(لا للأحزاب الدينية) حملة مشبوهة لحل الأحزاب الدينية في مصر
الحملة استنساخ لتجربة تمرد ضد الأحزاب الإسلامية التي نجت من محرقة 30 يونيو
الحملة جاءت بعد أن يئس الكثيرون من أنصار التيار الليبرالي من جدوى الدعاوي القضائية لحل الأحزاب الإسلامية
المعلقين: سيظل حزب النور داعماً لوحدة الشعب المصري، ولن يُستدرج لعمل حملات مضادة، لإيمانه بأن مصر تتسع لكل أبنائها
الحملة لن تنجح فيما تصبو إليه؛ لأن الأحزاب الإسلامية دستورية، ووفق شروط القانون بالبرامج والأهداف
بدأت قبل أيام عدة في محافظة الإسكندرية، دعوات تطالب بحلّ الأحزاب الدينية في مصر، تحت شعار (لا للأحزاب الدينية)، التي دشنتها مجموعة من السياسيين، بهدف جمع تواقيع المواطنين لحلّ الأحزاب التي تخالف الدستور -على حد زعمهم-، وجاء هذا التحرك المحموم بعد أن رفض القضاء الإداري أكثر من دعوى تطالب بحل حزب النور من قبل بعض السياسيين اعتراضا على وجود الحزب ذي المرجعية الدينية على حد قولهم.
حركة تمرد من جديد أم نسخة معدلة
ما يزال مشهد 30 يونيو وعزل الدكتور مرسي الذي ظهرت فيه وبقوة الحملة الشعبية (تمرد) التي قادها مجموعة من الشباب المدعوم ببعض القوى السياسية والأذرع الخفية لبعض الجهات، ما يزال هذا المشهد ماثلا أمام الأعين، وبرغم اختفاء الرموز التي صنعتها حركة تمرد إثر الانقسامات التي شهدتها الحركة وحالة التلاسن وتبادل الاتهامات بالتمويل والفساد بين أعضائها والصراع الشديد على التصدر للحديث باسم الحركة، فضلاً عن المحاكمات التي طالت بعض أعضاء الحركة، وألقت بالعديد منهم خلف السجون في قضايا جنائية وسياسية، إلا أن الحركة نفسها ما زالت ملهمة للكثيرين الذين استقر في حسهم قوة الحركة الشعبية وقدرتها على تغيير المعادلات السياسية في البلاد سواءً كانت هذه القوة حقيقية أم مبالغاً فيها نظراً لوجود دعم خلفي من أجهزة الدولة التي لم تكن يومًا على وفاق مع الدكتور مرسي ولا حكومة الحرية والعدالة.
استنساخ التجربة
هذه الحالة أغرت بعضهم بمحاولة استنساخ التجربة مرة أخرى ولكن باتجاه عدد من الأحزاب الإسلامية التي نجت من المحرقة التي طالت حزب الحرية والعدالة بعد أحداث 30 يونيو، وتحديداً حزب النور الذي انحاز في نهاية الأمر إلى المطالبات الشعبية بالتغيير وكان حاضرًا في مشهد 3 يوليو بعد محاولاته المتكررة مع الدكتور مرسي وحزب الحرية والعدالة بضرورة التوافق حول مخرج سياسي للأزمة التي مرت بها البلاد.
حزب النور تحديدًا
سلك بعض السياسيين المسلك القانوني المعتبر في الاعتراض على أحد الأحزاب والزعم بمخالفته للدستور، وطالب بحل حزب النور تحديداً إلا أن لجنة شؤون الأحزاب أحالت هذه المطالبات إلى القضاء الإدراي الذي رفض هذه الدعاوى، فضلاً عن رفض عدد من المحاكم مختلفة الدرجات أيضاً لهذه الدعاوى ليخرج حزب النور من هذه المعركة بأقل قدر ممكن من الخسائر.
تجدد مطالب الحل
ومع قرب الانتخابات البرلمانية التي ينتظرها الجميع، تجددت هذه الدعاوى مرة أخرى ولكن في صورة مطالبة شعبية كتلك التي قادتها حملة تمرد قبل 30 يونيو، وذلك للضغط على الدولة باستصدار حكم بحل حزب النور وعدد من الأحزاب الأخرى ذات الخلفية الإسلامية كحزب مصر القوية الذي يرأسه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين، وجاءت هذه الحملة فيما يبدو بعد أن يئس الكثيرون من أنصار التيار الليبرالي من إقدام الدولة على حل حزب النور ولاسيما بعد تصريحات متكررة لرئيس الدولة المشير السيسي ورئيس الوزارء الدكتور محلب بكون حزب النور شريكاً أساسياً في العملية السياسية بل ودعوة بقية الأحزاب للتواصل الفعال مع حزب النور.
حركة الدعوة لحل الأحزاب الدينية
وبالفعل عقدت حملة حل الأحزاب السياسية على أساس ديني يوم الثلاثاء 11أغسطس المؤتمر الصحفي لتدشين الحملة بنادي نقابة التجاريين بشارع رمسيس، أعلنت خلالها عن أسماء الأعضاء المؤسسين لها وكذلك تشكيل لجنة حكمائها.
كما أعلنت الحملة عن هدفها وهو جمع مليوني توقيع من المواطنين لحل أحزاب النور والبناء والتنمية ومصر القوية وبقية الأحزاب القائمة على أساس ديني على حد تعبيرهم.
آراء المراقبين
وتعليقًا على هذه الحملة قال عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: «إن هذا الصراع السياسي لن يأتي بنتيجة، ووصفه بالطحن في الهواء والحفر على المياه، وعدَّ حملة (لا للأحزاب الدينية) جاءت نتيجة عدم فاعلية الأحزاب وغيابها في الشارع، وفي المقابل يسير النور بخطى ثابتة نحو التجهيز للانتخابات البرلمانية».
وأوضح أنه منذ تأسيس الأحزاب في عام 1976، وهي اعتادت على الوجود الإعلامي بين الجماهير فقط، دون تقديم الخدمات وتفرغت للصراعات الحزبية، مؤكدًا أنه لا يعني ذلك أن حزب (النور) جيد، لكن وجوده قوي في الشارع مقارنة بباقي الأحزاب السياسية.
وأضاف: «إن الأزمة لن تحل نهائيًا، ولن يخرج النور من المعادلة السياسية؛ لأنه طرف فاعل في ثورة 30 يونيو، كما أنه لابد من وجود بديل عن الإخوان في المشهد».
الحملة لن تنجح
من ناحيته قال المحلل السياسي عبد الفتاح محمد: «إن الحملة لن تنجح فيما تصبو إليه؛ لأن أحزاباً مثل (النور، والوسط، ومصر القوية، وغيرها) دستورية، وشروط القانون بالبرامج والأهداف، وسبق أن فشلت دعوات قضائية سابقة في الحصول على حكم قضائى بحلها.
وتابع يتوجب على الحملة أن تثبت أن ممارسات هذه الأحزاب دينية، أو مخالفة، وإلا فستكون بلا فائدة.
وأشار عبدالفتاح أن ملاحقة أحزاب الإسلاميين قضائيا أمر صعب؛ لأن القضاء رفض مسبقا دعاوى حل هذه الأحزاب؛ لأن برامجها تتطابق مع القانون والدستور، ولا يوجد بها عوار.
شُو إعلامي
ومن جهته قال أحمد إمام المتحدث باسم حزب مصر القوية: إن الدعاوى القضائية المطالبة بحل الحزب، الهدف منها فقط الشُّو الإعلامي، ويتقدم بها محامون يبحثون عن الشهرة، حتى يتم نشر أسمائهم في الجرائد ومن ثم يتهافت عليهم الزبائن، وأضاف إمام أن الحزب لا يهتم بهذه الدعاوى؛ لأنها مقيميها أقل بكثير من التعليق عليهم، مؤكدًا أن الحزب أُسس بطريقة قانونية.
مرتزقة
وعلى الجانب الليبرالي، انتقد خالد إسماعيل -المتحدث باسم حركة شباب 6 إبريل- الحملة التي أطلقتها بعض الأحزاب والشخصيات السياسية لرفع دعاوى قضائية لحل حزبي النور ومصر القوية، بحجة أنهم أحزاب دينية، ويدعمون جماعة الإخوان المسلمين، واصفا القائمين عليها بـ(المرتزقة). وأنهم يسعون للتقرب من السلطة والنظام الذي يحكم حاليًا.
رد فعل الأحزاب الإسلامية
في المقابل تتعامل الأحزاب المستهدفة من الحملة بهدوء شديد تجاه هذا التحرك استناداً إلى قوة موقفهم القانوني ووجود الحاضنة الشعبية ولاسيما في حالة حزب النور.
من ناحيته عبر الدكتور طلعت مرزوق البرلماني السابق ورئيس اللجنة القانونية بحزب النور عن دهشته من هذه الحملة بعد أن خسر بعض من قادة هذه الحملة دعاوى بالمضمون نفسه أمام المحاكم.
وأضاف أنه لا شك عندي أن هذه الحملة فاشلة، ولن تصل إلى أي من أهدافها، بل قد تحقق نتائج عكسية في هذا الوقت الذى تستعد فيه البلاد للانتخابات البرلمانية؛ نظراً لأنها خارج إطار الدستور والقانون، ولما تنتهجه من سياسة الإقصاء والتمييز.
وسيظل حزب النور داعماً لوحدة الشعب المصري، ولن يُستدرج لعمل حملات مضادة، لإيمانه بأن مصر تتسع لكل أبنائها.
فتور حزبي في التعاطي مع الحملة
وعلى الصعيد الحزبي لم تلق هذه الحملة تجاوباً كبيراً من الأحزاب السياسية التي عَدَّتْ هذا النوع من المسالك السياسية إنما هو من قبيل إعلان الإفلاس السياسي قبل الانتخابات البرلمانية، وقد قال ناجي شهابي -رئيس حزب الجيل-: إن حملة حل الأحزاب الدينية استكمالًا لمسلسل الفوضى الذي ساد مصر.
وأضاف (شهابي): أن كل فترة يخترع النشطاء حملات لا داعي لها لإشغال الرأي العام، لافتًا إلى أن القانون رسم طريقاً وحيداً لكل الأحزاب الدينية.
وأشار إلى أن كل من يمتلك أدلة ومستندات على ممارسة حزب العمل الديني، التقدم إلى لجنة شؤون الأحزاب، وإذا ثبت أنه حزب ديني، يتم حله.
وأكد (شهابي) على أن الحملة لن تستطيع حل أي حزب ديني، وعليها رفع الأمر للمحكمة للبت في أمر الأحزاب، مدعّمة ذلك بالمستندات، لافتًا إلى أن الانتخابات قادمة، وعلى الشعب الفرز بين تلك الأحزاب.
انقسامات مبكرة داخل الحركة
العجيب في الأمر أن سيناريو الانقسامات داخل حركة تمرد قد بدأ مبكراً هذه المرة مع الحملة وسط تراشق لفظي وتلاسن واتهامات بالعمالة بين عدد من المؤسسين؛ مما أوقع الكثيرين من المتابعين لأنشطة الحركة في الارتباك والإحباط نتيجة هذا التشرذم الذي عزاه الكثيرون إلى محاولة البحث عن الأضواء والشهرة
وعلى كل فالجميع متابع لما ستسفر عنه الأيام من نتائج هذه الحملة، وهل سيستمر صمت حزب النور وبقية الأحزاب المهددة أم سيكون لهم تحركات مضادة للتأكيد على وضعهم القانوني والشعبي؟ وهو ما رجحه الكثيرون بأن تحرك حزب النور سيأتي في وقت قرب الاستحقاق البرلماني لجني ثمار الدعاية المجانية التي تقوم بها الحملة، وما يمكن أن تسفر عنه من توحيد الصف الإسلامي خلف النور مرة أخرى وتجديد التعاطف الشعبي نظراً لكون الشخصيات التي تم تقديمها بوصفهم رموزاً لهذه الحركة هم من المعروفين بعدائهم للتوجه الإسلامي.
وأخيرًا: فإن ظهور مثل هذه الحملات المشبوهة التي لا هم لها إلا معاداة كل ما هو إسلامي سواء كيانات أم أفكار أم حتى مؤسسات رسمية أو مدنية، يضعنا أمام تساؤلات عدة أهمها:
- مَن الذي يُمول مثل هذه الحملات؟ ولمصلحة مَن؟.
- لماذا في هذا التوقيت تحديداً ومصر على أعتاب انتخابات برلمانية؟.
- مَن الذي يقرر أن هذا الحزب على أساس ديني من عدمه؟.
- هل يعنى ذلك تعطيل مؤسسات الدولة واستئناف مسلسل الحملات المهدِدة للاستقرار؟.
- هل ستصبح ظاهرة جمع التوقيعات وسيلة من وسائل الإثبات القانوني؟.
- ما الذي يضمن صحة هذه التوقيعات، وعددها، وكل ما يتصل بها؟.
- هل سيرحب هؤلاء بحملات مضادة؟.
- وإلى متى تظل مصر في نفق الحشد والحشد المقابل؟
- وإلى متى يظل بعض السياسيين مصممًا على المعادلة الصفرية وإصراره على إقصاء الآخر؟
- ومتى يدرك هؤلاء أن هذه المحاولات ما هي إلا معاول هدم في جدار الوطن وبنيانه الذي إذا انهار سينهار على رؤوس الجميع ووقتها لن ينفع الندم؟!
لاتوجد تعليقات