه (مورجان تسفانجيراي) ولكن مراقبون يستبعدون إمكانية تكرار هذا السيناريو في ظل اختلاف الأوضاع بين ساحل العاج وكينيا وزيمبابوي، فالأوضاع الاستثنائية التي تعانيها بلاد الكاكاو منها تجعل خيار رحيل غباغبو هو الوحيد المتاح وهو طرح يؤيده د. محمود أبو العينين عميد معهد الدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة، حيث يرى أن هذا السيناريو مازال مستبعدًا في ظل التأييد الدولي والإقليمي الجارف لوتارا ووجود رغبة في طي صفحة (غباغبو) باعتبار أن سياساته التي عملت بقوة على تهميش الأغلبية المسلمة في شمال البلاد التي يتجاوز نسبتها 60% من عدد السكان البالغ 20 مليونًا، وهو وضع لن تقبل به هذه الأغلبية المصممة على استعادة حقوقها التي نهبت خلال العقود الثلاثة الماضية للحصول على الاستقلال والتصدي لمخططات التهميش في صفوفها انطلاقًا من يقين الأغلبية أن عقارب الساعة لن تعود للوراء مرة أخرى وأن صفحة غباغبو قد طويت للأبد.
مقاومة شديدة
ورغد ذلك لا يستبعد أبو العينين عدم تسليم (غباغبو) ومؤيديه السلطة وخوضهم صراعًا شرسًا للاحتفاظ بالسلطة بأي شكل من الأشكال في ظل عدم اكتراثهم حتى الآن بالضغوط الدولية ولا بالعقوبات التي هدد الاتحاد الأوروبي بفرضها على ساحل العاج، وهو ما يشير إلى احتمال خوض الطرفين معارك عسكرية شرسة للوصول للسلطة.
ولفت إلى أن دور القوى الدولية سيكون مؤثرًا في حسم الصراع وفي مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والبلدان المجاورة، فالأخيرة تضررت اقتصاديًا تضرراً كبيراً من عدم استقرار البلاد مما يجعلها تشدد الضغوط على (غباغبو) فيما يعول البعض على توافق فرنسي أمريكي يفضل إبعاد غباغبو وتشكيل حكومة وحدة وطنية قد يؤدي فيها أنصار الحاكم السابق دورًا مهمًا.
شبح التقسيم
وتعود صعوبة الموقف في البلاد المقسمة إلى تباين مواقف كل من (غباغبو) ووتارا، فالطرفان بينهما خلافات سياسية وعقائدية وثقافية شديدة تحول دون وجود أي نوع من التوافق، فالأول معروف بنزعته العنصرية ضد مسلمي ساحل العاج ويرغب في إبعادهم عن مؤسسات القرار، فيما يحاول وتارا نفض غبار عصور الظلم والتهميش التي عانى منها المسلمون طويلاً والاستفادة من نجاحه طوال السنوات الماضية في بناء مؤسسات اقتصادية وتنموية وتعليمية وصحية في المناطق الشمالية أسهمت في تحسين أوضاع المسلمين الاقتصادية بعد أن حرموا لعقود من جميع المشاريع التنموية.
ولعل هذا التباين ما يفسر تمسك كل طرف بموقفه وعدم قبوله بتقديم أي تنازلات وهو ما يشير إلى أن التوافق الفرنسي الأمريكي سيكون القرار الحاسم لتجديد هوية الرئيس القادم للبلاد ومنع خطر التقسيم الفعلي من الاقتراب.
ففرنسا التي تحتفظ بأكثر من 5 آلاف جندي وقاعدة عسكرية كبيرة في هذه المنطقة الإستراتيجية راغبة في حل يعيد الاستقرار ويحتفظ لأنصارها من عرّابي الفرانكفونية بجزء من كعكة الحكم، فيما تسعى واشنطن لإيجاد تركيبة سياسية جديدة في البلاد قد تدعم مخططاتها لتعزيز وجودها في الساحة العاجية خصمًا من رصيد المستعمر السابق للبلاد.
توافق
ورغم هذا الخلاف إلا أن د. السعيد البدوي أستاذ الدراسات الأفريقية يرى أن فرنسا والولايات المتحدة هما من سيحددان حاكم ساحل العاج وشكل التركيبة السياسية في البلاد، وهي تركيبة ستعكس الأوضاع الجديدة وستكرس من صعود مسلمي الشمال بوصفهم لاعباً مؤثراً في البلاد، وهو أمر يتوافق مع الرغبة الأمريكية في تضييق مساحة نفوذ المقربين من فرنسا.
ويضيف أن (غباغبو) لن يستطيع بكل الأحوال الاحتفاظ بالسلطة بل قد تسعى دول الجوار وكل من فرنسا والولايات المتحدة إلى تكثيف اتصالاتها بالفريق الموالي له وإعطائه ضمانات بأدائهم دورًا مهمًا في تحديد مستقبل البلاد مقابل التخلي عن غباغبو وهو سيناريو قابل للتطبيق.
ويرى أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة أن تحالف المعارضة بقيادة وتارا قد تحول إلى اللاعب الأساسي في الساحة العاجية بحيث لا يمكن استبعاده من أي صفقة، بل إنه سيكون فرس الرهان في هذه الصفقة بحيث يعيد رسم خريطة طريق جديدة لمستقبل السلطة في البلاد.
لاتوجد تعليقات