مستقـــبل الحركات الإسلامية والدعوة السلفيـة في مصر بعد ثورة 25 يناير (1)
مرَّت الحركات الإسلامية عمومًا عبر تاريخها الطويل بأحداث فاصلة أثَّرت تأثيرًا مباشرًا على مسار تلك الحركات، وأحدثت تحولات جذرية على الصعيدين الداخلي والخارجي لها، وإن كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أهم هذه الأحداث التي أثَّرت تأثيرًا مباشرًا وسلبيًا على مسارها، فإنَّ ما تشهده منطقتنا العربيَّة من أحداث وثورات وحراك شعبي كان نتيجته الإطاحة ببعض الأنظمة، وتعد الثورات من أهم الأحداث التي أثَّرت تأثيراً إيجابياً على مسار الحركات الإسلاميَّة – وإن لم تظهر نتائجها بعد – إلا أنَّها وضعتها على مشارف مرحلة تاريخية جديدة بعد سنوات من القهر والتضييق والمعاناة.
ولقد أحدثت هذه الثورات انقلابًا في كافة موازين القوى في المنطقة، وجعلت الكثيرين يعيدون حساباتهم ونظرتهم إلى الحركات الإسلاميَّة وعلى رأسهم الدول «الاستعماريَّة» التي وجدت أنَّ مخططاتها الرامية لإضعاف تلك الحركات أو القضاء عليها تفشل فشلاً ذريعًا أمام أعينها.
وإنْ عاشت تلك الحركات محنةً عظيمة في ظل الأنظمة المستبدة والظالمة، فالمحنة التي تنتظرها بعد زوال تلك الأنظمة أعظم؛ نظرًا للمسؤولية الملقاة على عاتقها من قبل الشعوب التي ملَّت تلك الأنظمة التي استعبدتها سنوات طوالا.
ويتساءل الكثيرون عن مستقبل الحركات الإسلاميَّة ولاسيما بعد ثورة 25 يناير؟
فتجد منهم من يتفاءل بمستقبل مشرق في ظل عهدٍ جديد من الحريات.
وتجد آخرين يرون أن المستقبل سيكون منفتحًا إلى حدٍّ ما في ظل الزخم المتزايد على ساحات العمل السياسي وبالأخص في ظل حرية إنشاء الأحزاب.
وآراء أخرى ترى أنَّ مستقبل الحركات الإسلاميَّة موقوف على مدى فاعلية دورها في الحياة السياسية في المرحلة المقبلة، وكيفية تعاملها مع الفصائل السياسية التي تختلف معها في الأفكار والتوجهات والمعتقدات.
ولا شكَّ أنَّ هناك جهوداً كبيرة تُبذل لاستشراف مستقبل هذه الحركات في المرحلة المقبلة؛ حيث كتب العديد من الكُتَّاب في هذا الشأن، وعُقدت العديد من المؤتمرات سواء من المتربصين بتلك الحركات، أم من المنصفين والمهتمين بالشأن العام الذين يُحللون الأحداث بحيادية بُغْية الوصول إلى الحق، أو من المهتمين بالعمل الإسلامي.
استشراف المستقبل
ومن الأهميَّة بمكان أن يكون لدى قيادات العمل الإسلامي القدرة على استشراف المستقبل، والتنبؤ بجميع السيناريوهات المحتملة والاستعداد لكافة هذه السيناريوهات، وحتى لا ندع غيرنا يخطط لنا ويفرض رؤيته وأجندته الخاصة علينا، ويتم توجيه الرأي العام بناء على تلك الرؤية التي في الغالب تسعى لتشويه صورة العمل الإسلامي وصدّ الناس عنه.
ومن هذه المحاولات التي تحاول تشويه صورة الحركات الإسلاميَّة على سبيل المثال لا الحصر: المحاضرة التي عقدها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية بأبو ظبي واستضاف فيها الدكتور طارق رمضان، أستاذ الدراسات الإسلاميَّة المعاصرة في «كلية سانت أنتوني» بـجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وكانت تحت عنوان: (مستقبل الإسلام السياسي في العالم العربي ).
انفجارات داخلية ورؤى مختلفة
وكان مما ذكر: «أن الجماعات الإسلاميَّة في مصر وتونس مثلاً سرعان ما بدأت تعاني أزمات وانفجارات داخلية ورؤى مختلفة عمّا اعتادته، ولاسيما بعد نجاح المتظاهرين الذين يمثلون اتجاهات فكرية وسياسية ودينية مختلفة؛ حيث لم يعد بإمكان الخطاب السياسي الديني التقليدي المطالبة بسلطة الدولة الدينية، وراحت هذه الجماعات تشهد الانقسام تلو الانقسام، بسبب الاصطدام بخطاب الأغلبية السياسي الذي يدعو إلى رفض الدولة الدينية ويدعو إلى الدولة المدنية والعلمانية وسيادة القانون وحقوق الإنسان».
واستطرد قائلاً في هذا الصدد: « إنَّ الجماعات الإسلاميَّة اليوم لا تمتلك مشروعاً موحداً، ولا تمتلك برنامجاً للتنمية كما هو مطلوب اليوم».
وهذا استطلاع للرأي أجراه المعهد الدولي للسلام ومقره نيويورك بمناسبة قرب الانتخابات التشريعية ثم الرئاسية في مصر، بيّن أنَّ شعبية القيادي أيمن الظواهري الذي عُيِّن على رأس تنظيم القاعدة تصل إلى 11%، متجاوزاً شعبية المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري المصري ومحمد البرادعي وأيمن نور بل شعبية أوباما، ولا شك أن في هذا إشارة خبيثة إلى انتشار الفكر المتشدد في المجتمع المصري.
كذلك نظَّمت وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية محاضرة عن الإسلام السياسي ومستقبل خريطة الحركات الإسلاميَّة في مصر؛ حيث تناولت دور الحركات الإسلاميَّة الذي يثير – من وجهة نظرهم - الكثير من الإشكاليات السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر قبل الثورة وبعدها.
وأشار المؤتمرون إلى أنَّ انفتاح المجتمع وإطلاق الحريات بعد ثورة 25 يناير، أعطيا الفرصة للحركات الإسلاميَّة أن تتحرك بتوسع شديد في العلن وتصرح ببرامج وأفكار من شأنها تغيير المشهد العام في مصر، وتوليد تداعيات كثيرة على مستوى البنية السياسية والاجتماعية في مصر، وهو ما يثير كثيرا من الأسئلة حول طبيعة هذه الحركات وأفكارها وبنيتها التنظيمية وبرامجها، وكان على رأس هذه التساؤلات: ما الإسلام السياسي؟ وما مستقبل هذه الحركات الإسلاميَّة في مصر بعد الثورة؟
وفي تصريح لجريدة الشرق الأوسط حذَّرت داليا زيادة، مديرة مكتب شمال أفريقيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي الأميركي، إحدى المنظمات الأميركية الحقوقية، ولها فروع في كل من العراق ومصر وتونس قائلةً: «إنَّ هناك قلقاً أميركياً حالياً تجاه تصاعد التيارات الدينية في مصر بعد ثورة 25 يناير، وإنَّ الإدارة الأميركية تُفضِّل دعم حكم عسكري في مصر للوقاية من وصول الإسلاميين إلى الحكم، ويحترم حقوق الإنسان».
وتابعت: « إنَّ صعود الإسلاميين لا يثير فقط مخاوف الأميركيين، ولكنه أيضًا يثير الخوف عند الكثير من المصريين – على حد زعمها - لأن المصريين متدينون وملتزمون بطبعهم، لكنهم ليسوا متشددين، وأظن أن مصر لو سقطت في يد التيار المتشدد فسنخسر جميعاً إلى الأبد».
الإسلام عنوانه الاستسلام لله
وعلى الجانب الآخر نظَّم مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية قبل فترة ندوة تحت عنوان: « الحركات الإسلاميَّة والدولة في مصر»، شارك فيها المتحدث باسم الدعوة السلفية الشيخ عبد المنعم الشحات وكان مما قال: « إن الإسلام عنوانه الاستسلام لله، فالمسلم مكلف بقبول الأحكام الإلهية، مثل: «من رأى منكم منكرا وجب عليه تغييره»، مضيفا أن مصطلح السياسة لا يكاد تستغني عنه البشرية، فلا يوجد مجتمع دون سياسي»، لافتاً إلى أن أبرز معالم الدولة في الإسلام الفصل بين السلطات، موضحاً أنَّ الفرق الجوهري بين الدولة الحديثة في النظام الغربي وبين الدولة في النظام الإسلامي هو التشريع وكيف تقام دولة تتفق مع الشكل العام.
وقال أيضًا: «إنَّ سلطة التشريع عليا مطلقة لا تتبدل، مضيفًا أنَّ الشورى الإسلاميَّة تحقق مجتمعاً قوياً ودولة قوية، لكن آليات الشورى الإسلاميَّة تختلف عن آليات الديمقراطية؛ مشيرًا إلى أن هناك توافقا عامًا لدى الحركة الإسلاميَّة، على أن المجلس التشريعي لا يخالف الشريعة الإسلاميَّة وما نرغب فيه أن ننهض بمصر».
وتحت عنوان مستقبل الحركة الإسلاميَّة بعد الثورتين التونسية والمصرية أكد الداعية الإسلامي المغربي الدكتور سعد الدين العثماني: «أنَّ الثورة في مصر وتونس بالطريقة السلمية التي نهجتها أسقطت فزَّاعة الإسلاميين، مبرزًا أنَّ ما سماه السلوك الراشد للحركة الإسلاميَّة في البلدين معًا أفضى بشكل حاسم إلى تفويت الفرص على بعض الجهات التي كانت تحذر من الخطر الإسلامي».
وأفاد العثماني أيضاً بأن «حصر دور الحركات الإسلاميَّة في المشاركة السياسية أو عدمها ظلم كبير لمشروعها»، وقال «إنها نظرة غير واقعية إلى حاجات الأمَّة اليوم التي تحتاج إلى بناء مجتمع قوي وناهض في إطار هدي الدين».
نخلص من ذلك كله إلى أنَّ هناك جدلا واضحا واهتماما بالغا حول مستقبل الحركات الإسلاميَّة بعد ثورات الربيع العربي، ولاسيما في مصر التي تأخذ الحيِّز الأكبر من هذا الجدل كونها من أكبر الحركات الموجودة على الساحة وأكثرها عددًا وتنوعًا وعلى رأسها بالطبع الدعوة السلفية المباركة.
ولكي نفهم مستقبل الحركات الإسلاميَّة في مصر، لابد لنا من استقراء الماضي والاستفادة من تجاربه حتى يكون لدينا القدرة على استشراف المستقبل بدقة ووضوح؛ فمنذ نشوء الحركات الإسلاميَّة في مصر وهي تمثل تحديًا كبيرًا للسلطة الحاكمة منذ عهد الملك فاروق نظرًا لمنظومة المصالح الشخصية المحلية والإقليمية والدولية، وتعاملت معها السلطة الحاكمة - وبدعم من الغرب والشرق - وكأنَّها جزء شاذ وغريب عن جسد الأمَّة، فكانت السجون والمعتقلات والتعذيب والقتل فضلاً عن مصادرة الأموال والممتلكات، والوثائق والشواهد أكثر من أن تُحصى.
ولم تشهد العلاقة بين الحركات الإسلاميَّة والسلطة الحاكمة أي نوع من الوفاق أو التقارب إلا في فترات بسيطة كان المتحكم فيها والممسك بأطرافها السلطة الحاكمة، وكانت بغرض توظيف هذه الحركات لتحقيق أهداف ومصالح معينة، أو بغرض إحداث نوع من التوازن بين القوى الفكرية والثقافية في المجتمع، ثم لا تلبث تلك السلطة أن تنقلب على تلك الحركات بعد تحقيق مصالحها وأهدافها، ومن الدلائل على ذلك ما يلي:
ما حدث في علاقة الإخوان بجمال عبد الناصر الذي استخدم معهم أقسى أشكال القمع بمعناه الشامل وكان الغرض اجتثاث جذور هذه الجماعة.
إستراتيجية الدولة تجاه الحركات الإسلاميَّة
ومع وفاة عبد الناصر ومجيء السادات انقلبت إستراتيجية الدولة تجاه الحركات الإسلاميَّة بعد أن تنوعت مشاربها وظهرت مسميات جديدة لها وعلى رأسها جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، والدعوة السلفية المباركة، فسعت السلطة إلى توظيفها سياسياً لمحاصرة الاتجاهات اليسارية والشيوعية التي كانت تمثل تحدياً كبيراً للدولة في هذا الوقت، ففتحت لهم السجون وأخرجتهم من المعتقلات وأطلقت أيديهم وأعطتهم الفرصة ليتحركوا كيفما شاؤوا، ثم ما لبثت السلطة أن انقلبت عليهم بعد تحقيق أهدافها مما اضطر فئة منهم - أخطأت الفهم وتعجَّلت الأمور- إلى تصفية السادات واغتياله.
وما حدث أيضًا في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي شهد عصره أشد أنواع القمع والتنكيل بأبناء الحركات الإسلاميَّة؛ حيث سعى هذا النظام أيضًا بالتعاون مع بعض القوى الدولية والإقليمية إلى توظيف أبناء هذه الحركات لتحقيق أغراضهم ولاسيما في محاصرة الاتحاد السوفييتي والإجهاز عليه عبر توريطه في أفغانستان، فسمح لهم بالذهاب إلى الجهاد في أفغانستان، ثم ما لبث هذا النظام أن رمى بهم في السجون والمعتقلات بعد تحقيق هذا الهدف فيما عرف بقضية (العائدون من أفغانستان).
وبعد هذه السنوات العجاف والعقود الطويلة من آلام المخاض، كان قدر الله الغالب وكانت ثورة 25 يناير التي أدهشت الدنيا بل أدهشت من قاموا بها؛ نجحت الثورة وتغيَّر المشهد المصري العام بكل مكوناته وفي مقدمته الخريطة السياسية حين سقطت كيانات طالما مثلت عبئاً ثقيلاً على الشعب المصري، وظهرت كيانات أخرى ذات قيمة سياسية واجتماعية كان في مقدمتها بالطبع الدعوة السلفيَّة المباركة التي تصدرت المشهد، وفاجأت المراقبين في الداخل والخارج بأنها الحركة الأكثر وجوداً والأكثر تأثيراً في الشارع المصري.
في ظل هذا المشهد الذي لم تتضح معالمه بعد، كان الجدل السابق الذي تحدثنا عنه في مقدمة المقال عن مستقبل الحركات الإسلاميَّة في ظل هذا المناخ الذي يموج باضطرابات وتوابع قد تكون أشد خطورة من توابع الزلازل وهزاتها الارتدادية. وللحديث بقية إن شاء الله.
لاتوجد تعليقات