قناديل على الدرب – الجماعات الإسلامية (3)
هل بعد هذا الشر من خير؟! سؤال يفرض نفسه ؛ نتيجة لسقوط الأمة – إلا من رحم الله – في ظلمات التفرق والتحزب والاختلاف، فما لبث أن أخذ الفساد والانحطاط يستشري في جسدها، فقد أصبح الإسلام مقصورًا في الحياة الواقعية على الأحوال الشخصية والنواحي التعبدية، وأضحى الناس شيعًا وأحزابًا وجماعات متنافرة متدابرة.
هنا قد يظن بعضهم أن الخير قد نفد، وأن الشر قد أرخى سدوله على سماء المعمورة، وتسرب اليأس إلى النفوس، فيقف بعضهم ويتساءل: هل بعد هذا الشر من خير؟
دعونا نسمع ما رواه حذيفة بن اليمان؛ حيث قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني؛ فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، وجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: «نعم».
قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟
قال: «نعم، وفيه دخن».
قلت: وما دخنه؟
قال: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر».
قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟
قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها».
قلت: يارسول الله صفهم لنا.
قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا».
قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم».
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك». متفق عليه.
إذاً الخير والشر قوام المجتمع الإنساني، ودونهما تستحيل حركة الحياة وتتعذر، فالخير لا يعرف إلا بالشر. والخير الذي أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم حتى هو لم يكن خيرًا خالصًا بل فيه دخن، والدخن نوع من الانحراف يعتري المنهج النبوي الحق الذي كان يسود مرحلة الخير الخالص، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير الدخن: «قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر».
إذاًن يتضح أن الدخن الذي شاب الخير فكدره وغيّره، هو البدع التي استحدثتها بعض الفرق الضالة كالخوراج، والصوفية، والجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، والمرجئة، والروافض... وغيرهم، منذ قرون ابتغاء الفتنة، فهبوا على الإسلام تحريفًا، وتأويلاً بلا علم ولا دليل شرعي مانع جامع. فاختلط الحابل بالنابل والخير بالشر والحلال بالحرام، وصارت كل جماعة منهم لها علماؤها الذين يفتون بغير علم ولا هدي، فضلوا وأضلوا.
والله الموفق والمستعان.
لاتوجد تعليقات