رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ذياب أبو سارة 30 مارس، 2026 0 تعليق

قراءة شرعية في آثار التطرف والإفساد .. ضرورة الأمن .. وخطورة الإرهاب!

  • الإرهاب سلوك عدواني يستهدف أمن المجتمع، ويهدد استقراره، ومن صوره الاعتداء على دماء الناس وأموالهم بغير حق
  • لم يكتفِ الإسلام بالنهي العام عن العدوان؛ بل شدّد على حرمة الدماء تشديداً عظيماً، حتى قال النبي [: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِم»
  •  يُعدّ الشباب من أكثر الشرائح استهدافاًمن قبل تيارات التطرف؛ ومن هذا المنطلق يجب السعي الجادّ في تحصينهم بالعلم الشرعي الصحيح الذي يُبَصِّرُهم بمقاصد الشريعة
  • شددت الشريعة على أهمية حفظ وحدة المجتمع ومنع التفرق والخروج كما في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}
  •  قال -تعالى-: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وهذا يدل على أن كل عمل يستهدف الأبرياء أو يعرّض حياتهم للخطر - كما هو شأن العمليات الإرهابية - هو من أعظم صور الفساد في الأرض
  • حرم الإسلام الاعتداء على المدنيين الآمنين... بكل نوع من أنواع الإيذاء والترويع؛ ففي حديث مسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه»
  • قررت هيئة كبار العلماء في أكثر من بيان أن الإرهاب جريمةٌ نكراء وظلمٌ وعدوان تأباه الشريعة والفطرة بكل صوره وأشكاله
  • الإرهاب على اختلاف صوره وتعدّد شعاراته وتلوّن مبرّراته ليس ولن يكون طريقاً إلى إصلاحٍ أو نهضة، ولا وسيلةً مشروعةً لنصرة حقٍّ أو دفع باطل؛ بل هو انحرافٌ بيّن عن هدي الشريعة
  • الإرهاب في صورته المعاصرة لم يعد مقتصراً على الاعتداء الفردي المباشر بل قد يتخذ أشكالاً أخطر تستهدف البنى التحتية، وضرب نسيج المجتمع وتهديد الأمن واستهداف السيادة الوطنية
  • تعود أسباب الانحراف نحو التطرف والإفساد -في مقدمتها- إلى الجهل بالعلم الشرعي الصحيح، إذ يؤدي غياب التأصيل العلمي الراسخ إلى فقدان الميزان الذي تُوزن به النصوص والأحداث
  • نعمة الأمن والاستقرار من أجلِّ النعم التي تقوم عليها حياة الأفراد والمجتمعات، ولا تستقيم بدونها سائر المصالح الدينية والدنيوية، مما يوجب صيانتها والتعاون على حفظها
   

 مما لا يخفى أنَّ ظاهرةَ التطرف والغلوّ ليست حالةً عابرةً؛ بل هي مظهرٌ لتسلُّل الأفكارِ المضللّة إلى بعض النفوس الضعيفة، ومن هنا تبرز مسؤوليةُ الخطاب العلمي الموثوق في كشف تلك الأفكار، وتحصين العقل المسلم، والأجيال الناشئة بسلاح العلم الشرعي الصحيح المبني على كتاب الله، وسنة نبيه الصحيحة وهدي السلف الصالح رضوان الله عليهم.

 ويأتي هذا الملفّ ليُعالج قضيةً محورية تمسُّ أمن أوطاننا وسلامة مجتمعاتنا، ألا وهي: قضية الإرهاب والتطرف في ميزان الشريعة الإسلامية، فتطورات الواقع الراهن تفرض علينا دائمًا العودةَ إلى هذا الملف المهم تجديدًا للبيان وتأكيدًا للحقيقة،  وليس هذا الملفّ مجرّد رصدٍ للظاهرة؛بل هو بيانٌ شرعيّ موجز يستند إلى الكتاب والسنة وقواعد الشريعة الكلية، لتتضح الصورة جليّة: أنَّ الإرهاب لا ولن يكون طريقًا للإصلاح، وأنَّ الأمن نعمةٌ كبرى يجب صونها والمحافظة عليها، وذلك في إطار الهدي النبوي القائل: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ»..

 

استنكار وتضامن منظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي

أهمية التضامن مع الدول الأعضاء المتضررة من الاعتداءات الإيرانية

أكدت كل من منظمة التعاون الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي أهمية التضامن مع الدول الأعضاء المتضررة من الاعتداءات الإيرانية، وشددتا على أهمية الوقف الفوري لهذه الاعتداءات، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية ذات الصلة، وأكدتا  الحق الكامل للدول المُعتدى عليها في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، وردع العدوان. وأعربتا عن أهمية ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب،  وأشارا إلى أنّ هذا العدوان لا تعرفه الأمّة الإسلامية في قيَم أُخوّتها، ولا في واثِق عُراها، ولا في جهود تفاهمها وتقاربها.

ترحيب بالبيان المشترك

        فقد رحبت الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي بالبيان المشترك الصادر عن الاجتماع الوزاري التشاوري لوزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، المنعقد في الرياض، ولا سيما ما تضمنه من تأكيد ضرورة حماية المدنيين والامتثال لأحكام القانون الدولي.

الوقف الفوري للاعتداءات

        وأعربت الهيئة عن تضامنها مع الدول الأعضاء المتضررة من الاعتداءات الإيرانية، وشددت على أهمية الوقف الفوري لهذه الاعتداءات، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية ذات الصلة، معبرة عن قلقها البالغ إزاء التقارير الموثوقة التي تشير إلى استخدام الإيرانيين صواريخ باليستية وطائرات دون طيار في اعتداءات، استهدفت مناطق سكنية وبنية تحتية مدنية في عدد من الدول الأعضاء، بما في ذلك منشآت النفط، ومحطات تحلية المياه، والمطارات، والمباني السكنية، والمقار الدبلوماسية.

انتهاكات جسيمة للقانون

        وأوضحت الهيئة أن هذه الاعتداءات تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما ما يتعلق بمبادئ التمييز والتناسب، وحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وأن استهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك مرافق المياه والطاقة، يشكل تهديدًا خطيرًا للحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والأمن والتمتع بالخدمات الأساسية، وقد يؤدي إلى آثار إنسانية واسعة النطاق. وفي هذا السياق، تشدد الهيئة على ضرورة امتثال إيران بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مع التأكيد لحماية المدنيين في جميع الأوقات. كما شددت الهيئة على أهمية ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وتدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة وفقًا للمعايير الدولية، بما يكفل إنصاف الضحايا، مشيرة إلى مواصلتها رصد الأثر الحقوقي لهذه الاعتداءات وتوثيقه؛ استنادًا إلى منهجية قائمة على الأدلة، وتدعو الدول الأعضاء المتضررة إلى تزويدها بالبيانات والتقارير ذات الصلة؛ دعمًا لجهود التوثيق والمساءلة.

شجب واستنكار

        فيما ذكرت رابطة العالم الإسلامي أنها لا تزال تتلقى اتصالاتٍ وبرقياتِ شجبٍ واستنكارٍ من أصحاب السماحة والفضيلة، مُفتي وكبار علماء العالم الإسلامي، على إثر العدوان الإيراني الغاشم على عددٍ من الدول العربية والإسلامية، وما استهدفه من المناطق السكنية والأعيان المدنية، ولا سيما العدوان السافر على المملكة العربية السعودية التي تحتضن قبلة المسلمين، ومسجد نبيِّهم الكريم -عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم-، وما يتعرض له جوارُها المبارك من التهديد بمجازفات العدوان، مؤكّدين على الحق الكامل للدول المُعتدى عليها في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها، وردع العدوان.

الإجرام غير المسبوق

         وقد عبّرت مجمل مشاعر أصحاب السماحة والفضيلة عن ألمِهم البالغ من هذا الإجرام غير المسبوق من دولةٍ إسلامية على جيرانها غير المنخرطين في المواجهة العسكرية ضدّها، مؤكدين  تأييدهم التام لكل ما صدر عن الرابطة في هذا الصدد.

خيانة للأمة

         كما أوضحوا أنّ هذه الجناية النكراء تُمثّل في توصيفها الشرعي: خيانةً للأمة، ونكثًا لروابط الأخوّة، وغدرًا بالجوار، وأنّ الألم بها يتضاعف عندما تصدر عن بلدٍ يدعو -بظاهر القول- إلى وحدة الصف الإسلامي وتعزيز أُخوّته. وشدّدوا على أنّ الإسلام ليس مجرد شعارات تُرفع وعبارات تُطلق دون أثرٍ عمليٍّ ملموس، يُمثّل قِيَم الإسلام ويعكس واقعه، فضلًا عمّا يضادُّ ذلك من هذا الاعتداء السافر.

تراكم سوء النوايا

        وأشاروا إلى أنّ هذا العدوان لا تعرفه الأمّة الإسلامية في قيَم أُخوّتها، ولا في واثِق عُراها، ولا في جهود تفاهمها وتقاربها، وأنّه لا يمكن تفسيره إلا على أساس تراكم سوء النوايا وما صاحبها من رهانات خاسرة، بينما يدفع ثمن ذلك ما تصبو إليه الدول الإسلامية من تعزيز وشائج الود، وتفعيل ميثاقها الذي تعاهدت عليه عند إنشاء منظمة التعاون الإسلامي.

عزلة إسلامية

        فيما أوضحَتْ مُجمل مشاعر أصحاب السماحة والفضيلة المفتين وكبار العلماء أنّ إيران ما لم تتوقف عن هجماتها الغاشمة، فإنّها ستكون أمام عزلة إسلامية تعقبها مخاطر وتبعات يقودها إليها وجدانٌ لا يُضمر خيرًا، ولا يعرف حقًّا من باطل.

ضرورة الأمن .. وخطورة الإرهاب!

الأمن حياة ومقصدٌ شرعيٌّ

 أمن الأفراد والأوطان ليس حالةً عابرةً في حياة المجتمعات، ولا ظرفًا مؤقتًا يُلتفت إليه عند الاضطراب وإنما هو أصلٌ تقوم عليه الحياة، وتستقيم به شؤون الناس، وتُحفظ في ظله الضرورات الكبرى التي جاءت الشريعة برعايتها؛ فحيثما وُجد الأمن ازدهرت الحياة، وسكنت النفوس، وأقيمت الشعائر، ونمت المصالح؛ وحيثما اختلّ حلّ الخوف، وتعطّلت السنن، وفسدت الأحوال؛ ولهذا امتنّ الله -سبحانه وتعالى- على أهل مكة بقوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}؛ فجمع بين قوت الأبدان وطمأنينة الأوطان؛ وذلك دلالةً على أن الحياة لا تستقيم إلا بهما معًا.

        ومن تأمّل مقاصد الشريعة علم أن حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعِرض إنما يكون في ظلّ الأمنٍ والاستقرار، وأن أي مساسٍ بتلك النعمة يُعدّ اعتداءً على واحدة من أعظم نعم الله، وخروجًا عن مقاصد الشريعة التي جاءت بالإصلاح لا بالإفساد.

الإرهاب جريمةٌ لا جهاد

         الإرهاب: عدوان يمارس ضد البشرية، ويمسّ الدِّين والنفس والعقل والمال والعرض؛ ويشمل صنوفًا من التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، ويقع تنفيذًا لمشروع إجرامي يستهدف إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم، أو تعريض حياتهم وحريتهم وأمنهم وأحوالهم للخطر؛ فالإرهاب سلوك عدواني يستهدف أمن المجتمع، ويهدد استقراره، ومن صوره الاعتداء على دماء الناس وأموالهم بغير حق، أياً كان ذلك الغطاء الذي يتدثّر به.
  • وقد جاءت الشريعة بسدّ كل الأبواب المفضية إلى هذا العدوان، فنهت عنه مطلقاً كما في قوله -تعالى-: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وقوله سبحانه: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}؛ ولم يكتفِ الإسلام بالنهي العام عن العدوان؛ بل شدّد على حرمة الدماء تشديداً عظيماً، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِم»، والإرهاب في صورته المعاصرة لم يعد مقتصراً على الاعتداء الفردي المباشر؛ بل قد يتخذ أشكالاً أخطر باستهداف البنى التحتية، وضرب نسيج المجتمع وتهديد الأمن واستهداف السيادة الوطنية.

من فكرة منحرفة مظلمة إلى فساد وإفساد!

       ولعل من أخطر ما يواجه المجتمعات في هذا الباب ذلك الخطر الكامن الذي ينمو في الظلام؛ والذي يبدأ بفكرةٍ منحرفة أو تأويلٍ فاسد، ثم يتحول إلى عزلة فكرية عن المسلمين وعلمائهم، ثم إلى تنظيم مغلق، ثم إلى سلوك عملي يستهدف الأمن والاستقرار، وغالباً ما يُلبَس هذا المسار لباس الإصلاح أو الغيرة أو الدفاع عن المظلومين، فيُخدع به بعض الشباب، بينما حقيقته خروجٌ عن منهج الشريعة وانحرافٌ عن مقاصدها.

من أسباب الإرهاب

 ومن الجدير بالذكر أن تلك الانحرافات تتغذى على جملة من الأسباب المتداخلة التي يمكن بيانها على النحو الآتي: 1- الجهل بالعلم الشرعي:  حيث تعود أسباب الانحراف نحو التطرف والإفساد -في مقدمتها- إلى الجهل بالعلم الشرعي الصحيح، إذ يؤدي غياب التأصيل العلمي الراسخ إلى فقدان الميزان الذي تُوزن به النصوص والأحداث، فيبقى الإنسان عرضةً للشبهات والانحرافات دون ما يبددها من نور العلم. 2- تحريف النصوص:  ويزيد الأمر خطورةً تحريف النصوص الشرعية - سواء باقتطاعها من سياقها، أو تحميلها ما لا تحتمل، أو إسقاطها على واقع مغاير- ما ينتج عنه فهم مشوَّه يقود إلى أحكام وسلوكيات منحرفة. 3- الانغلاق الفكري:  حيث يسهم الانغلاق الفكري في تعميق هذا الانحراف؛ حيث ينفصل الفرد عن العلماء الراسخين وأهل الاختصاص، ويكتفي بمصادر مجهولة أو منصات ذات توجهات مضللة، فتتشكل لديه رؤى ضيقة لا تعكس حقيقة الشريعة ولا مقاصدها. 4- التأثيرات الخارجية:  ولا يمكن إغفال التأثيرات الخارجية التي تستغل بعض الأفراد أو الجماعات لتوظيفهم في مشاريع لا تخدم أوطانهم ولا مجتمعاتهم، فيتحولون - عن قصد أو عن غير قصد - إلى أدوات تُستخدم في زعزعة الأمن ونشر الفوضى، بدل الإسهام في البناء والإصلاح.

التأصيل الشرعي لحرمة الإرهاب

         ولا تقتصر حرمة الإرهاب والإفساد في الأرض على الأدلة المذكورة، بل تؤيده نصوصٌ أخرى من الكتاب والسنة وقواعد الشريعة الكلية، تُكوِّن في مجموعها بناءً متكاملاً يقطع بفساد هذا المسلك وخروجه عن هدي الإسلام.
  • حرمة الدماء:  حيث قرر القرآن الكريم أن الاعتداء على النفس ليس جريمة فردية؛ بل جريمة تمسّ الإنسانية كلها كما قال -تعالى-: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، وهذا يدل على أن كل عمل يستهدف الأبرياء أو يعرّض حياتهم للخطر - كما هو شأن العمليات الإرهابية - هو من أعظم صور الفساد في الأرض.
  • تحريم الإفساد: حيث نهى الله -سبحانه- عن الإفساد بعد تحقق الاستقرار كما في قوله -تعالى-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}، وفي هذا دلالة واضحة على أن الإخلال بأمن المجتمعات، أو زعزعة استقرار الدول، أو نشر الفوضى، كل ذلك داخل في النهي الصريح مهما تزيّن بشعارات الإصلاح أو الغيرة.
  • طاعة ولي الأمر:  حيث شددت الشريعة على أهمية حفظ وحدة المجتمع ومنع التفرق والخروج كما في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}؛ ففي هذه الآية أصلٌ عظيم في لزوم الجماعة، وترك مسالك الفوضى والتنظيمات الموازية التي تُنشئ كيانات سرية خارج إطار الدولة.
  • تحريم الغدر والخيانة:  فقد حرّمت السنة النبوية الغدر والخيانة تحريماً شديداً كما في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَان»؛ وهذا يشمل نقض العهود، والعمل على هدم أسس المجتمع وأركانه.
  • حرمة ترويع الآمنين:  وقد حرّم النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرد ترويع المسلم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»؛ فإذا كان الترويع اليسير محرّماً، فكيف بمن يسعى إلى التفجير، أو الاغتيال، أو نشر الخوف بين الناس؟!
  • تحريم إثارة الفتن:  كما شدّد النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن من يسعى لتفريق الجماعة وإثارة الفتنة، وهو نص صريح في تحريم كل ما يؤدي إلى تمزيق وحدة المجتمع أو زعزعة أمنه.
  • التحذير من الغلو والتطرف: حيث حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مسالك الغلو والانحراف التي تفضي إلى استحلال الدماء، فقال في وصف الخوارج: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة»؛ وفي هذا تحذير من الفكر المتطرف الذي يتكئ على تأويلات فاسدة ويقود إلى العنف والإفساد.

القواعد الكلية وتحريم التطرف والإرهاب

- لا تقتصر دلالة التحريم على النصوص الجزئية، بل تؤكدها القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية، ومنها:
  • درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح: فلا يجوز سلوك طريق الفوضى بحجة تحقيق مصلحة متوهَّمة.
  • ما أدى إلى الحرام فهو حرام: ويدخل في ذلك التمويل والتستر والتسهيل والترويج.
  • سدّ الذرائع: وهو منع الوسائل التي تؤدي إلى الفساد ولو بدت في ظاهرها مباحة.
  • تصرّف الإمام منوط بالمصلحة: وفي ذلك تأصيل لشرعية الإجراءات الأمنية التي تحفظ البلاد والعباد.

الهيئات العلمية ومراكز الإفتاء .. موقف ثابت

        قررت هيئة كبار العلماء في أكثر من بيان أن الإرهاب جريمةٌ نكراء وظلمٌ وعدوان تأباه الشريعة والفطرة بكل صوره وأشكاله، وبيّنت أن تلك الأعمال فيها هتك للحرمات المعلومة بالضرورة -حرمة النفس المعصومة، وحرمة الأموال، وحرمة الأمن والاستقرار، وأكدت أن من زعم أن هذه الأعمال من الجهاد فهو جاهلٌ ضال، وأن الإسلام بريء من هذا الفكر المنحرف، كما جرّمت الانضمام إلى الجماعات والتنظيمات المصنفة إرهابية، واعتبرت من ينتسب إليها أو يتعاطف معها  أو يسوغ أعمالها واقعاً في المحظور الشرعي؛ لأنه يعين على الإثم والعدوان، ويهدد أمن الأمة واستقرارها؛ كما شددت على وجوب تعاون المواطنين مع سلطات بلادهم في مواجهة الإرهاب وتعقّب من ينتسب إليه.
  • حرمة استهداف الأنفس المعصومة: حيث أكدت أن أعمال التفجير في البلاد، واستهداف الأنفس المعصومة والممتلكات العامة والخاصة، محرمةٌ في الشرع المطهر، وأن الإسلام بريء من هذه الأعمال، وكما ونصّت على أن تلك الأفعال تصدر من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة، وأنه يتحمل وزرها وحده، ولا يجوز أن تُنسب إلى الإسلام أو إلى عموم المسلمين.
 وفيما يلي نُقول مهمة في ذلك:
  • حُرمة الإرهاب وقتل الأبرياء:  «تحريم جميع أعمال الإرهاب وأشكاله وممارساته، واعتبارها أعمالًا إجرامية تدخل ضمن جريمة الحرابة، أينما وقعت وأياً كان مرتكبوها… ويعد إرهابياً كل من شارك في الأعمال الإرهابية مباشرة أو تسببًا أو تمويلًا أو دعمًا، سواء كان فردًا أم جماعة أم دولة». (قرار مجمع الفقه الإسلامي).
- «لا يختلف المسلمون في تحريم الاعتداء على الأنفس المعصومة… وأن (التفجير) اعتداء على حرمة بلاد المسلمين وترويع للآمنين فيها، وفيه قتل للأنفس المعصومة، وهو من الإفساد في الأرض، وفيه إتلاف للأموال المعصومة». (من فتاوى كبار العلماء).
  • الغلو والتطرف طريق إلى الإرهاب: «الغلو في الدين غير جائز، وهو مما منعه الشرع… والأدلة على ذلك كثيرة… والإرهاب محرّم بكل بصوره وأشكاله، وتحرم وسائله وتجرم تمويله، ونطالب العالم أجمع بأن يتخذ موقفاً موحداً منه». (هيئة كبار العلماء).
  • حرمة ترويع الآمنين:  «حرم الإسلام الاعتداء على المدنيين الآمنين... بكل نوع من أنواع الإيذاء والترويع؛ ففي حديث مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه»»، وإن كل ما يترتب عليه إخافة الناس في بيوتهم، أو في طرقاتهم، أو في دور العبادة، أو في أماكن العمل والتعليم، هو من كبائر الذنوب، وإن صاحبه متوعد بعذاب الله إن لم يتب، ويدخل في ذلك تهديد الناس، ونشر الذعر، وبث الفوضى، وإتلاف الممتلكات؛ لأن كل ذلك داخل في باب الظلم والعدوان المحرم.  (مركز الأزهر العالمي للفتوى).
  • حُرمة الإرهاب والإفساد في الأرض: قرر أهل العلم أن الإرهاب بجميع صوره وأشكاله إجرام محرم شرعًا، وهو من الإفساد في الأرض، لما يترتب عليه من زعزعة الأمن، والجناية على الأنفس والممتلكات العامة والخاصة، وتهديد حياة الآمنين في ديارهم وأعمالهم، وبيَّنوا أن هذه الأعمال الإجرامية لا تمتّ إلى الجهاد الشرعي بصلة؛ لأنها تفتقد الضوابط الشرعية، وتستهدف الأبرياء، وتوقع الفتن بين المسلمين وتشوّه صورة الإسلام في العالم، وقد نص العلماء على أن مرتكب هذه الأفعال مستحق للعقوبات الزاجرة الرادعة؛ لأنها من أعظم صور الظلم والعدوان، ولأن الشريعة جاءت بحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وكلها منتهكة في أعمال الإرهاب.
  • ذمّ الغلو والتطرف:  قررت المجامع الفقهية وهيئات الفتوى أن الغلو والتطرف في الدين محرّمان؛ لأنهما تجاوز لحدود الشريعة، ومصادمة لمنهج الوسطية الذي جاء به الإسلام، وقد جُعل الغلو من الأسباب الرئيسة المؤدية إلى الإرهاب وسفك الدماء، وقد أكد العلماء أن التوسع في التكفير والحكم على الناس بالردة بغير بينة شرعية من أخطر أنواع الغلو، لأنه يفتح الباب لاستباحة الدماء والأموال بغير حق، ومن ثم كانت بياناتهم صريحة في ذم الغلاة المتجرئين على التكفير، ومن العبارات الجامعة التي تتكرر في هذه البيانات: أن «التطرف والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء»، وأن من سلك سبيل الغلو «لا يخدم الأمة بل يجلب لها الشقاء والفرقة والبغضاء».

توصيات عملية لمواجهة التطرف والإرهاب

انطلاقاً مما سبق -من تأصيل شرعي وتحليل واقعي- يمكن الخروج بجملة من التوصيات العملية؛ حيث تتطلب مواجهة التطرف والإرهاب جهدًا متكاملًا يجمع بين التوعية والمعالجة العملية، ويمكن تلخيص ذلك في مجموعة من المحاور الأساسية:
  • صيانة الخطاب الدعوي: التأكيد على أن حفظ الأمن من أعظم القربات، مع غرس هذا المعنى في الخطب والبرامج التوعوية، حتى يتكوّن وعي ديني صحيح لدى المجتمع.
  • تعزيز المرجعية العلمية: ربط الشباب بالعلماء الراسخين، والتحذير من أخذ الفتوى من مصادر مجهولة، حتى لا يقعوا في الانحراف الفكري.
  • حماية الأمن الفكري: وذلك من خلال إنشاء ومتابعة مبادرات ومراكز تعالج الشبهات وتواجه الخطاب المتطرف بمحتوى علمي واضح، مما يساهم في تحصين الشباب قبل استدراجهم.
  • تطوير المناهج التعليمية: وذلك من خلال إدماج مفاهيم الوسطية وحرمة الدماء ووالتحذير من خطورة التنظيمات المنحرفة ضمن المناهج والأنشطة، لبناء جيل واعٍ ومتزن.
  • دعم الأجهزة الأمنية: وذلك من خلال بيان أن جهودها في مكافحة الإرهاب واجب شرعي لحماية الدين والنفس والمال، وتعزيز الثقة المجتمعية بها.
  • مسؤولية الأسرة: وذلك من خلال متابعة الأبناء والانتباه لأي تغير فكري أو سلوكي، خاصة في استخدامهم للإنترنت، والتدخل المبكر عند الحاجة.
  • التحصين ضد الولاءات الخارجية: وذلك من خلال توعية المجتمع بخطورة الانتماءات العابرة للحدود، وأنها قد تجرّ إلى الإضرار بالوطن ومصالحه.
وبهذا التكامل بين هذه المحاور يتحقق بناء بيئة آمنة فكريا ومجتمعيا، تُغلق منافذ التطرف قبل أن تتحول إلى خطرٍ فعلي.  

واجب حماية الشباب

     يُعدّ الشباب من أكثر الشرائح استهدافاً لتيارات التطرف؛ ومن هذا المنطلق يجب السعي الجادّ في تحصينهم بتزويدهم بالعلم الشرعي الصحيح الذي يُبَصِّرُهم بمقاصد الشريعة في حفظ النفس والأمن، مع التحذير من تحريف النصوص واقتطاعها من سياقها، وربطهم بالعلماء الراسخين الموثوقين بعيداً عن المصادر المجهولة؛ كما ينبغي تربيتهم على اختيار الصحبة الصالحة، وغرس محبة الوطن والوفاء له، وترشيد استخدامهم للإنترنت والتواصل الاجتماعي لصدّ الشبهات، مع تشجيعهم على تفريغ طاقاتهم في الأعمال التطوعية والرياضية والعلمية لدرء مفاسد التطرف لكونه مقدم على جلب المصالح.  

خلاصة القول:

        ويتبيّن من مجموع ما تقدّم أنَّ الإرهاب -على اختلاف صوره وتعدّد شعاراته وتلوّن مبرّراته- لا ولن يكون طريقاً إلى إصلاحٍ أو نهضة، ولا وسيلةً مشروعةً لنصرة حقٍّ أو دفع باطل؛ بل هو انحرافٌ بيّن عن هدي الشريعة، ومصادمةٌ صريحةٌ لمقاصدها الكلية التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، وهو إفسادٌ في الأرض يُفضي إلى ترويع الآمنين، وتعطيل المصالح، وبثّ الفوضى والاضطراب، مما يأباه الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم -، كما إنَّ نعمة الأمن والاستقرار من أجلِّ النعم التي تقوم عليها حياة الأفراد والمجتمعات، ولا تستقيم بدونها سائر المصالح الدينية والدنيوية، مما يوجب صيانتها، والتعاون على حفظها، والوقوف صفاً واحداً في وجه كل ما يهددها أو ينتقص منها. وعليه، فإن كل من يسعى إلى زعزعة هذا الأمن - فردًا كان أو جماعة، تنظيماً داخلياً أو امتداداً لجهات خارجية - فإنه يرتكب جرماً عظيماً، ويقع في كبيرةٍ من أعظم الكبائر، مستحقاً لما يترتب على فعله من عقوباتٍ رادعة في الدنيا، قبل ما توعّد الله به من عذابٍ في الآخرة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك