رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: حاتم محمد عبد القادر 11 أغسطس، 2011 0 تعليق

في مصر وتونس: المشروع الإسلامي يتعرض لهجمة شرسة

 

ظن كثير أن الثورات التي اندلعت في عدد من الدول العربية ربما تحمل معها الخير الوفير، وأن الحريات ستملأ الدنيا ويتنفس الناس نسيم الديمقراطية التي ملأت بها التيارات الليبرالية الدنيا ضجيجاً، ونشطت منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج لنشرها في كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي.

ولكن ونحن اليوم نتابع مايحدث هنا ويجري هناك نصطدم بالواقع المر الذي قد يجعلنا نترحم على أيام (رغم قسوتها وظلم حاكمها) قد تكون أرحم من المستقبل القريب.

        الأهم في المشهد أن الشعوب في غالبيتها العظمى (باستثناء بعض النخب  العلمانية والليبرالية) متدينة، فهي على الفطرة، فقد ظنت هذه الأكثرية أن شرع الله سيطبقه الحاكم الجديد بعد أن نجحت انتفاضة الشعوب في إزالة الطغاة، إلا أن الواقع أثبت أن محاربة الإسلام وشريعته بقيت على سابقه، بل أشد ضراوة من ذي قبل، وبالمنهج القديم نفسه ومن الدول والقوى الأجنبية نفسها التي كانت العون للأنظمة السابقة (التي أسقطتها شعوبها) وبالأموال إن لم تكن زادت.

       ففي مصر نشطت الحركات ومنظمات المجتمع المدني التي على صلة بالخارج وتتلقى تمويلها منها، وزاد نشاط هذه الجمعيات بعد أن ظهر التيار الإسلامي للنور والعمل بكل حرية تحت سمع وبصر السلطة، وهو الأمر الذي أزعج الخارج وبدؤوا يقلقون من تنامي وصعود التيار الإسلامي والتأييد الشعبي له وتعلقه به، فبدأت المؤسسات المانحة لمنظمات المجتمع المدني ترصد مزيداً من الأموال لتغدق بها على المنظمات العلمانية والليبرالية لمواجهة المد الإسلامي والعمل على انحساره واستخدام الفزاعات القديمة كما فعلت الأنظمة القديمة.

         وبعد تكشف هذه الوقائع فتح ذلك الطريق للتشكك في قيام الثورة المصرية على وجه الخصوص، فقد بدأت إحدى هذه الحركات تحدث وقيعة بين الجيش والشعب، بعد أن ثار سؤال طبيعي و في محله عن تمويل هذه الحركات وتلقي تدريبات في الخارج في صربيا تحديداً، ومعروف طبعاً ماذا فعلت صربيا في مسلمي كوسوفا من حرب إبادة على مرأى ومسمع من العالم كله في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي أفزعهم وبتتبعه سيتم كشف هذه الحركة، والحركة التي أعنيها هي حركة «شباب 6 أبريل» التي هاجمت الإسلاميين هجوماً شنيعاً في الأيام الماضية وخصوصاً السلفيين بعد أن وقفوا بجوار الجيش حتى لا تحدث الفتنة بين الشعب ونفسه من جهة وبين الشعب والجيش من جهة أخرى.

       فقد ثارت أسئلة عديدة عما أعلنته أمريكا من أنها كانت خلف ثورة الشباب المصري قبل الثورة، وأنها بعد الثورة منحت منظمات مدنية في مصر مبلغ 40 مليون دولار،  ولعل حوارا بين المنسق العام لحركة شباب 6 أبريل أحمد ماهر (على صفحته المحمية بالفيس بوك) وأحد الأعضاء باسم فتحي، كشف عن طبيعة التمويل الذي تتلقاه هذه الحركة من الخارج.

       يؤكد هذا الكلام ما انتشر الأيام القليلة الماضية من ائتلاف يضم عدداً من الصحافيين يكشفون فيه عن فساد منظمات المجتمع المدني التي تمول من الخارج و أهم الصحافيين المتعاملين مع هذه المنظمات والترويج لها بصحفهم .. ورغم أهمية الملف إلا أن المقام لن يتسع له.

         فالأهم أن هذه المنظمات بعد أن بدأ يتكشف أمرها لعموم الناس خشيت هذه الحركات والمنظمات مما دفعها لشن هجوم حاد على التيارات الإسلامية بحجة أنها ستعيدنا للوراء وعهود التخلف، كما بدأت تشيع أن منهم من كان على صلات وطيدة بالنظام السابق وجهاز أمن الدولة وما هم إلا صورة من النظام السابق ، ويساعد في ذلك القنوات الفضائية الخاصة المملوكة لرجال أعمال، وبالأخص منهم رجل الأعمال النصراني نجيب ساويرس الذي تهجم هجوماً صريحاً على الدين الإسلامي على صفحته بموقع الفيس بوك؛ مما كبده خسائر كبيرة بعد انطلاق الدعوة لمقاطعة المشتركين لشركة المحمول التي يمتلكها «موبينيل».

       ومع اقتراب الموعد الذي ستبدأ فيه مصر الاستعداد للانتخابات التشريعية ومع تزايد فرص الإسلاميين في مصر للفوز بأغلبية المقاعد البرلمانية، فقد شنت التيارات الليبرالية حملة شرسة على الإسلاميين (وبصفة خاصة السلفيون) واتهامهم بأنهم يسعون للسلطة والاستحواذ على البرلمان حتى يتمكنوا من وضع دستور يوافق هواهم، وبالطبع استشعروا أنه سيكون دستوراً إسلامياً وهو الأمر الذي أزعج الغرب؛ مما دفعه لتمويل هذه الحركات والمنظمات، بل وعقد لقاءات مع أحد التيارات الإسلامية نفسها وهو حزب العدالة والحرية ذي المرجعية الإخوانية.

       ومع كل هذه التحركات فقد عادت الفزاعة القديمة التي كان يستخدمها النظام السابق من تخويف الناس من الإسلاميين وأنهم متشدديون وأنهم لو وصلوا إلى الحكم فستتحول الحياة إلى ظلام وجحيم، فسيحرمون كل شيء في الحياة و لن يستطيع أحد السير في الشارع من هول ما سيراه.

         نعم، ولم يعد هناك عمل للبرامج الحوارية والصحف العلمانية سوى الهجوم على السلفيين والتهكم عليهم، وما ذلك إلا لأنهم صعقوا من شعبية السلفيين وتعلق الناس بهم ومدى تأثرهم بمشايخ التيار السلفي الذي كان معروفاً حتى قبل اندلاع هذه الثورة.

       ما يحدث في مصر الآن هو بحق تحضير لاختبار كبير سيكشف الجميع وحقيقة حجمه، ولاسيما بعد ما عرف بجمعة الوحدة والإرادة التي كشفت عن فطرة الشعب المصري في كل محافظاته وتعلقه بالدين واستنفاره من كل ما يعاديه، وعلى أثرها انسحبت التيارات العلمانية والماركسية من أمام القوى الإسلامية التي أرادت أن تكون مع نهضة البلاد ودفع حركة العمل والإنتاج، لا أن نبقى عاطلين منتظرين تمويل الخارج.

       وفي تونس فإن الأمر لا يختلف كثيراً عن مصر، فما يحدث على أرضها هو نفسه من محاكمات لرئيسها السابق ورموز نظامه، والمرور بفترة انتقالية وأعمال تجاذب بين السلطة الانتقالية والشعب، وعودة قوية للتيار الإسلامي.. كل هذا يحدث لأول مرة في تونس في العلن منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة والذي أسس لدولة العلمانية في تونس وانسلاخها من هويتها الإسلامية ليكمل المشوار من بعده الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

       فقد شهدت الأيام الأخيرة حركة كبيرة للتيارات الإسلامية في تونس، وقد أثار ما قام به بعضهم من اقتحام بيوت الدعارة تساؤلات وتحليلات كبيرة ولاسيما بعد أن تم نسبة هذا العمل لجماعة إسلامية، وهو ما لم يتأكد بعد.. فلا يستبعد أن يكون ذلك من خطة بقايا النظام القديم ومحاربي التوجه الإسلامي بهدف تخويف الناس من الإسلاميين، وأن هناك مكاسب وامتيازات هائلة سيفقدها التونسيون حال صعود الإسلاميين وتوليهم زمام الأمور في الجمهورية التونسية .

       هذا ما أكده الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة (أكبر التيارات الإسلامية والسياسية في تونس) الذي قابلته في مصر مؤخراً في فعاليات المؤتمر الأخير للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

       فقد أوضح الغنوشي أن ما حدث من مكاسب للثوار هو كسر حاجز الخوف فقط ولكن ما زالت أساليب وسياسات النظام باقية حتى اللحظة وهي التي تحكم.

        وقال الغنوشي: اليوم نحن أمام مرحلة جديدة من تاريخنا ومطلوب من فقهائنا أن يبلوروا النظرية للمشروع الإسلامي، فالأحرى بنا أن نتواصى بندوات في الفقه السياسي الإسلامي تجعل الشورى نظاماً سياسياً يقوي ويحقق السلطة ويعين الحاكم في حكمه.

        وأضاف الغنوشي: في تونس اليوم تدافع شديد بين أقطاب عدة، بين القوى الإسلامية وبين القوى العلمانية والليبرالية، فالمشروع الإسلامي يتعرض لهجمة شديدة ويستخدم كفزاعة من جديد وتخويف النساء في تونس اللائي اكتسبن حقوقاً كبيرة فاقت كل قيد، فهناك تخويف للمرأة التونسية من الإسلاميين وتضخيم لهذه المخاوف لو تولى الإسلاميون السلطة، فلو حدث فإن المرأة سيكون مكانها البيت وهناك قطاع كبير من النساء يحتاج للعمل، وهناك من يشكك في حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، فكل هذه الفزاعات تخرج من خصوم الإسلام.

       كذلك التخويف من السياحة وعدها رجسا من عمل الشيطان والتخويف ممن يشتغلون بالفن، للدرجة التي قال فيها أحدهم: «إذا حكم المشروع الإسلامي فسيغير الملبس والمشرب والمأكل».. كل هذه أسلحة يتم استخدامها في تونس للتخويف من الإسلاميين.

       وواصل الغنوشي حديثه بأن في مصر أيضاً صراعا بين التيارات الأخرى ومازالت السلطة في يد النظام ولم ينجز الثوار سوى النزول إلى ميدان التحرير للاعتراض على مسؤول لم يعجبهم فتتم إقالته، وهذا أقصى ما وصلت إليه مكاسب الثورة.. الثورة في مصر وتونس ما زالت في بداياتها، فالدولة ما زالت في يد النظام السابق، وكل ما اكتسبه الثوار هو إزالة حاجز الخوف والتمكن من النزول إلى الشارع للاعتراض.

       وأكد الغنوشي أن السلفيين يتعرضون لهجوم شديد في تونس، و قد تم عرض فيلم مؤخراً بعنوان «لا الله ولا الشيخ» لممثلة ومخرجة مدعومتين من الخارج، وهذا كفر بين لا يقبله عاقل؛ ولكن الغرض من هذا كله هو استدراج الإسلاميين إلى معارك حتى ينظر إلى القوى الإسلامية أنها خطر على الفن، والخطة هي أننا في 23 اكتوبر  المقبل لدينا انتخابات لتشكيل مجلس تأسيسي لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وبالتالي فهناك من يريد أحداث عنف يكون الإسلاميين طرفاً فيها حتى يكون هناك مبرر لتأجيل الانتخابات كما تأجلت قبل ذلك.

       وللأسف فإن القوانين التي وضعت حالياً تصب في صالح الأقليات والأحزاب الصغيرة، إضافة لحملات إعلامية كبرى ضد الإسلاميين وتخويف التونسيين منهم.

الملف مازال مفتوحاً، والأيام القادمة ستشهد أحدثاً متلاحقة ولكن من سيربح؟ مؤكد أن الرابح هو من سيكون مع الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك