رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي 24 فبراير، 2026 0 تعليق

محاضرات منتدى  تراث الرمضاني السادس ..المحاضرة  – 1 – الأسرة في القرآن والسُنَّة

  • الزواج ليس مجرد نظام اجتماعي بل هو آية من آيات الله وسنّة مطَّردة في الكون كلّه به يتحقق السَّكن والمودّة والرحمة وبه يستمرّ النسل وتُحفَظ الفطرة
  • الإسلام لم يُهمِل الغريزة ولم يُطلقها بلا ضابط بل نظّمها بالزواج الشرعي القائم على الرضا والإشهاد والميثاق الغليظ صونًا للكرامة وحفظًا للأنساب
  • الأسرة هي الأساس الحقيقي للمجتمع في التصوّر الإسلامي فهي اللَّبِنة الأولى التي يُبنى عليها تماسك الأمة أو ضعفها
  • البيت المسلم هو المدرسة الأولى للعقيدة والعبادة والأخلاق ومنه تنطلق الدعوة وبه تتكون شخصية الفرد إيمانيًّا وسلوكيًّا
  • الزوجة الصالحة والبيت الصالح من أعظم أسباب السعادة في الدنيا والزواج الصحيح يحقق الاستقرار النفسي ويُشيع المودّة داخل الأسرة
  • العلاقة الزوجية في الإسلام ذات بُعد تعبّدي يُثاب عليها الإنسان إذا قصد بها العفاف والطاعة وهي عونٌ على حفظ الدين
  • قيام الأسرة لا يتمّ إلا على العدل وحسن المعاشرة وأداء الحقوق المتبادلة بين الزوجين والآباء والأبناء في إطار الميثاق الغليظ
  • شدّد الإسلام في تحريم الزنا ومقدّماته وأغلق الذرائع المؤدية إليه حمايةً لبنية الأسرة من التفكك والانهيار
 

لم يَرِدْ لفظ الأسرة صريحًا في القرآن الكريم، إلا أنّ معناه حاضرٌ في ثنايا آياته؛ إذ عبَّر عنه الوحي بألفاظٍ متعددةٍ تُجسِّد هذا الكيان الدافئ، فجاء بلفظ أهل البيت، كما في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33)، وجاء بذكر الزوج والزوجة، والأب والأم، والوالدين، والأقارب، وكلّها مفرداتٌ تنسج في مجموعها صورة الأسرة كما أرادها الله: رابطةَ سكنٍ، وموطنَ رحمة، ومهدَ تربيةٍ وإيمان، فالأسرة في التصوّر الإسلامي ليست تجمُّعًا بشريًّا عابرًا، وإنما هي بناءٌ مقصودٌ تقوم دعائمه على عقدٍ شرعيٍّ وميثاق غليظ بين زوجٍ وزوجة، وتزدان ثماره بالأولاد؛ لتغدو نواةَ المجتمع الأولى، ومصدرَ توازنه، ومنبعَ قيمه، وحصنَه الحصين في وجه عوامل التفكك والانهيار.

       وقد أوْلى القرآن الكريم اهتمامًا كبيرًا للأسرة؛ كونها اللبنة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، فإنْ كانت قويةً متماسكة كان المجتمع قويّاً متماسكًا، وإنْ كانت هشّة كان المجتمع هشّاً ضعيفاً، ولم يترك القرآن مجالاً من مجالات الأسرة إلّا وذكرها وأوضحها، ووضع أسسها وقواعدها، وهي على النحو الآتي:

١- الأسرة أساسُ المجتمع

       نظر الإسلام للأسرة على أنّها أساسُ المجتمع، وهي اللَّبِنة الأولى والخليَّة الأولى، وليس الفرد هو أساس المُجتمع، قال الله -سبحانه-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} (النحل: 72).

 ٢- الأسرة والزواج نعمة عظيمة

       الأسرة والزواج منْ منن الله -تعالى- ونعمه العظيمة على عباده، قال -تعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)؛ بل الزوجية سُنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي عامّة مطَّردة لا يشذُّ عنها عالَم، سواء في الإنسان، أو عالم الحيوان، أو عالم النبات، قال -تعالى-: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات: 49)، وقال: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} (يس: 36)، فالزواج لا يتعارض مع الفطرة البشرية، بخلاف الزّنا والشذوذ الجنسي، وبخلاف الدّعوات الإلْحادية التخريبية الهدَّامة، التي تجعل الأسرة مِنَ الجنس المتماثل: كرجلٍ ورجل! وامرأة وامرأة!

 ٣- الزواج سنة كونية

       الزواج هو الأسلوب الذي اختاره الله للتوالد والتكاثر، واسْتمرار الحياة، بعد أن أعدَّ كِلَا الزوجينِ، وهيَّأهما؛ بحيث يكون كل منهما نبعا إيجابيا في تحقيق هذه الغاية: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1).

٤- الزواج هو الطريق السليم لإشباع الغريزة

        أشبع الإسْلام الغريزة الطبيعية بالطريق السّليم، وحفِظ النّسل عن الضّياع، وصان المرأة عن أنْ تكون كلأً مباحاً لكلّ راتع، فلم يشَأ الله -سبحانه- أن يجعلَ الإنسان كغيره من العوالِم، فيَدَع غرائزه تنطلق دون وعي، ويترك اتصال الذكر بالأنثى فوضى لا ضابط له، بل وضع النظام الملائم لفطرته، الذي من شأنه أن يحفظ شرفه، ويصون كرامته، فجعل اتِّصال الرجل بالمرأة كريمًا مبنيًّا على رضاهما، على إيجابٍ وقَبول، وعلى إشهادٍ، على أن كلًّا منهما قد أصبح للآخر.

 خامسًا: الأسرة المَحضن الأول للإيمان

         فمنها بدأتْ دعوة الإسلام الأولى، وبها قامت دولة الإسْلام الأولى؛ فأول مَن آمنَ من النساء خديجة -رضي الله عنها- زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فهي أول أسْرة في الإسلام، وأول محضن لهذه الدّعوة، وقد جاءت الآيات تأمر بوجُوب حثّ الأهل والولد على الصّلاة، والصبر عليها، وتضمن الرزق من الله، مؤكدة أن العاقبة الحسنة للمتقين، قال -تعالى-: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه: 132)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6).

٦-الزواج مِنْ سُنن الأنبياء والمُرسلين

        رغَّب الإسلام في الزّواج، وجعله مِنْ سُنن الأنبياء والمُرسلين، كما قال -سبحانه-: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} (الرعد: 38)، وقال -تعالى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام: 90)، وقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حُبِّب إليَّ مِنَ الدُّنيا: النّسَاء، والطِّيب، وجُعل قُرَّة عَيْني في الصَّلاة»، رواه أحمد، والزّواج امتثالٌ لأمر النّبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «يا مَعْشرَ الشّباب، مَنْ استطاع منْكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنّه أغضُّ للبَصَر، وأحْصَنُ للفَرْج، ومَن لم يستطعْ؛ فعليه بالصَّوم، فإنّه له وِجاء». متفق عليه.

٧- الزّواج مِنْ أسْبابِ السّعادة

        الزّواج مِنْ أسْبابِ السّعادة والراحة النفسيّة: فقد روى عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها: الزَّوْجةُ الصّالِحة». رواه مسلم، فالزوجة الصالحة فيضٌ مِنَ السّعادة يغمر البيت، ويملؤه سُرورًا وبهجة وإشراقًا، وعن سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ سَعادة ابنِ آدم ثلاثة، ومِنْ شقاوة ابن آدم ثلاثة؛ مِنْ سعادة ابن آدم: المَرْأةُ الصّالحة، والمَسْكن الصّالح، والمَرْكب الصّالح، ومِنْ شقاوة ابن آدم: المَرأة السُّوء، والمَسْكن السُّوء، والمَرْكب السُّوء». رواه أحمد بسند صحيح، والبزار، والحاكم، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما استفادَ المُؤمِنُ بعد تقوى الله -عز وجل- خيراً مِنْ زَوجةٍ صَالحة، إنْ أمرها أطاعَتْه، وإنْ نَظَر إليها سرَّته، وإنْ أقْسَمَ عليها أبرَّته، وإنْ غَابَ عنها نصحَتْه في نفسها وماله». رواه ابن ماجة.

٨- الزّواج عبادةٌ

       الزّواج عبادةٌ يستكملُ الإنسانُ بها نصفَ دينه، ويلقى بها ربَّه على أحْسَن حال، مِنَ الطُّهر والنّقاء؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ رَزَقه اللهُ امْرأةً صَالحة، فقد أعَانَه على شَطْر دينِه، فليتَّقِ الله في الشَّطْر الباقي»، رواه الطبراني والحاكم، قال ابن مسعود: «لو لم يبقَ مِن أجَلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها، ولي طَوْلُ النكاح فيهن، لتزوجت مخافةَ الفتنة».

 ٩- الرهبانية ليست من الإسلام

        ثبت النّهيُ عن التبتُّل للقادر على الزّواج؛ وإنّ الرهبانية ليست من الإسلام في شيء، ومن ذلك قول الله -تعالى- ذامّاً النصارى: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} (الحديد: 27)، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «إيّاكم والغُلو في الدّين! فإنّما هَلَكَ مَنْ كان قبلكم؛ بالغُلوّ في الدّين» رواه أحمد، وعن ابن عباس أنّ رجُلاً شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العُزوبة، فقال: ألا أخْتَصِي؟ فقال: «ليس منّا مَنْ خَصِيَ، أو اخْتَصى». الطبراني، وقال سعد بن أبي وقاص: ردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عثمان بن مظعون التبتُّل، ولو أذِن له لاختَصَينا». رواه البخاري، قال الطبري: «التَّبَتّل الذي أراده عُثْمان بن مظعون: تحريمُ النّساء والطِّيب، وكلّ ما يتلذَّذ به، فلهذا أُنزِل في حقّه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (المائدة: 87). وفي حديث النّفر الثلاثة: «، قال أحدهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنّي أصُومُ وأفطر، وأصَلّي وأرقد، وأتزوجُ النِّساء، فمَنْ رَغِبَ عن سُنّتي فليس مني»، ولذا قال العلماء: الإعْرَاض عن الزّواج، سببه عَجْزٌ أو فُجُور؛ ويُنقل عن عمر - رضي الله عنه -؛ فالإعراض عن الزواج، يُفوِّت على الإنسان كثيراً مِنَ المَنَافع والمزايا.

 ١٠- الأسرة حقوق وواجبات

       أكَّد الإسْلام أنّ للأسْرة حُقُوقاً وواجبات لجَميع أفْرَادها، حقوقاً للزوج على زوجته، وللزّوجة على زَوْجها، والأبناء على الآباء والأمّهات، والآباء والأمهات على الأبناء، قال -تعالى-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19)، وقال -سبحانه-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 228)، وقال عزوجل: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء: 34)، قال -تعالى-: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21).

 ١١- الإسلام حمى الأسرة بسياج متين

       أحاط الإسْلام الأسرةَ بسياجٍ مَتين مِنَ الأخْلاق، ووضَع العقوباتِ المناسبة لمن تُسوِّل له نفسُه المساس بهذه الأخلاق الإسلامية؛ فحرَّم الاختلاط ونهَى عن أسبابه، وحَرّم الزّنا، ووضَع العقوبات الزاجرة عنه، وحرّم القذف، واللّواط والسّحاق، وجميع الأسباب المؤدِّية لذلك، والنُّصُوص القرآنيَّة واضحة في تشديد العقوبة في ذلك؛ للمُحافظة على بناء الأسرة، فقال -تعالى-: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فاجلدوا كلّ واحدٍ منهما مائة جلدة} (النور: 2)، وقال -سبحانه-: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} (الإسراء: 32)، وقال -[-: «يا أمَّةَ محمّد، ما أحدٌ أغْيرُ مِنَ الله، أنْ يَرَى عبده أو أَمَتَه تزني»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدْتُموه يَعملُ عملَ قَومِ لُوط؛ فاقْتُلوا الفاعلَ والمفعول به». رواه أحمد وأصحاب السنن، ولمّا حرَّم الزنا؛ حرَّم ذرائعه، وأغلق الأبواب المُفضِية إليه: فمنع الاختلاط بين الجنسين، وألزم بغضِّ البصر، وألزم المرأة الحشمةَ في لباسها، ومنع الخلوة بين المرأة والرجل الأجنبي.

 ١٢- تأكيد الإسلام على حُقُوق الأولاد

        أكد الإسلام على حُقُوق الأولاد من الرعاية والعناية؛ من قبلِ الزواج إلى ما بعد الزواج إلى الولادة، إلى أنْ يخرج هذا الوليد إلى المُجْتمع، إلى أنّ يكتفي بنفسِه عبر الأسُس الآتية: (اختيار الزوجة الصّالحة والزوج الصالح، والاقتداء بالسنة النبوية في آداب الجِماع، والاقتداء بالسنة النبوية عند الولادة من التّسْمية، والأذان، والعقيقة، واختيار المربِّية الصالحة، والعدل بين الأولاد في العَطية والمعاملة، والتربية الصالحة تبدأ بتعليم القرآن، والتفرقة في المضاجع، وأمرهم بالصلاة...، إلخ، والحرص على الصُّحْبة الصالحة في المدرسة والشارع والحَيّ، عن طريق المراقبة لهم والتوجيه).

 ١٣- الزواج علاجٌ لمشكلة المُطلَّقات والعوانس والأرامل

        الزواج علاجٌ لمشكلة المُطلَّقات والعوانس والأرامل؛ وهي في زيادة مستمرة وَفْق الإحصائيات المُعلَنة، ففي ظلِّ التزايد الملحوظ في أعداد المُطلَّقاتِ والعوانسِ والأراملِ - كما تُظهره الإحصاءات المُعلَنة - تبرز الحاجةُ إلى معالجةٍ جادَّةٍ تتجاوز النظرةَ السطحيةَ أو الحلولَ المؤقّتة؛ ويأتي الزواجُ في مقدّمة السُّبل المشروعة التي تُسهم في إعادة بناء الاستقرار النفسيِّ والاجتماعيِّ لهذه الفئات، إذ يوفِّر لهنَّ السَّكَنَ والمودَّةَ، ويُعيد إدماجهنَّ في دورة الحياة الأسريّة بصورةٍ تحفظ الكرامةَ وتُعزِّز الشعورَ بالأمان والانتماء. وليس المقصودُ بالزواج مجرَّد إجراءٍ شكليّ، بل علاقةٌ قائمةٌ على المسؤولية والتكافؤ وحسن الاختيار، بحيث يكون مدخلًا إلى حياةٍ أكثر توازنًا، وأداةً لتخفيف آثار الوحدة والضغوط الاجتماعية، ومساهمةً في استقرار المجتمع، الذي يتأثّر بطبيعة تكوينه الأسري وتماسكه.

١٤- معالجة مشكلة العلاقة بين بعض الشباب والفتيات

       معالجة مشكلة العلاقة بين بعض الشباب والفتيات، فإنه ليس له مثل الزواج، وقضاء الوطر بالحلال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لم نَرَ للمُتحابّين مثل الّنكاح»، أخرجه ابن ماجة والبزار، وليس ذلك دعوة للحبِّ قبل الزواج، ولكن هو مُعالَجة لواقع قد يَحصُل، فإذا وقع الحب بالفعل، وتعلَّق كلٌّ من الشاب والشابة أحدهما بالآخر، فهنا ينبغي للأهل أنْ ينظروا في الأمر بعين البَصِيرة والحِكْمة، ولا يستبدُّوا بالرأي، ويرفضوا الخاطب بأدنى سبب، أو بلا سبب.

١٥- قوّة الأمة واكتفاؤها تَحْصلُ بالزواج

       ففي الزواج تكثيرُ أفراد الأمّة الإسلامية وعَدَدها، وبالكثْرة تقْوَى الأمّة، وتُهابُ بين الأمَم، وتكتفي بذاتها عن غيرها، إذا استعملت طاقاتها فيما وجَّهها إليه الشرع، وفى ذلك أيضاً: تحقيقُ مُباهاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمّتهِ يومَ القيامة، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «تزوَّجُوا الوَدُود الوَلُود، فإنّي مُكاثرٌ بكم الأمَمَ يومَ القيامة». أخرجه أبو داود والنسائي، وكثير مِنَ الأسر خرَجَت عن سماحة الإسلام، وعقَّدوا الزّواج، فخَلَقوا أزمةً تعرَّض بسببها الرجال والنساء لآلامِ العزوبة وتباريحها، والاستجابة إلى العَلاقات الطائشة، والصّلات المحرّمة؛ فالمغالاة في المُهور، وكثْرة النفقات، وتبذُّل المرأة، وخروجها بهذه الصورة المثيرة - ألقى الريبةَ والشك في سلوكها، وجعل الرجل حذرًا في اختيار شريكة حياته، بل إن بعض الناس أضرَبَ عن الزواج؛ إذْ لم يجد المرأة التي تصلح في نظرِه للقيام بأعباء الحياة الزوجية، ولابُدّ منَ العودة إلى تعاليم الإسلام، فيما يتعلق بتربية المرأة، وتنشئتها على الفضيلة والعفاف والاحتشام، وترك التَّغالي في المهور وتكاليف الزواج.

الأسرة مشروع إيمانيّ وبناءٌ حضاريّ

        وفي ختام هذا البحث يتجلّى لنا أن الأسرة في القرآن والسُنَّة ليست شأنًا اجتماعيًّا عابرًا، ولا إطارًا شكليًّا لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، بل هي مشروع إيمانيّ متكامل، وبناءٌ حضاريّ راسخ، يقوم على المودّة والرحمة، والحقوق والواجبات، والعفاف والمسؤولية، وأنَّ قوة الأمَّة تبدأ من بيتٍ مستقرّ، وصلاح المجتمع يُصاغ في حضن أسرةٍ متماسكة، وحماية الأجيال تُبنى على تربيةٍ واعيةٍ في ظلِّ ميثاقٍ غليظ، وكلَّما ابتعد الناس عن هدي القرآن والسنة في شأن الأسرة، ظهرت الأزمات، وتكاثرت المشكلات، واهتزَّ التوازن الاجتماعي، ومن هنا فإنَّ العودة إلى تعاليم الإسلام في بناء الأسرة، وتيسير الزواج، وإحياء معاني السكن والمودّة، ليست خيارًا ثانويًّا، بل ضرورة إصلاحية عاجلة؛ بها يُحفَظ الدين، وتُصان الأخلاق، وتُحمى الأنساب، وتُبنى أمةٌ قويّةٌ واثقةٌ بذاتها، سائرةٌ على هدي ربها وسنّة نبيها - صلى الله عليه وسلم -.    

من حقوق الأبناء في الإسلام

  • اختيار الزوجة الصّالحة والزوج الصالح.
  • الاقتداء بالسُنَّة النبوية في آداب الجِماع.
  • الاقتداء بالسُنَّة النبوية عند الولادة من التّسْمية، والأذان، والعقيقة.
  • اختيار المربِّية الصالحة.
  • العدل بين الأولاد في العَطية والمعاملة.
  • التربية الصالحة تبدأ بتعليم القرآن، والتفرقة في المضاجع، وأمرهم بالصلاة...، إلخ.
  • الحرص على الصُّحْبة الصالحة في المدرسة والشارع والحَيّ، عن طريق المراقبة لهم والتوجيه.

الزواج سبيل للغِنَى والرّزْق

        جعل الله -تعالى- الزواج سبيلًا للغِنَى والرّزْق؛ ووعَد من أراد النكاح بأنْ يمدّه الله إذا طلبه طاعة لله وللعفاف، بالقوة التي تجعله قادرًا على التغلب على أسْباب الفقر؛ فقال -سبحانه-: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (النور: 32)، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونُهم: المُجَاهدُ في سبيل الله، والمُكاتِب الذي يُريدُ الأداء، والنّاكح الذي يُريدُ العَفَاف».    

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك