رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 2 أبريل، 2017 0 تعليق

محبطات الأعمال

كان السلف -رضوان الله عليهم- مع زهدهم وعبادتهم وعلمهم بسعة رحمة اللَّه يخافون ألا يتقبل منهم، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}(المؤمنون: 60)، وعند البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «هم الذين يصومون ويتصدقون ويخشون ألا يتقبل منهم». والمرويات عن السلف في ذلك كثيرة؛ مما يدل على إخلاصهم وخوفهم من اللَّه -تعالى-؛ لذلك كان من الأمور الخطيرة التي ينبغي التنبه لها مسألتان: مسألة ردّ العمل، ومسألة حبوط الأعمال، وهذه المسألة بيّن اللَّه -تعالى- خطرها وعظم شأنها وضرب لذلك مثلاً فقال -تعالى-: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}(البقرة: 266)، وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير -رحمه اللَّه- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ضرب اللَّه مثلاً لعمل، قيل أي عمل؟ قال: لعمل رجل كان يعمل بطاعة اللَّه ثم أحرق الشيطان عليه عمله.

وهنا أذكر بعض الأسباب المؤدية إلى حبوط العمل، عسى اللَّه -تعالى- أن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا.

الشرك بالله -تعالى

الشرك بالله -تعالى- هو الداء العضال والمرض القاتل لا محالة إلا أن يتوب صاحبه، ومن تاب، تاب اللَّه عليه، قال -تعالى-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين}(الزمر: 65).

وقال -تعالى- عن أنبيائه والصفوة من خلقه: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(الأنعام: 88)، وقال -تعالى-: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ}(التوبة: 17).

     إن من سنن اللَّه -تعالى- التي لا تتغير أن اللَّه لا يقبل من عباده عملا إلا أن يأتوا بالتوحيد الذي هو حق اللَّه على العبيد، فقد روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم  عن عبد اللَّه بن جدعان وكان رجلاً مشركًا مات في الجاهلية يطعم الطعام وينصر المظلوم وله من أعمال البر الكثير، فقال صلى الله عليه وسلم : «ما نفعه ذلك، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».

الردة عن دين الإسلام

قال -تعالى-: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(البقرة: 217)، وقال -تعالى-: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(المائدة: 5).

الرياء

     الرياء  مثل أن يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الناس إليه. أو يريد بعمله الحياة الدنيا وهو شر أنواع الرياء، قال -تعالى-: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(هود: 15-16).

انتهاك محارم الله في الخلوة

     فعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «ليأتين أقوام من أمتي يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها اللَّه هباءً منثورًا، فقالوا: صفهم لنا يا رسول اللَّه نخشى أن نكون منهم؟ فقال: هم منكم يصلون كما تصلون ويصومون كما تصومون ويأخذون من الليل ما تأخذون، غير أنهم إذا خلوا بمحارم اللَّه انتهكوها».

المن بالعمل الصالح

قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}(البقرة: 264).

رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم 

     فقد عدّ العلماء رفع الصوت عليه بعد وفاته كرفعه في حياته قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ}(الحجرات: 2)، قال القرطبي: هذا في حال حياته وبعد مماته؛ لأنه محترم حيًا وميتًا صلى الله عليه وسلم ، فقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}(الحجرات: 3)؛ فعبر بغض الصوت مع أن الغض للبصر، وهذا أعلى مراتب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التألي على الله

روى مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان قد غفرت لفلان وأحبطت عملك».

كراهية شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم 

ومن محبطات الأعمال كراهية شيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم  وإن عمل به، قال -تعالى-: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}(محمد9).

     فكراهية شيء من شرع الله -تعالى- وهدي نبيه الأمين محبط للعمل، كالذي يعتقد أن الشرع لا يصلح في هذه الأزمنة ويرونه جمودًا ورجعية، أو يقول عن حُكْم حَكَم الله به ورسوله: لو كان على هيئة كذا لكان أفضل. أسأل اللَّه -تعالى- أن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا، ونسأله التوفيق والرشاد، إنه على كل شيء قدير. 

 

أهمية تزكية النفس للإنسان

      خلق الله -سبحانه وتعالى- الإنسان مؤلفاً من ثلاثة عناصر، هي: العقل والبدن والروح، وأشرف هذه العناصر هي الروح وأشدها خطراً؛ لأنها عنصر الإحسان الذي لا يكمل إيمان المسلم إلا به، وعنصر الإحسان إنما يتعلق بتزكية النفوس؛ لذلك فالتزكية مهمة للإنسان من أوجه عدة:

-أن الله -عز وجل- وهو الحق وقوله الصدق – أقسم في كتابه أحد عشر قسماً على فلاح من زكى نفسه وعلى خسران من أهمل ذلك، قال -تعالى-: {والشمس وضحاها..}.

-أن النفس من أشد أعداء الإنسان الداخليين؛ لأنها تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، وسائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانبها؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرها كثيراً، كما في خطبة الحاجة، وكما في حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: «فألهمها فجورها وتقواها»، فقال: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها»، وفي المسند والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم علم حصين بن عبيد أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي». 

قال ابن القيم -رحمه الله-: وقد اتفق السالكون على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه -سبحانه- ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها والظفر بها.
قال بعض العارفين : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم.

أن التزكية طريق الجنة، قال الله -تعالى-: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}؛ فهي إذاً شرط لدخول الجنة.

- أن الإنسان محب للكمال؛ فينبغي لـه أن يعمل على إكمال نفسه بتزكيتها وتربيتها؛ فهذه النفس تصاب بالأعراض التي تصاب بها الأبدان، فهي محتاجة إلى تغذية دائمة ومحتاجة إلى رعاية، ومحتاجة كذلك إلى متابعة للازدياد من الخير كما يزداد البدن من الطاقات والمعارف؛ فلذلك احتاج الإنسان إلى أن يراقب تطورات نفسه، ويعلم أنها وعاء إيمانه، وأهم ما عنده هو هذا الإيمان، فإذا سلبه فلا فائدة في حياته، فلابد من العمل على تنمية هذا الإيمان وزيادته عن طريق تزكية هذه النفس وتهذيبها، يقول سيد قطب -رحمه الله: إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد مزدوج الاتجاه، بمعنى أنه في طبيعة تكوينه: من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، وهو لذلك مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى أيهما أراد، وهذه قدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها...}، ويعبر عنها بالهداية تارة {وهديناه النجدين}، وإلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في الإنسان ذاته هي التي تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعدادات الخير فيها وتغليبها على استعدادات الشر فقد أفلح، ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك