في ذمة الله – خادم السنة (الشيخ شعيب الأرنؤوط)
مكث الشيخ ما يربو على السَّنوات العشر يختلف إلى مساجد دمشق ومدارسها القديمة قاصداً حَلَقات اللُّغة في علومها المختلفة من نحو وصرف وأدب وبلاغة وما إلى ذلك
المحقِّق الأصيل عند الشيخ الأرنؤوط لا ينحصرُ عملُه في أن يُخرج النصَّ مصحَّحاً كمشا كتبه المؤلِّف وحسْب وإنما يتعدَّى ذلك إلى تتبُّع ما أورده المؤلِّف من أفكار ورجَّحه من أقاويل، وبيان ما جانبَ فيه الصَّوابَ
توفي مساء الخميس 26 من محرم الموافق 27 من أكتوبر الجاري، في العاصمة الأردنية عمان، الشيخ المحدث شعيب الأرناؤوط عن عمر ناهز الـ88 عامًا، وأقيمت صلاة الجنازة على الشيخ بعد صلاة الجمعة في مسجد الفيحاء بالشميساني في العاصمة الأردنية، ويعد الشيخ الأرنؤوط من علماء المسلمين الثقات، الذي انتشر ذكره بلدان العالم الإسلامي، صاحب المؤلّفات والتحقيقات العديدة التي شاع ذكرها في أنحاء العالم الإسلامي.
اسمه ونسبه ونشأته
هو شعيب بن محرم الأرنؤوط، ينحدر نسبه من أسرة ألبانيَّة الأصل، هاجرت إلى دمشق سنة 1926م واستقرَّت بها؛ لسبب يعود رُبَّما إلى اعتقاد والده بفضل الشَّام وسُكناها، فقد كان والده محبّاً للعلماء حريصاً على مصاحبتهم، وُلد الشيخ في مدينة دمشق سنة 1928م، ونشأ في ظلِّ والدَيه نشأةً دينية خالصة، تعلَّم خلالها مبادئَ الإسلام، وحفظ أجزاءً كثيرة من القرآن الكريم، ولعلَّ الرَّغبة الصَّادقة في الفهم الدَّقيق لمعاني القرآن الكريم، وإدراك أسراره، هي من أقوى الأسباب التي دفعته إلى دراسة اللُّغة العربيَّة في سنٍّ مبكِّرة، فمكث ما يربو على السَّنوات العشر يختلف إلى مساجد دمشق ومدارسها القديمة، قاصداً حَلَقات اللُّغة في علومها المختلفة، من نحو وصرف وأدب وبلاغة وما إلى ذلك.
طلبه للعلم وشيوخه
تتَلْمَذ الشيخُ في علوم العربيَّة لكبار أساتذتها وعلمائها في دمشق آنذاك، منهم الشيخ صالح الفرفور، والشيخ عارف الدُّوَجي - اللذان كانا من تلاميذ علامة الشَّام في عصره الشيخ بدر الدين الحسَني - فقرأ عليهم أشهر مصنَّفات اللُّغة والبلاغة العربيَّة، منها: شرح ابن عقيل، و(كافية) ابن الحاجب، و(المفصَّل) للزمخشري، و(شذور الذهب) لابن هشام، و(أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز) للجُرجاني، وممن قرأ عليه أيضاً: الشيخ سليمان الغاوجي الألباني، الذي كان يشرح لطلاَّبه كتاب (العوامل) للبَركوي، و(الإظهار) للأطَهْلي، وغيرهما.
وبعد هذه الرِّحلة الطَّويلة الشاقَّة مع العربيَّة، اتجَّه الشيخ لدراسة الفقه الإسلامي، فلزم أكثر من شيخ يقرأ عليه كتب الفقه، ولاسيَّما تلك المصنَّفة في الفقه الحنفي، مثل: (مراقي الفلاح) للشرنبلالي، و(الاختيار) للمَوْصلي، و(الكتاب) للقدوري، وحاشية ابن عابدين.
وقد استغرقت دراسته للفقه سبعَ سنوات أخرى، تخللها دراسة أصول الفقه، وتفسير القرآن، ومصطلح الحديث، وكتب الأخلاق، وكان في تلك المرحلة قد جاوز الثلاثين.
اشتغاله بالتحقيق
لمس الشيخ -في أثناء دراسته للفقه- القصورَ الواضح عند شيوخه ومن عاصرهم في معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وذلك جعله يدرك أهميَّة التخصص في علم السُّنة ليتسنَّى تحقيق كتبها، ومن ثمَّ تمييز صحيحها وضعيفها، فعقد العزم على الاضطلاع بهذه المهمَّة الصَّعبة؛ فترك لأجلها مهنةَ تدريس اللُّغة العربيَّة التي كان يزاولها منذ سنة 1955م، وفرَّغ نفسه للاشتغال بتحقيق التُّراث العربي الإسلامي.
وكانت بدايته الأولى في (المكتب الإسلامي) بدمشق سنة 1958م؛ حيث رَأَسَ فيه قسم التَّحقيق والتَّصحيح مدَّة عشرين عاماً، حقَّق فيها أو أشرف على تحقيق ما يزيد على سبعين مجلداً من أمَّهات كتب التُّراث في شتَّى العلوم.
ثم بدا له أن ينتقل إلى العمل مع (مؤسَّسة الرِّسالة) في مكتبها بعَمَّان سنة 1982م، ليترأَّس من جديد قسم تحقيق التُّراث التَّابع لها، فكان عملُه فيها أنضجَ وأرحب مدى، ويمكن القول: إنَّ أهمَّ إنجازاته في تحقيق التُّراث قد تمَّت في أثناء عمله في هذه المؤسَّسة التي تُعد بحقٍّ رائدةَ بعث التُّراث العربي الإسلامي.
ولعلَّ ما كتبه الدكتور (بشَّار عوَّاد معروف) في مقدمته لكتاب (سير أعلام النُّبلاء) في معرِض حديثه عن تحقيق الكتاب، يجلِّي نواحيَ مهمَّة من طبيعة العمل الذي نهض به الشيخ الأرنؤوط في قسم تحقيق التُّراث بالمؤسَّسة، يقول: «.. ثم توَّج عمله - صاحب الرسالة - بأن ندب لمراجعة الكتاب والإشراف على تحقيقه، عالماً بارعاً، متأبهاً عن الشُّهرة، قديراً على تذليل الصعاب، فطيناً لإيضاح المبهم، كفياً بتيسير العسير، هو الأستاذ المحدِّث الشيخ شعيب الأرنؤوط، وقد عرفتُ لهذا العالم فضلَه الكبير على هذا السِّفر النَّفيس، آثِرَ ذي أثير حين اشترط أن يُقام التَّحقيق على أفضل قواعده.. وهو اليوم فارسُ هذا الميدان الخطير الذي ضرب آباطه ومغابنه، واستشفَّ بواطنه».
تلاميذه
تخرَّج على يد الشيخ شعيب الأرنؤوط في التحقيق عددٌ غير قليلٍ من طلبة العلم، منهم: محمد نعيم العرقسوسي، وإبراهيم الزيبق، وعادل مرشد، وعمر حسن القيَّام، وأحمد عبد الله، وعبد اللَّطيف حرز الله، وأحمد برهوم، ورضوان العرقسوسي، وكامل قره بللي.
وقد قرَّ الشيخ عيناً حين رأى كل واحدٍ من هؤلاء قادراً على القيام بأعباء التعامل الصَّحيح مع علوم السُّنة والاستقلال بعمله، وأثَرُ الشيخ الأرنؤوط واضحٌ جليٌ في الكتب التي حقَّقها هؤلاء، الذين حفظوا له فضلَه عليهم ورعايته لهم.
يقول الشيخ نعيم العرقسوسي في مقدمة تحقيقه لكتاب (توضيح المشتبه) لابن ناصر الدين: «وأخَصُّ الشكر وأجزَلُه، وعظيمُ الوفاء وأجملُه، إلى من لولا رعايتُه وعنايته ما كنت في عِداد من يُعنى بتحقيق التُّراث، إلى من هو جديرٌ بكل تقديرٍ واحترامٍ، وأهلٌ لكل تكريمٍ وإعظامٍ، إلى فضيلة الشيخ المفضال المعطاء المحتسب أستاذي شعيب الأرنؤوط حفظه الله».
ويقول الأستاذ إبراهيم الزيبق أيضاً في مقدمة تحقيقه لكتاب (طبقات علماء الحديث) لابن عبد الهادي: «وبعدُ.. هل تكفي كلمة شكر أزجيها لأستاذي وشيخي شعيب الأرنؤوط؟ وهل تجزي عني كلمة ثناء أكتبها له بحروف المحبة والصدق؟.. إن ما بعنقي له أوسعُ من الشكر، وأجزل من الثناء، إنَّ ما فتح عليه عينيَّ من أمر الحياة، وأنا أتلمَّس طريقي بعقلٍ غضٍّ وقلبٍ مرهفٍ جعل أيامي معه سنين في عمقها وغناها، ثم أخذ بيدي في عالم التَّحقيق، فمنحني ثقتَه وما أغلاها، وأنار دربي بعلمه وما أغزرَه، فلَك يا أستاذي شكرٌ أوسع من الشُّكر، وثناءٌ أعظم من الثَّناء، والله يتولَّى عنِّي حُسنَ جزائك».
منهجُه في التَّحقيق
للشيخ منهجٌ واضحٌ مستتبٌّ في التحقيق، تجده مطبَّقاً في معظم الكتب التي حقَّقها، أو أشرف على تحقيقها، وكثيراً ما كان يعرض هذا المنهج في مقدماته الضافية التي كان يصدِّر بها هذه الكتب، والتي تشتمل في الغالب - فضلاً عن منهج التَّحقيق - على ترجمةٍ وافيةٍ للمؤلِّف ودراسةٍ شاملةٍ للكتاب ووصفٍ دقيقٍ للنُّسخ التي اعتمدها، ونماذجَ من هذه النُّسخ.
إنَّ المحقِّق الأصيل عند الشيخ الأرنؤوط، لا ينحصرُ عملُه في أن يُخرج النصَّ مصحَّحاً كما كتبه المؤلِّف وحسْب، وإنما يتعدَّى ذلك إلى تتبُّع ما أورده المؤلِّف من أفكار، ورجَّحه من أقاويل، وبيان ما جانبَ فيه الصَّوابَ؛ ولذا كثيراً ما نجده يخالف مؤلِّفي الكتب التي يحقِّقها في بعض آرائهم وأحكامهم، كما قد يخالف كبارَ العلماء المحقِّقين ممن سبقوه، القدماء منهم كالحافظ ابن حجر، والمحدَثين كأحمد محمد شاكر على أنه إذ يخالفهم ويسجِّل مؤاخذته عليهم، يحرص كلَّ الحرص على أن يؤكِّد أن مخالفته إيَّاهم وانتقاده لهم لا ينقص من قَدْرهم الجليل، ولا يغضُّ من قيمتهم، متمثِّلاً قول الإمام أحمد رحمه الله: «لم يعبر الجسر إلى خراسان مثلُ إسحق بن راهويه، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن النَّاس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً».
والواقع أنَّ هذا الأسلوب المتَّزن في النَّقد مِن أَظهر ما يتميَّز به منهج الشيخ الأرنؤوط في التَّحقيق، إذ قلَّما تجده في كتابات المشتغلين بهذا الفن في الوقت الحاضر.
آثاره في التحقيق
بلغ ما حقَّقه الشيخ شعيب الأرنؤوط أو أشرف على تحقيقه، نيِّفاً وأربعين ومئتي مجلد، شملت كتب السُّنة النَّبوية، والفقه، وتفسير القرآن، والتَّراجم، والعقيدة، ومصطلح الحديث، والأدب وما إلى ذلك.
أهم تصريحاته
ولعلّ من أشهر للشيخ رحمه الله في قضايا العقيدة، قوله: «إنني أعتقد أن مذهب السلف هو الصواب وما سوى ذلك فهو خطأ،» وذلك بمقدمة كتاب شرح العقيدة الطحاوية، الذي شارك بتحقيقه وإخراج أحاديثه.
لاتوجد تعليقات