رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 22 يوليو، 2018 0 تعليق

كيف ندرِّب الأبناء على إدارة الغضب؟

كثيرا ما نشتكي من ارتفاع سَوْرة الغضب لدى أبنائنا في مرحلة الطفولة، وقد يؤدي ذلك إلى تحول المنزل إلى ساحة قتال؛ مما يؤرق الوالدين، ويظل كل منهما يسأل نفسه: أين الخلل؟ وما الطريق الصحيح لتربية الأبناء على المشاعر المتوازنة، وتجنب العصبية والغضب غير المنضبط؟ وهذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال السطور القادمة.

     أعزائي، الطفل في السنوات الأولى من عمره يعبر عن غضبه بأعمال غير موجهة ضد أحد؛ لأن غريزة القتال لديه لا تكون قد تطورت تطوراً كافيا، وذلك مثل الصراخ، وإلقاء نفسه على الأرض والرفس بالقدمين والقفز إلى أعلى، ثم بعد سن الرابعة تخف حدة هذه التعبيرات لديه، ويستبدل بها استخدام الألفاظ الجارحة مثل الشتم والتهديد، والأطفال يتفاوتون في درجة الغضب، وكذلك في مدة نوبات الغضب طولاً وقصراً .

وترجع أهم أسباب انفعال الغضب الزائد عند الأطفال إلى:

- الغيرة من الزملاء والإخوة.

- الفشل في الدراسة والتحصيل.

- القسوة المفرطة من الوالدين في التربية.

- إشعار الطفل بالحب.

- التدليل المفرط الذي يسوق الطفل إلى تحقيق رغباته كلها دون ممانعة.

- تقليد الطفل لوالده إذا كان كثير الغضب والانفعال أمام الولد.

- إصابة الطفل بعاهة من العاهات الجسدية.

استغلال الطفولة المبكرة

يكاد يجمع علماء النفس والاجتماع والتربية على أن شخصية الطفل، وما سوف يؤول إليه من اتجاهات انفعالية ومزاجية، تتحدد في السنوات الأولى من عمره؛ وذلك لأن الجهاز العصبي الغض للطفل يكون أكثر قابلية للتكوين.

     لهذا كان استغلال هذه الفترة المبكرة من عمر الطفل في توجيهه نحو الخير، وتركيز المعاني الحسنة في نفسه وعقله، له الأثر الأكبر- بعد توفيق الله - في استقامته وصلاحه عند كبره واشتداد عوده، ويشير إلى هذا المعنى الإمام الماوردي -رحمه الله- مؤكداً أهمية فترة الطفولة في توجيه الولد وتأديبه؛ فيقول: «فأما التأديب اللازم للأب فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها، وينشأ عليها؛ فيسهل عليه قبولها عند الكبر، لاستئناسه بمبادئها في الصغر؛ لأن نشأة الصغير على شيء تجعله متطبعاً به، ومن أغفل في الصغر، كان تأديبه في الكبر عسيراً».

 كيف نوجّه انفعال الغضب لدى الأبناء؟

     من الحقائق الثابتة تربوياً، لانقدر على قمع الغضب والشهوة بالكلية، ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه، وستكون المحاولات عبثاً إن ظن الأب أنه يمكن انتزاع الغضب بالكلية من نفس ولده؛ فإن هذا لا طائل وراءه، بل يعمل جاهداً على تهذيب نفسه مبكراً، وتربيته بالتدريج، وتدريبه على ضبط انفعالاته والتحكم فيها.

     وعليه أن يعرف أن الجبلات والطبائع مختلفة ومتنوعة وهو ما يعرف بـ(الفروق الفردية)، منها ما هو سريع الاستجابة والقبول، ومنها ما هو بطيء، فلا يمل من متابعة ولده وتوجيهه، والصبر عليه، وإن طال ذلك، على أن يلاحظ أن هناك درجة لا يمكن أن يتعداها الإنسان في بلوغ مراتب الأخلاق والصفات الحسنة؛ فإن الأخلاق مقسمة بين الناس حسب الحكمة الإلهية؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم». صححه الألباني، والأب الفطن يمكن أن يعرف حدود إمكانات ولده وقدراته، فلا يحمله من الآداب والأخلاق ما لا يطيق؛ فإن صدر عنه بعض الزلات في ساعات غضب، صَبَرَ عليه ووجّهَه دون أن ينفعل؛ لئلا يزيد من سوء الموقف.

الخطوات العملية

وإليكم هذه الخطوات العملية نحو تدريب الأبناء على ضبط  انفعال الغضب:

- نعلمه كيف يتحدث عن مشاعره السلبية؛ فلو لم يعجبه شيء لا يصرخ أو يغضب، أو ينسحب من المكان، أو يأكل أظافره، أو يمزق ثيابه، أو غيرها من التصرفات السلبية، وإنما نعلمه وندربه على التعبير بالكلام؛ فنقول له: تكلم وعبر عما في نفسك.

امدح طفلك

- امدح طفلك عندما يعبر عن مشاعره السلبية والغاضبة بطريقة صحيحة، من خلال الكلام والحوار، مع تشجيعه على هذه التعبيرات، بدلاً من السكوت أو الغضب.

تجنب السخرية

- علينا أن نتجنب سلوك السخرية من الطفل أو توجيه الانتقاد الجارح له، أو جعله مادة لسخرية الآخرين؛ فإن هذه الطريقة تفسد أكثر مما تصلح، بينما الاقتراب من الطفل وتوجيه النظر الحاد إلى عينيه، مع التعبير عن الاستياء من سلوكه الغاضب، من الممكن أن يكون أكثر زجراً له دون أن نجرح مشاعره.

اترك الطفل

- إذا عبر الطفل عن غضبه بمجرد البكاء والصراخ دون أن يكسر شيئًا أو يؤذي نفسه؛ فلنتركه يبكي حتى يبلغ الذروة في ذلك، ونتشاغل عنه، المهم ألا يستفيد من بكائه في فرض شروطه أو تلبية رغباته.

لا تناقشه وهو غاضب

-  لا فائدة من مناقشة الطفل الغاضب، وإنما الأفضل أن نقلع عن الكلام أثناء غضبه؛ فإذا هدأ تحدثنا معه بهدوء.

لا تغضب

- علينا ألا نغضب إذا غضب أحد أبنائنا، وإنما نحاول أن نفهم أسباب غضبه، فقد يغضب الطفل بسبب احتياجه للطعام أو الشراب أو عرقلة لعبه؛ فإذا كان بسبب الجوع مثلاً أمّنا له الطعام، وسعينا ألا يتأخر عن موعده، وإن كان بسبب تعطل إحدى لُعبه أصحلناها له، وهكذا

كرّر التوجيه

- مجرد غضب الطفل لا يستدعي العقاب، وإنما نكرر عليه التوجيه مرة أخرى بعد إعطائه فرصة للتعبير عن غضبه، ونشرح له كيف يعبر عن مشاعره بطرائق كثيرة؟ ومنها الحوار، والكلام، ونساعده على ذلك، وشرح ما في نفسه من أفكار ومشاعر، مع ترديد عبارات الحب له.

القوي حقاً

- نؤكد لهم على مفهوم أن من يملك نفسه عند الغضب هو القوي حقاً، كما علمنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد هو من يملك نفسه عند الغضب».رواه البخاري، كما نأمرهم بالاستعاذة من الشيطان، والوضوء، وتغيير الجلسة، أو المكان.

لا تذكره بغضبه

- بعد أن ينتهي غضب الطفل لا تتحدث عنه ولا تذكّر الطفل به، واحذر أن تحمل ضغينة في نفسك تجاه طفلك؛ فإن ذلك يؤدي إلى زيادة نوبات غضبه، ويجعلها أكثر حدة في المستقبل.

التدريب العملي خفيف الظل

     وهناك طرائق لطيفة وخفيفة الظل في تدريب الأبناء عملياً على التحكم في مشاعر الغضب، مثل أن يحضر الأب المرآة لابنته كلما غضبت ويقول لها: انظري إلى نفسك بالمرآة؛ فتضحك وقتها ويزول الغضب عنها، أو أن تقول الأم لولدها: كلما غضبت ضع خطا بالورقة المعلقة على الجدار، وإذا صرت حليما امسح خطا وسينجح الابن مع الوقت في مسح الخطوط، وهناك طريقة ثالثة للأبناء الأكبر سناً، يقترح فيها الأب على ولده المراهق أن يعبر عما في نفسه بالكتابة على الورق، وقد نجحت هذه الطريقة مع الكثير من الكبار أيضاً، وهكذا.

ومع كل ما ذكرنا علينا أن نعلم أبناءنا متى يغضبون في الوقت الصحيح، وفي المكان الصحيح، ومع الشخص الصحيح؟ ولو وصلوا لهذا المستوى؛ فإن هذا ما نسميه (بالذكاء العاطفي)، وهو مهم جدا للحفاظ على صحتهم النفسية. 

     وأخيراً عزيزي المربي، من الطبيعي أن يغضب الطفل وأن يثور، ومن غير الطبيعي أن نصادر هذه المشاعر الطبيعية لديه ما دامت في إطارها المقبول، وعلينا أن ندربهم مبكراً على التحكم الجيد في انفعالاتهم؛ فهذه القدرة من أهم مؤهلات الشخصية السوية التي نرجوها جميعا لأبنائنا وبناتنا.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك