مؤتمر الخليج الثاني لصناعة الحلال يـدعو إلى :إنشاء هيئة رقابية عالمية تكون مرجعًا لجميع الدول في اعتماد شهادات الحلال
د.الفلاح: العالم الإسلامي يواجه تحديات كبيرة حتى في مأكله ومشربه بعدما اختلط الحلال بالحرام والطيب بالخبيث
د.العايد: الأمة الإسلامية بحاجة ماسة لبحوث علمية مضبوطة شرعيّاً تواكب التطور في صناعة الحلال
فريد عمادي: نحتاج إلى هيئة رقابية إسلامية عالمية تمنح شهادة «حلال» معتمدة وموثقة
د.المطيري: نحرص على خدمة مشاريع البحث العلمي للمحافظة على الصحة العامة وتنمية مجتمعاتنا
د.العيدروس: الإسلام اهتم بالحيوان كاهتمامه بالنفس البشرية
مريم عبد اللطيف: على الدول المستوردة تطوير الرقابة والتدقيق لضمان سلامة وصحة المجتمع
د. رياض: صناعة الأغذية الحلال طالتها مخالفات مشينة أشبه بالفضائح
أقامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالتعاون مع معهد الكويت للأبحاث العلمية مؤتمر الخليج الثاني لصناعة الحلال في الفترة من 22 – 24 يناير الماضي، وجاء المؤتمر للتأكيد على الدور الفاعل لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في بيان معالم الشريعة الغراء وتوضيح سبل المعرفة الإسلامية، والحرص على ما ينفع الناس في شؤون دنياهم وآخرتهم، والسعي إلى إزالة الشبهات والغشاوة عما أحله الله تعالى أو حرمه.
وهو ما دفع الوزارة – كما جاء في كلمة وكيلها الدكتور عادل الفلاح- إلى تبني هذا المؤتمر ومؤازرته ورعايته، مؤكدًا على أهمية الموضوع للجاليات المسلمة في البلدان غير الإسلامية؛ نظرًا لما تعانيه البشرية من آثار خطيرة ومدمرة في مطعمها أو مشربها أو ملبسها أو مسكنها أو أدويتها إذا خالفت الحلال الطيب الطاهر وتناولت ما حرمته الشريعة الإسلامية من خبيث منتن أو محظور فاحش، وما يصيبها من أمراض وأوبئة، وما يحدث من مضار للبيئة وكائناتها ومواردها؛ لذلك كانت الحاجة ماسة إلى استنباط الأحكام الشرعية التي تناسب هذا الواقع الأليم.
صناعة الحلال مصطلح جديد
من جانبه بين وكيل الوزارة المساعد فريد أسد عمادي أن صناعة الحلال مصطلح جديد يساوى في ثقافتنا مصطلح فقه الحلال أو معرفة الحلال، موضحًا أنه مع تطور الصناعات وتعلق كثير من الناس بالماديات والبحث عن الربح السريع فقد أضحت صناعة الحلال وإنتاجه تشكل هاجساً مهماً لدى كثير من المسلمين وباتت الحاجة ملحة وعاجلة لتطوير أدوات تصنيع المنتج الحلال وتطوير خدماته وإيجاد هيئة رقابة على هذه المنتجات وفق ضوابط ومعايير محددة تضمن سلامة مراحل التصنيع والإنتاج بداية من مصادرها الأولية وحتى وصولها إلى أيدي المستهلكين بحيث لا يتم تداول أي منتج إلا بعد اعتماده من قبل هيئه الرقابة بموجب شهادة حلال دولية موثقة ومعتمدة.
خدمة البحث العلمي
أما مدير معهد الكويت للأبحاث العلمية ناجى المطيري فقد بين أن المعهد في السنوات الماضية قدم الكثير من الإسهامات البحثية التي تساعد في تطور الصناعات الغذائية وأصبح مرجعًا مهماً في هذا الجانب، بل أصبح الذراع الفنية والعلمية للقطاع الخاص في كل ما يتعلق بالصحة والغذاء، كما بين أن المعهد يحرص علي مواكبة التطورات العلمية على مستوى العالم ويتواصل مع كل الجهات العلمية المهتمة بالبحث العلمي لدعم المراكز البحثية وإقامة الدورات العلمية وورش العمل التي تصب في خانة صناعة الحلال.
تشخيص واقع صناعة الحلال وخدماته
وكان أول المحاور الموضوعة على جدول أعمال المؤتمر: «تشخيص واقع صناعة الحلال وخدماته»، وحاضر فيه أ.د.حسن العيدروس أستاذ الصحة والطب الوقائي في المنظمة العالمية لصحة الحيوان بفرنسا؛ حيث تحدث عن الإسلام ورعاية الحيوان، مبينًا واقع التعامل مع الحيوان أثناء النقل والذبح في الغرب مقارنة بالشريعة الإسلامية.
واستشهد د.العيدروس بالحديث النبوي الشريف عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».
رواه مسلم، وقال: إن واقع معاملة الحيوانات في أثناء نقلها وذبحها هذه الأيام بحاجة للتحسين، ففي كثير من الأحيان يتم التعامل مع الحيوانات قبل وأثناء النقل بقسوة؛ فقد يتم إجبارها على السير أو نقلها في شاحنات مزدحمة في أثناء النقل، وقد تُضرب عند جمعها معًا وتساق بسرعة للوصول إلى الأسواق والمذابح في الوقت المقرر، كما تتعرض الحيوانات لمعاناة لا لزوم لها حينما تُجبر على السفر لثلاثة أو أربعة أيام معا في شاحنات مزدحمة سيئة التهوية ورطبة وحارة، وقد تتعرض الحيوانات في المذابح غالبا للضرب لإجبارها على دخول منشآت الذبح وعندما تقاوم فلا شك أنها تعرف أن الموت ينتظرها، ولهذا فهي بكل تأكيد «تموت مرتين».
مؤكداً أن المعايير الدولية التي نشرتها منظمة الصحة الحيوانية في عام 2005 تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية التي توجب حماية الحيوانات من الممارسات القاسية وتنص بصفة خاصة على الرحمة عند الذبح.
دراسة تحليلية لنماذج الحلال الدولية
وفي دراسة تحليلية لنماذج الحلال الدولية: قالت أ. م. مريم عبد اللطيف من جامعة صباح الماليزية: لا يزال تطوير معايير للحلال والتوفيق بينها في العديد من موضوعات الصناعة المتنوعة يمثل عقبة بالنسبة لكثير من الجهات التنظيمية للحلال على مستوى العالم، وقد أدى ذلك إلى تنوع بين منتجي الحلال وأثّر على ثقة المستهلك إلى حد ما وإلى درجة أضحت معها كفاءة جهات اعتماد الحلال محل تساؤل.
وقالت: نشهد حاليًا فهما أفضل لمصطلح «الحلال الطيب»، ولا سيما بين المستهلكين المسلمين، كما نشهد الحاجة المتزايدة إلى التعامل مع مشكلات صناعة الحلال في ضوء معايير الحلال التي يجب أن تعتمد في المقام الأول على مبادئ الشريعة الإسلامية، وفضلاً عن تطوير معايير الحلال، يجب دراسة النماذج العالمية للحلال لإنتاج مسودة إطار شامل جامع يشمل إيجاد جهة لاعتماد الحلال تتميز بالكفاءة، واعتماد «نظام إصدار شهادات الحلال».
وأكدت على أن كل دولة مستوردة يجب أن تطور ضوابطها الخاصة باستيراد الحلال لضمان صحة جميع المنتجات الحلال المستوردة لحماية مصالح مستهلكيها المسلمين، كما أكدت على ضرورة أن تقوم جميع الجهات صاحبة المصلحة في صناعة الحلال بالتعاون فيما بينها للوصول إلى إجماع على أهم المعايير العامة التي تعتمد على مبادئ الشريعة الإسلامية وتطوير شبكة ثنائية الجانب للاتصالات والشفافية والتكافؤ مع نظيراتها في الدول المصدرة لما فيه صالح الأمة عمومًا.
واقع المكونات الأولية في الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل
وفي عرض آثار الكثير من الجدل وردود الفعل من المؤتمرين كانت الورقة المقدمة من الأستاذة عائدة قادر غانم الباحثة بقسم الفقه الإسلامي والتشريع حول واقع المكونات الأولية في الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل، حيث بينت وجود كمّ هائل من المكونات الأولية ذات الأصل المحرم والمشبوه مثل المكونات المشتقة من الخنزير والدم والميتة تستخدم في الغذاء والدواء ومستحضرات التجميل، وتدخل أسواقنا وبيوتنا دون أن ندري.
وأكدت على حقيقة صادمة وهي: أننا نستهلك المحرمات يومياً تحت مسوغات مختلفة مثل عموم البلوى، والاستحالة، والاستهلاك، دون التأكد من مدى انطباق تحقق ضوابط تلك المسوغات على المنتجات المستهلكة.
وعرضت نموذجا لهذه المواد التي يؤخذ أغلبها من الخنزير كنموذج لحيوان محرم بالنصّ، وفصلت تلك المواد والأجزاء التي تؤخذ من مكوناته (دمه، دهنه، والجيلاتين المستخلص من جلده وعظامه، وإنفحته...)، وعرضت للاستخدامات الهائلة لهذه المكونات في الغذاء والدواء ومستحضرات التجميل.
ثم خلصت إلى نتيجة مفادها أننا نعيش وسط مستنقع من المنتجات التي لا يطمئن المؤمن إلى كونها من الطيبات التي أمر بتحريّها، أم هي من الخبائث التي أُمر باجتنابها، وهذا الواقع يمثل مشكلة كبرى، وذكرت أن الحلّ الأمثل لها هو الوقوف عند حدود الله: {حُرّمت عليكم الميتة والدمُ ولحم الخنزير}.
ثم تطرقت إلى بعض الأمور التي تساعد في تغيير هذا الواقع مثل: توعية الناس بأهمية المنتجات الحلال، وتوعيتهم بتلك المنتجات ذات الأصول الأولية المحرمة والتوقف عن التعامل معها، ومراجعة الفتاوى التي تساهلت وسوغت استخدام المحرمات، والوقوف عند الضوابط الصحيحة، والعمل على إيجاد نظم تتبع للمنتجات الحلال تضمن مراقبة مراحل التصنيع ابتداءً من مرحلة المكونات الأولية وصولاً إلى يد المستهلك، وإيجاد البدائل الحلال للمكونات الأولية، وحث المصنعين على استخدامها، وتشجيع ذوي رؤوس الأموال على تبني مشاريع ضخمة لإنتاج مواد أولية حلال، وإنشاء مراكز أبحاث تعنى بالبحث الشرعي والعلمي حول المكونات الأولية لتصنيع الأغذية والأدوية ومواد التجميل؛ للوقوف على حقيقة المكونات الموجودة في المنتجات التي يستهلكها المسلمون والاطمئنان إلى حليتها، وكذلك للوصول إلى ضوابط شرعية وعلمية تساهم في إيجاد بدائل حلال وفي قيام صناعة لمواد أولية ومنتجات حلال مبنية على أصول شرعية صحيحة ومدعمة بأبحاث علمية تطبيقية.
الحلول العملية لمعوقات صناعة الحلال وخدماته
وفي محاضرة أخرى تناول المشاركون الحلول العملية لمعوقات الصناعة في الحلال وخدماته؛ حيث تحدثت المحاضرة د. ميان نديم رياض، مدير مركز أبحاث الأغذية البروتينية، جامعة تكساس، أمريكا، وبينت أن من أهم عوائق صناعة الحلال قضية (عبء التدقيق)، حيث تضطر الشركات في اعتماد نفسها بنفسها أو من طرف ثالث يفتقر إلى معايير الاعتماد المتعارف عليها في المجتمع المسلم، مع وجود مشكلات مماثلة تتعلق بالمصداقية.
ثم ذكرت أنه لا يوجد في الوقت الحالي برنامج اعتماد عالمي ونموذج للحلال يمكن أن يتبناه الجميع؛ لذلك فهناك حاجة ماسة لتطوير معيار مقارن، أي تطوير نموذج عالمي للأغذية الحلال يحدد التكافؤ بين برامج تدقيق الحلال الموجودة مع الحفاظ في الوقت نفسه على المرونة والقدرة على الاختيار في السوق، وبعد تطوير هذا المعيار المقارن، ينبغي تطوير آلية لمراقبة ونشر هذه المعلومات باستخدام أحدث التقنيات، وسوف يتضمن ذلك:
1- إنشاء قاعدة بيانات رقمية للحلال تقوم بتتبع قوائم المكونات وتحديثات شهادات الحلال وقوائم المنتجات الحلال المعتمدة.
2- وإجراء تفتيشات وتدقيقات في الموقع، حيث يقوم ممثلو وكالة الإشراف على الحلال بمقارنة معلومات قاعدة البيانات بالمنتجات والمكونات الموجودة في المصانع.
3- تطوير شعارات «حلال» على المنتج على أن تكون خالية من التلاعب، ويمكن استخدام أحدث التقنيات، مثل الشعارات التي يمكن مسحها على الهواتف الذكية (باستخدام شفرة الاستجابة السريعة) وغيرها.
نـموذج الحلال
من جانبها قالت أ. م. مريم عبد اللطيف من جامعة صباح الماليزية في ماليزيا: إن ما يثير القلق دائمًا هو مواجهة تحديات التجارة العالمية ومراقبة الشركات العالمية التي تنتج المنتجات الحلال لضمان امتثالها لمعايير الحلال، وتوجد مبادرة ضرورية يدعمها التعاون والتآزر فيما بين جميع أعضاء منظمة التعاون الإسلامي، ما جعل هذه الجهود الموحدة أسهل الآن، وأصبح لدينا الآن معهد المعايير والمقاييس للدول الإسلامية التابع لمنظمة التعاون الإسلامي والذي يتعامل مع المعايير والاعتماد، حيث تم إحياؤه في السنوات الأخيرة.
وتابعت أنه من المتوقع أن يعيد النموذج العالمي المقترح للحلال الروح من جديد لوكالات معايير الحلال في كافة الدول عن طريق التطوير والتوفيق بين معاييرها الخاصة بالأغذية الحلال لاستيعابها مع معايير المعهد الخاصة بالحلال، وينبغي أن يكون هذا النموذج موحدًا في كافة الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي لإبرام ترتيباتها المتبادلة الخاصة بالتجارة.
توصيات الـمؤتـمر
اختتم المشاركون فعاليات المؤتمر بجملة من التوصيات كان أبرزها:
- إنشاء هيئة تعتمد شهادات الحلال للمراكز والمؤسسات الإسلامية العاملة في صناعة الحلال وخدماته وفق نموذج للحلال.
- العمل على إيجاد دليل إرشادي في صناعة الحلال وخدماته متفق عليه لتسهيل مهمة صناعة الحلال وخدماته؛ وذلك نظراً لتعدد مواصفات ومقاييس الحلال.
- العمل على إعداد دراسات علمية متخصصة من قبل علماء مسلمين تقنيين ومجامع فقهية وخبراء للبحث في النوازل مثل موضوع وسائل التخدير قبل وبعد الذبح وتأثيرها على الحيوان وصحة الإنسان.
- تشجيع تأسيس مراكز للبحث العلمي والتطوير في مجال الحلال لكي تكون سندًا علميًا وشرعيًا لهيئات تقديم خدمات الحلال.
- إقامة ورش عمل ودورات تدريبية للعاملين في مراكز إصدار شهادات الحلال تهدف إلى زيادة الوعي وتثقيفهم بأمور الحلال العلمية والتطبيقية والشرعية.
- إنشاء ودعم جمعيات حماية المستهلك المسلم في الدول التي تتواجد فيها أقليات مسلمة.
- كما أوصى المشاركون في المؤتمر هيئات خدمات الحلال بإنشاء هيئة رقابية علمية وشرعية تكون مرجعًا لها في اعتماد شهادات الحلال، كما طالبوا اللجنة العلمية في المؤتمر بمخاطبة بعض الجامعات المعنية ومراكز البحوث بضرورة طرح دراسات أكاديمية في المسائل المستجدة في صناعة الحلال وخدماته.
- كما أوصوا بتعزيز تبادل الخبرات بين الدول الإسلامية في مجال الحلال.
- وأخيرًا طالبوا وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية أو من يقوم مقامها بتولي مهمة مراجعة شهادات الحلال المرافقة مع منتجات الحلال قبل السماح بدخولها البلاد الإسلامية.
لاتوجد تعليقات