رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: بثينة اشتيوي 1 فبراير، 2016 0 تعليق

ما مدى جدية إسرائيل في إقامة جزيرة صناعية قبالة سواحل غزة؟

لم يكن حديث بعض الساسة داخل الوسط الإسرائيلي عن إقامة ميناء بالقرب من شواطئ غزة وليد اليوم، بل بدأت الفكرة أوائل شهر أبريل عام 2011 حينما تواترت العديد من تقديرات المحللين والعسكريين الإسرائيليين بشأن تنفيذها ضمن أهداف الحكومة الإسرائيلية آنذاك.

هدفت الحكومة وقتها من إنشاء ميناء ومطار على ظهر جزيرة صناعية بحرية قبالة سواحل غزة، وفقًا لما أعلنته حكومة الاحتلال، إلى تسهيل تواصل سكان القطاع مع العالم الخارجي، في حين رأى البعض أنها فرصة لتعزيز الانفصال عن القطاع.

     وبعد خمس سنوات من الإعلان عن المشروع المقترح، والذي لم يكتب له الموافقة سياسيًّا وعسكريًّا بعد، يعيد وزير المواصلات في الحكومة الإسرائيلية (يسرائيل كاتس) الأذهان اليوم إلى ما أعلنه أواسط عام 2011 أن الحكومة ستقرر اعتماده -المشروع- في المحافل الدولية.

خلال الأيام القليلة الماضية كشف (كاتس) عبر صفحته الشخصية في موقع (فيس بوك) عن وجود خطة لبناء جزيرة اصطناعية على بعد 4 كيلومترات من شاطئ غزة، وعليها ميناء ومنشآت طاقة ومطار لنقل البضائع إلى القطاع.

     ولفت الوزير إلى أن الفكرة أصبحت ملحّة في إطار إستراتيجية جديدة تهدف إلى الانفصال عن قطاع غزة، كما رأى المراقبون أيضًا، فضلًا عن تحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي عبر مساهمتها في منح الفلسطينيين مقومات الحصار، للهروب من مسؤوليتها في الحصار المفروض على غزة منذ عشر سنوات.

بينما لم تلتفت كثيرًا الحكومة الإسرائيلية إلى تصريحات وزيرها، ممثلة برئيسها (بنيامين نتنياهو)، والذي يعد صاحب القرار النهائي لأي مشروع أو مقترح تطرحه الأطراف المعارضة أو المؤيدة لسياسته في الصراع مع الفلسطينيين.

مشروع الجزيرة الاصطناعية:

من يقرأ بين سطور وزير المواصلات الإسرائيلي فيما يتعلق ببناء جزيرة بالقرب من غزة، يدرك جيدًا سعي الحكومة الإسرائيلية إلى قطع العلاقات مع القطاع والانتقال إلى سياسة الردع، لا سيما بعد الحروب الأخيرة التي شنتها على سكان غزة.

     وتشمل الخطة التي رسمتها شركة موانئ إسرائيل وتمويلها على يد جهات دولية إقامة جزيرة اصطناعية في بحر غزة، على بعد 4.5 كيلومتر من الشاطئ، وعليها ميناء ومنشآت خاصة بالطاقة، وبعدها سيكون ممكنًا بناء مطار. ويتخلل المقترح أيضًا وصل الجزيرة بغزة بواسطة جسر وعليه نقطة تفتيش، وعبره يتم نقل الكهرباء والماء والبضائع والأشخاص، ما يعطي مؤشرًا واضحًا لأن تكون إسرائيل المسؤول الرئيسي عن الأمن البحري والتفتيش في الميناء، وهو ما ترفضه الأوساط الفلسطينية.

ويرى (كاتس) أن هذا المقترح سيمكن إسرائيل من المحافظة على حق الرد على أي هجوم قادم مع الجانب الفلسطيني، فضلًا عن فتح الباب واسعًا أمام التعاون مع أي جهات عربية وغربية تتشارك بها مصالح مهمة.

جدية إسرائيل في إقامة الميناء

     لا يمكن إغفال السياسة الإسرائيلية عند طرحها أو مناقشتها أي مشروع بأن يكون الهدف الأسمى منه هو حماية أمنها، وتكريس الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، إلى جانب تحقيق قوة الردع للمقاومة الفلسطينية بغزة، التي تعاظمت في السنوات القليلة الماضية.

     وبالتالي، بدت للوهلة الأولى أهداف إسرائيل من إقامة ميناء بحري في قطاع غزة على أنها إنسانية بحتة عبر السماح للسكان بتصدير البضائع واستيرادها، والمساهمة في خلق أجواء من التغلب على مقومات الحياة الصعبة بفعل الحصار المطبق على السكان منذ حزيران 2006، إلا أن خبراء يشيرون إلى أن الرغبة الإسرائيلية من وراء المقترح تكمن في تكريس الفصل النهائي بين الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفها وحدة جغرافية واحدة، وتخليص قطاع غزة من التبعية الاقتصادية والقانونية لإسرائيل.

إلى جانب إثبات أنه لم تعد هناك حجة أمام المجتمع الدولي للمطالبة برفع الحصار عن قطاع غزة، لا سيما في ظل تسارع وتيرة الدعوات المحلية والدولية من جهات حقوقية وإنسانية بضرورة رفع الحصار.

     صحيح أن الحكومة الإسرائيلية لم تصدر قرارًا رسميًّا بشأن مشروع وزارة المواصلات؛ كونه يأتي من شخص معارض لسياسات (نتنياهو)، بيد أن الوزير الإسرائيلي (أوري أريئيل) من حزب (البيت اليهودي)، المعروف بمواقفه الدينية واليمينية، أيد مؤخرًا فكرة إقامة ميناء بحري في قطاع غزة.

تزامنت هذه التصريحات مع كثرة الحديث مؤخرًا عن تقارب في المحادثات التركية الإسرائيلية بشأن المصالحة بينهما، مقابل تخفيف الأخيرة الحصار المفروض على قطاع غزة، وهو ما رفضته؛ما أدى إلى توقف أي مباحثات في الوقت الحالي.

وبما أن السلطة الفلسطينية قد وصلت إلى طريق مسدود في عملية التسوية والمفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، فإن إسرائيل تحاول عبر المقترح خلق جو جديد بعد عزلتها دوليًّا مؤخرًا من قبل بعض الدول الأوروبية بسبب الحروب التي شنتها على القطاع.

     قراءة سياسية ذات أبعاد أخرى ذهبت إلى القول: إن إسرائيل تستهدف- عبر المخطط البحري - إنهاء المقاومة في غزة؛ حيث لا يمكن لإسرائيل إقامة الميناء على مقربة من سواحل القطاع دون إيجاد مخطط مستقبلي تعمل بموجبه على حل قضية الصواريخ التي بحوزة المقاومة، ومن السهل قصف الجزيرة بواسطتها.

     ولا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل تنظر إلى القطاع كونه (كيانًا معاديًا)، مع إدراكها أن الحلول العسكرية معه لم تعد ذا جدوى بعد شن ثلاث حروب في غضون ست سنوات؛ ما يؤهلها إلى العمل على خلق حلول سياسية ذات مصلحة عليا لها، وأنظار قريبة من غزة.

فضلاً عن أن إسرائيل لا تريد أي دور محوري لتركيا في قطاع غزة، وتفعيل القضية من جديد بصيغة رفع الحصار عن القطاع، عقب الحديث عن تفاهمات تركية إسرائيلية وعودة للمصالحة من جديد أواخر العام الماضي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك