لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ودعوته السلفية (3) المواجهة مع غلاة الصوفية
ما زال الحديث موصولاً عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وأهم اللمحات من حياته المباركة، واليوم نتكلم عن مواجهته مع الصوفية والطرق الخرافية، فقد علم ابن تيمية خطر هذه الطرق وخاصة أنها ترفع شعار تعظيم الأولياء والصالحين؛ ومَن الذي يجرؤ على التعَرُّض لجنابهم أو التعدي على مقامهم؟!
ولقد قامت معركة ابن تيمية مع الصوفية، ومع غلاتهم بالتحديد؛ لأنهم ضَلُّوا وأَضَلُّوا، وفَسَدُوا وأفسَدُوا، لأن دور العلماء هو تخليص العقائد والمناهج من الشوائب التي علقت بها مِن خارجها، ومهمتهم هي تبصير الأُمَّة لكي يفرق أفرادُها بين المسموح والممنوع، وبين الجائز والمحذور، فالأُمَّة -بفضل الله- تعظم صالحيها وعلماءها، لكنها في ذات الوقت لا تغالي فيهم ولا تتوسع في مَدْحِهم.
التصالح مع الصوفية
وتَمُرُّ الأيام وتأتي التقارير الغربية لتوصي بالاهتمام بالمَشَاهِد والمَوالِد والأضرحة!؛ تُرى ما الذي أعجب دهاقنة الساسة ورجال الفكر الأوروبي ليجعلهم في تصالحٍ وسلامٍ مع المنهج الصوفى؟!، إذا نقَّبت فيما كتبه ابن تيمية عن خطر الصوفية علمت سر الانبهار والدعم الغربي لهذا الفكر المبتدع.
التصدي للجمود الحركي
التصدي للجمود الحركي والتأصيل للعمل الجماعي: كم من علماء ثقات أثبات قضوا نحبهم، فانتهى ذِكْرهم، ودَرَسَت علومهم، وتفَرَّق تلامذتهم؛ فلم يَعُد لهم بعد موتهم ذِكْر، ولا لكلامهم بعد انقضاء أجلهم أثر؛ ولكن جاء ابن تيمية بمفهومٍ لم يكن مألوفًا في عصره؛ فقد كان هو رجل الدعوة ورجل الحركة ورجل العامة، فلم يُغلِق باب داره على نفسه، ولم ينكَبّ على كُتُبه ومكتبته تاركًا الواقع بكل ما فيه من مُخالَفات وتجاوزات؛ بل انطلق يدعو إلى الله، ويحرك الماء الراكد، ويوقظ الضمائر، ويحيي في الناس حُبَّ السُنَّة وبُغْضَ البدعة وخطورة الفواحش والمعاصي؛ فانتقل بالعلم خارج جُدُر المكتبات وحِلَق المساجد، ثم إنه لم يفعل ذلك منفردًا؛ ولكنه أعَدَّ الرجال، وقَدَّم النموذج العملي للتعاون على البر والتقوى، فهو مُنَظِّر الحركة الجماعية، وفقيه الأعمال النظامية.
لفظ (الزعيم)
يقول ابن تيمية رحمه الله: وأمّا لفظ (الزعيم) فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال -تعالى-: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} (يوسف: ٧٢)؛ فمن تكفل بأمر طائفةٍ فإنه يقال هو زعيم؛ فإن كان قد تكفل بخير كان محمودًا على ذلك، وإن كان شرًا كان مذمومًا على ذلك، وأمّا (رأس الحزب) فإنه رأس الطائفة التي تتحزب -أي تصير حزبًا-؛ فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
التعصب
وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا -مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أم على الباطل- فهذا من التفَرُّق الذي ذَمَّه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله ورسوله أَمَرَا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.
تحريك الركود السياسي
يكفي لبيان خطورة عصر ابن تيمية أن نقول أنه عصر اجتياح التتار لبلاد الإسلام، ذلك الغزو البربري الوحشي الذي لم يشهد له العالم مثيلاً منذ أن خلق الله الأرض وحتى يومنا هذا.
يقول ابن الأثير: لقد بقيت سنين عدة معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه رِجلاً وأؤخر أخرى؛ فمَن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا، إلا أنني حثّني جماعةٌ من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقفٌ، ثم رأيت أن تَرْك ذلك لا يُجدي نفعًا؛ فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عَمَّت الخلائق، وخَصَّت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالَم مذ خلق الله -سبحانه وتعالى- آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقاً؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.
أعظم الحوادث
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله (بختنصر) ببني إسرائيل من القتل، وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس؟، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟؛ فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يَرَون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالَم وتفنى الدنيا، إلا يأجوج ومأجوج، وأما الدجال فإنه يبقي على من اتَّبَعه، ويُهلك مَن خالفه، وهؤلاء لم يُبقوا على أحدٍ؛ بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشَقُّوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التفاعل مع مستجدات الواقع
تفاعَل ابن تيمية مع مستجدات الواقع، ولم ينكفئ على نفسه ويفر هاربًا إلى بلدٍ أكثر أمنًا كما فعل ذلك كثيرٌ من العلماء في عصره؛ ولكنه غادر محراب العلم وانتقل إلى ميدان الجهاد، تحرَّك ابن تيمية في ذلك الوقت وقام بأعمالٍ ربما تعجز دُوَلٌ كاملة عن القيام بمثلها؛ فعلى الصعيد العلمي: كَتَب الكُتُب وأصدر الفتاوى التي تختص بهذه النازلة، وعلى الصعيد السياسي: ذهب إلى الأمراء والسلاطين وحَثَّهم وشَجَّعَهم على القتال والجهاد، وعلى المحور الدبلوماسي: فقد انتدب نفسه مع جماعة من الوُجَهاء للذهاب إلى ملك التتار ومقابلته والتفاوض معه، وعلى الصعيد الشعبي: فقد ألهب حماسة المسلمين، وقَوَّى مِن عزائمهم، وشَجَّعَهم وأثار النخوة في دمائهم، ثم ختم ذلك بالمشاركة العسكرية المُبَاشِرة مع الجيوش التي واجهت التتار.
المشاركة السياسية
لم تقتصر المشاركة السياسية لابن تيمية على نازلة التتار فقط؛ ولكن كان اسمه يتردد بقوة في بلاط السلطان؛ فلم يتردد رحمه الله في الدخول على السلاطين لإسداء نصيحةٍ، أو تقديم طلبٍ، وأحيانًا كان الوُشَاة والأفاقون يكذبون عليه عند السلطان فيطلبه للمثول بين يديه ليستوضح منه الأمر، وفي مرات أخرى كان الفقهاء يطلبون مُنَاظَرته في حضرة كبار علماء السلطنة بسبب بعض رسائله أو فتاويه.
العلاقة مع الملك الناصر
ولم تكن العلاقة بينه وبين الملك الناصر على وتيرة واحدة؛ فقد توطّدت العلاقة بينهما منذ حرب التتار، وقد عظم ابن تيمية في عين السلطان بدرجة جعلته يرفعه فوق كل العلماء والفقهاء الرسميين والمقربين، ولكن هذه المكانة لم تدم طويلًا؛ حيث عُزل الملك الناصر وجاء خلفه المظفر بيبرس وكانت هذه الفترة من أشد فترات المحنة التي أصابت ابن تيمية، ولاسيما عندما أفتى بعض الفقهاء بكفره وإهدار دمه.
لم يدم الأمر طويلاً
ولم يدم هذا الأمر طويلًا؛ فقد تمكن الناصر من بيبرس وأرغمه على الاعتزال؛ وما أن استقر الناصر على كرسي السلطنة حتى أفرج عن ابن تيمية، وأراد الناصر أن ينتقم من الفقهاء والعلماء الذين ناصروا المظفر عليه، وحاول أن يستنطق ابن تيمية في جواز قتلهم، ولكن ابن تيمية رفض ذلك، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم. قال له السلطان: لقد آذوك وأرادوا قتلك؛ فقال له ابن تيمية: أنا لا أنتصر لنفسي، وظل يُكَلِّم السلطان حتى عَفَا عنهم جميعًا، لذلك علق ابن مخلوف -وهو أحد الذين أهدروا دم ابن تيمية- قائلًا: ما رأينا مثل ابن تيمية؛ حَرَّضْنا عليه فلم نقدر، وقَدَر علينا فصفَح وحَاجَّ عنا.
ومع توطُّد العلاقة بين ابن تيمية والناصر إلا أن ابن تيمية حُبس بعد ذلك بسبب إصراره على القول بفتواه في الطلاق التي خالف فيها عامة فقهاء عصره، و-سبحان مغير الأحوال-؛ فالناصر الذي لم يرضَ أن يبقى ابن تيمية في الحبس يومًا واحدًا بعد عودته إلى سُدة الحكم، إذ به يُصدر قرارًا بسجنه!، فالمُلك له صولته، والمصالح عند الملوك والسلاطين لها ميزان خاص، وصديق اليوم قد يصبح في غمضة عين عَدُوَّ الغد؛ فهم لا يطيقون عصيان الأوامر أو مُخَالَفة التوجيهات، ومن يتصدّى من العلماء للعمل العام والظهور في النوازل يجب أن يعرف هذه الحقيقة؛ فهذه ضريبة قد يدفعها هذا النوع من العلماء، ولكنهم يحتسبون الأجر والثواب عند الله.
وها أنت ترى أن السلطان الذي قرّب ابن تيمية وهو شابٌ في اكتمال قوته لم يتورع عن حبسه بعدما تجاوز الستين من عمره، لمجرد أنه ألزمه بعدم التحدث بفتواه في الطلاق، وابن تيمية يرى أنه يلزمه ديانةً ألا يكتم هذا العلم؛ ومع ذلك فقد مكث ابن تيمية في السجن خمسة أشهر ثم أفرج عنه الملك.
الحبس الأخير
أما الحبس الأخير الذي تُوفِي فيه ابن تيمية فقد كان بسبب فتواه في القبور، وصدر المرسوم الملكي بحبس الشيخ في قلعة دمشق، وكان الحبس في مبدئه كريمًا يليق بمقام الشيخ؛ فوَفَّروا له المتطلبات الحياتية، كما يَسَّروا له استخدام الكتب والأوراق؛ فتفرغ الشيخ للكتابة والعبادة، بل كان يكتب الكتب والرسائل ويُخرجها إلى خارج السجن، فتنتشر في الآفاق ويذيع صيتها بين الناس، وكان من بين هذه الرسائل رسالة فيها رد على الإخنائي في شأن زيارة القبور، فتوجه الإخنائي إلى السلطان وشكا ابن تيمية إليه.
المرسوم الملكي
وصدر المرسوم الملكي بإخراج ما عند ابن تيمية من الكتب والأوراق والمحابر، ومُنِع من المُطَالَعة والقراءة منعًا تامًا؛ حيث وجد الخصوم أنهم حبسوا جسده، ولكن ظل فكره حرًا طليقًا يجول بين الناس ويؤثر فيهم؛ فقرروا سجن هذا الفكر ومحاصرته، بل طال البلاءُ تلامذتَه ومحبيه خارج السجن؛ فحَبَس قاضي القضاة جماعة من تلامذته، وعزّر بعضهم ونادوا عليهم في الطرقات.
ختام حياته
الخلاصة أن ابن تيمية اختتم حياته بالجهاد في هذا الميدان معتَقَلًا على يد السلطان الذي لاذ به عند ملاقاة التتار، وهو يعرف قدره ومكانته وإخلاصه؛ ولكن قدر الله أمرًا من البلاء لعله كان خيرًا لابن تيمية، ونسأل الله أن يكون قد رفع له بهذا البلاء درجاته في عِلِّيين، وأن يحشرنا وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
لاتوجد تعليقات