رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 23 مايو، 2016 0 تعليق

مئة عام على سايكس- بيكو هل تتكرر المأساة؟

المتابعون لمجريات الأحداث في المنطقة يؤكدون على أن تقسيم المقسم آت، وأنه سيكون وفق رؤية جديدة تكون رائدتها هذه المرة الولايات المتحدة، للقضاء على أي حلم للعرب بالوحدة

نصح المستشرق البريطاني-الأمريكي برنارد لويس باستخدام العنصر المذهبي كأداة جديدة في هذه الحرب؛ لذلك بدأت النعرات الطائفية يعلو صوتها في المنطقة بقوة

من ملامح  الشرق الأوسط الجديد إزاحة صفة (العدو التاريخي) عن الكيان الصهيوني المغتصب، لكي يتم بالمقابل إعطاء شرعية تسوغ وجوده  في خارطة الشرق الأوسط الجديد

خطة الغرب في إطلاق (سايكس بيكو) الجديدة تتمثل بتأجيج النزاعات بين مختلف المناطق العربية، وإثارة النُعَر الطائفية في مناطق البلد الواحد

 

100 عام مرت على اتفاقية سايكس بيكو، والمنطقة على وشك الانهيار، صاغ الاستعمار شكلا لترسيم الحدود في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط دون أدنى إرادة من شعوبها، وها هي ذي الآن تترسم من جديد، والحال كما هو ظاهر في العراق وسوريا واليمن وغيرها، و دون إرادة أيضًا.

نظرة على الحدث

     في خضم أحداث الحرب العالمية الأولى التي اندلعت عام 1914، رسم موظف بريطاني وآخر فرنسي حدود بلدان المشرق العربي، في إطار ترتيبات الدول الاستعمارية الصاعدة لاقتسام ممتلكات السلطنة العثمانية، لكن روسيا كشفت بعد شهور الخطط السرية للمستعمرين بعد إسقاطها نظام القيصر، وانسحابها من الحرب.

لكن ذلك لم يمنع بريطانيا وفرنسا بعد انتهاء الحرب من المضي في تقسيم دول المشرق العربي، وفق ترتيب جرى التوافق عليه في مؤتمر (سان ريمو)؛ وقريب مما أنجزه (مارك سايكس) و(فرانسوا بيكو).

من هما سايكس وبيكو؟

يعرف المواطن العربي أو حتى القارىء السيار أسماء الأشياء أو المعاهدات دون معرفة ما هو أكثر من ذلك؛ لذا فمعرفة الرجلين اللذين سميت الاتفاقية باسمهما مهم للغاية.

     (فسايكس) هو العقيد (سير مارك سايكس)، الذي ولد في 1879 ومات عن 40 عاما فقط، متأثرا بإصابته بالإنفلونزا الإسبانية، عمل مستشارا سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، ورحالة بريطانياً، مثّل بلاده في محادثات سرية لاقتسام أراضي السلطنة العثمانية في المشرق والأناضول مع فرنسا وروسيا، ووقع على الاتفاقية المعروفة بـ(سايكس-بيكو)، وأشارت بعض المصادر إلى دوره فى إعداد (وعد بلفور).

أصدر في سن مبكرة نسبيا عددا من الكتب، بينها كتابان في العلم العسكري، وثلاثة عن السلطنة العثمانية وبلاد المسلمين، وتناول فيها الجغرافيا السياسية للمنطقة، ومشاهداته فى أسفاره في آسيا الصغرى وبلاد المشرق بين عامى 1905 و1913.

     أما (بيكو) فهو الحقوقى والسياسى الفرنسى (فرانسوا جورج بيكو) المولود عام 1870، وهو ابن المؤرخ الفرنسى (جورج بيكو)، والمفاوض على الاتفاقية السرية التي حملت اسمه إلى جانب الإنجليزى مارك سايكس، عمل سنتين فى محكمة الاستئناف قبل انتقاله إلى السلك الدبلوماسي عام 1896.

     كما عمل سكرتيرا فى سفارتي بلاده بكوبنهاغن وباريس، قبل أن يصبح قنصلا عاما فى سفارة بلاده ببيروت عشية الحرب العالمية الأولى، وفيها نسج علاقات قوية مع زعماء الموارنة، قبل انتقاله إلى القاهرة ثم عودته منها إلى باريس ربيع 1915، وبوصفه عضوا في الحزب (الكولونيالى) دافع عن المشرقيين العرب المتحمسين لتطبيق الانتداب على بلدانهم، وعُين مفوضا ساميا لبلاده فى سوريا وفلسطين بين عامى 1917 و1919؛ حيث مهّد الطريق أمام الجنرال غورو، عبر مطالبته فور تعيينه بإرسال عشرين ألف جندي فرنسي إلى الشرق، وانتقل بعدها للعمل وزيرا مفوضا في بلغاريا ثم الأرجنتين، توفى (بيكو) عام 1951 عن 81 عاما.

تأثير الاتفاقية

     في آخر عهد الدولة العثمانية، كان الوهن والضعف هو المسيطر على مفاصلها الأساسية؛ حيث فقدت سيطرتها على كثير من أراضيها لصالح القوى الاستعمارية؛ فهيمنت فرنسا على الجزائر وتونس، واستحوذت إيطاليا على ليبيا، بينما كانت من نصيب بريطانيا مصر وعدن وعمان وبعض مناطق الخليج العربي.

أما بلاد الشام والعراق، فكانت تضم في المراحل الأخيرة من عمر الدولة العثمانية ولايات دمشق وحلب والرقة والبصرة وبغداد وبيروت، بينما بقيت القدس سنجقا تابعا للسلطان العثماني مباشرة حتى احتلالها عام 1918 من قبل الجيش البريطاني.

وفى شبه الجزيرة العربية كانت ولايتان، هما نجد، والحجاز التي تضم مكة المكرمة والمدينة المنورة، بينما كانت اليمن مجرد ولاية عثمانية اسما، لكنها في الحقيقة كانت خاضعة لتأثير وزعماء القبائل.

خمس مناطق

     الاتفاقية أقامت خمس مناطق في المشرق العربي، الأولى تمتد من بغداد جنوباً لتشمل الكويت وتتصل بساحل الخليج، تحت سلطة بريطانية مباشرة، ومنطقة ثانية تجمع الجزء الشمالي من العراق وكامل الأردن وصحراء النقب وصولاً إلى سيناء، لتشكل منطقة نفوذ بريطاني.

     المنطقة الثالثة كانت شريطاً ساحلياً يمتد من الجنوب اللبناني شمالا باتجاه محافظات مرسين والإسكندرون وأضنة، لتتسع براً إلى داخل الأناضول، وتكون تحت سيطرة فرنسية مباشرة. أما الرابعة فتقتصر على الشام، وتشكل أيضا منطقة نفوذ فرنسي، فضلا عن منطقة اسمها القدس، وتكون تحت إشراف دولي نظرا لأهميتها الدينية.

     وبموجب القسم المتعلق بروسيا نصت الاتفاقية على احتفاظ القيصر لدولته بإسطنبول والأراضي المتاخمة لمضيق البوسفور وأربع ولايات متاخمة للحدود الروسية في شرقي الأناضول، بينما أعطى لليونان الشواطئ الغربية لتركيا وتُرك للإيطاليين السيطرة على جنوب غرب تركيا.

ماذا حدث بعد ذلك؟

     بعد ترسيم الحدود كما هو مذكور سلفا، بقي الاستعمار الفرنسي البريطاني حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 مهيمنا في بلدان المشرق، متسلحا بسلطة الانتداب الممنوحة له من قبل عصبة الأمم في مؤتمر لندن عام 1922، مع استثناءات في اليمن والسعودية والأردن، وارتبطت مصر والعراق مع بريطانيا بمعاهدات حدت عمليا من استقلالهما.

وبعد سنوات، تعهدت حكومة فرنسا بمنح الاستقلال للدول الخاضعة لانتدابها، وهذا ما تحقق في سوريا ولبنان، أما بريطانيا فشجعت هجرة يهود أوروبا إلى فلسطين قبل الحرب العالمية الثانية خلالها، مفسحة لهم الباب لإنشاء دولة إسرائيل عام 1948.

     ومنذ ذلك التاريخ، لم تشهد دول المشرق العربي تغييرا يذكر في حدودها، إلا بعد توحيد شطري اليمن عام 1990، كما أن اتفاق أوسلو عام 1993 بين إسرائيل والفلسطينيين لم يؤد عمليا إلا إلى سلطة حكم ذاتي محدودة السيادة في الضفة وغزة، وغير متواصلة جغرافيا.

(سايكس بيكو) الجديدة

والمتابعون لمجريات الأحداث الأخيرة في المنطقة يؤكدون على أن تقسيم المقسم آت، وأنه سيكون وفق رؤية جديدة تكون رائدتها هذه المرة الولايات المتحدة، للقضاء على أي حلم للعرب بالوحدة.

     ويتذكر الجميع تصريح مدير الإدارة العامة للأمن الخارجي في فرنسا (الاستخبارات الفرنسية) (برنار باجوليه)، العام الماضي في مؤتمر صحافي مشترك في واشنطن مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (جون برينان)، بأن: «الشرق الأوسط الذي نعرفه، انتهى إلى غير رجعة»؛ مشككًا في أن يعود مجددًا إلى ما كان عليه؛ ومؤكدًا أن دولا مثل العراق أو سوريا لن تستعيد أبدا حدودها السابقة.

غير أن تقسيم العرب، هذه المرة، لن يكون إلى قوميات؛ فلم تحقق الصراعات القومية النتائج المطلوبة في تأليب الشعوب العربية ضد بعضها بعضًا؛ لذلك اتجهوا إلى مسلك آخر أشد خبثًا وأشد ضراوة.

النعرات الطائفية

نصح المستشرق البريطاني-الأمريكي (برنارد لويس) باستخدام العنصر المذهبي بوصفه أداة جديدة في هذه الحرب؛ لذلك بدأت النعرات الطائفية يعلو صوتها في المنطقة بقوة، كل ذلك من أجل صياغة (سايكس-بيكو) جديدة، بأياد عربية-إسلامية.

إن خطة الغرب في إطلاق-(سايكس بيكو) الجديدة تتمثل بالتقسيم الطائفي وتأجيج النزاعات بين مختلف المناطق العربية، وإثارة النُعَر الطائفية في مناطق البلد الواحد.

تغييرات تلوح في الأفق

     من ناحية أخرى أشارت هيئة الإذاعة البريطانية BBC إلى أن التقسيمة القديمة تشهد في الوقت الحالي العديد من التغيرات، فبينما يغرق العراق في حالة من الاضطراب، تلوح القيادات الكردية، شمالي البلاد، بالانفصال وإعلان الاستقلال التام، بينما ألغى تنظيم داعش الحدود بين العراق وسوريا منذ عام 2014، معلنا عزمه القضاء على حدود المنطقة بأكملها والقضاء على حدود اتفاقية (سايكس بيكو)، التي تم توقيعها في 16 مايو 1916.

وفي هذا الوقت، لم تبق أي من دول الشرق الأوسط على الحدود التي رسّمتها سلسلة من الاتفاقيات والمؤتمرات التي تم عقدها بعد انهيار الدولة العثمانية وانتهاء الحرب العالمية الأولى.

مؤشرات ودلالات

- أخيرًا: نقول: إن التغيير الذي طرأ على العالم العربي منذ احتلال صدام حسين الغادر لدولة الكويت، وما تلاه من أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتدخل الأجنبي في المنطقة يعطي مؤشرات ودلالات قوية على سعي الغرب لإحداث هذا التغيير ومن هذه المؤشرات:

(1) من أهم المؤشرات ظهور مصطلح الشرق الأوسط الجديد قبل فترة؛ حيث ظهر لأول مرة في تل أبيب عام 2006، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، (كوندوليزا رايس)، وإعلان الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي، (رالف بيترس)، الحدود التي وصفها بأنها عادلة، بالنسبة للشرق الأوسط في مقال له بمجلة Armed Forces Journal العسكرية، تضمنت تقسيم للمنطقة على أسس عرقية ومذهبية.

(2) حالة التفكك العربي العربي، وما نراه من استباحة الدم العربي بقرار عربي وبأيد عربية، حتى أصبح قتل العربي من قبل العربي شعارا استراتيجيا يتباهى في رفعه أمثال بشار الأسد وهو ما يلاقي دعماً ومسانداً من صُنّاع الشرق الأوسط الجديد، وقد نجحوا في تحقيق الكثير من ذلك!

(3) انتشار ثقافة الفرز الطائفي بين العرب أصبحت مادة حوارية أساسية قابلة للتطور باتجاه الأسوأ، مدعومة بزرع مشاعر العداء وتأصيلها بين الشعوب العربية، وهي ثقافة تسمح بسهولة بتقسيم العالم العربي إلى دويلات وإمارات طائفية قزمية متناحرة، يسهل التحكم بها .

(4) السعي لإزاحة صفة (العدو التاريخي) عن الكيان الصهيوني المغتصب، لكي يتم بالمقابل إعطاء شرعية فلسفية عربية تسوغ الوجود الصهيوني في تكوين الشرق الأوسط الجديد، وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير.

(5) مؤشر التقارب الصهيوني مع بعض الدول العربية بدا واضحاً، ليصبح هذا الكيان المغتصب عند بعضهم (الحليف الإسراتيجي) بعد أن كان (العدو الإستراتيجي) للعرب، وهو ما أوضحه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عندما تحدث عن تحالفات عربية إسرائيلية من أجل تحقيق المصالح المشتركة بينهما، وهو مطلب أساسي في رسم صورة الشرق الأوسط الجديد الخالي من خارطة الوطن الفلسطيني. وهنا كذلك نستطيع القول: إنهم نجحوا في تحقيق الكثير من ذلك!

(6) العمل على تفكيك الجيوش العربية، بِدءاً بالجيش العراقي الذي تبعثر، ثم ها نحن أولاء نرى محاولة مكشوفة لإغراق كل من الجيش المصري والجيش الجزائري في مستنقع الإرهاب داخل الأراضي الليبية، ومسألة تفكيك الجيوش العربية ضرورة حيوية لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد.

هذه المؤشرات وغيرها تؤكد السعي المحموم من قبل الغرب لإتمام ولادة الشرق الأوسط الجديد، ويبقى السؤال، هل حان موعد هذه الولادة؟ وهل سينجح الغرب في تقسيم المنطقة مرة أخرى بعد مرور مئة عام على التقسيم الأول.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك