في حرب الفضائيات.. ماذا وراء إغلاق الفضائيات الدينية؟!
موجة كاسحة عصفت خلال الأيام القليلة الماضية بإغلاق عدد من القنوات الفضائية (الدينية) على وجه الخصوص، ومعها عدد من القنوات الأخرى القائمة على العلاج بالسحر والشعوذة وقنوات تم وصفها بالإباحية، وذلك بقرارات من جهات حكومية مصرية مسؤولة عن منح التراخيص لإطلاق هذه القنوات وبثها من خلال القمرين الصناعيين المصريين: (عرب سات) و(نايل سات) المملوكين للحكومة المصرية.
وقد أثارت هذه الإجراءات غضب الكثير من متابعي هذه القنوات بعد أن تعلقوا بها، كذلك أغضب الأمر ملاك القنوات المغلقة وعددا من الإعلاميين، وناشطين حقوقيين وسياسيين؛ باعتبار أن ما حدث يعد ضد الحريات وحقوق الإنسان في الحصول على المعلومات وتنوع مصادرها.
وفي ظل هذه القرارات المفاجئة انطلقت التخمينات والتحليلات السياسية لتسويغ هذه القرارات التي حملت معها التضييق على الإعلام الفضائي في نقل وقائع الانتخابات التشريعية التي ستجرى في مصر الشهر المقبل، خصوصا أنه تم منع وحدات البث الحي من داخل اللجان الانتخابية.
ورغم أن المسؤولين في وزارة الإعلام المصرية وشركة (نايل سات) أكدوا أن هذه القرارات تنظيمية لوضع الأمور في نصابها الصحيح وعدم تجاوز شروط الترخيص وبنود العقد، إلا أن هناك حالة غضب عارمة من قبل المواطنين والحقوقيين الذين رأوا في الأمر انتهاكاً لحقوق الإنسان واعتداءً على حريته ومصادرة حقه في الحصول على المعلومات من مصادره التي يرغبها.
(الفرقان) تابعت الحدث وحاولت الوقوف على أبعاده ومعرفة رأي أهل الاختصاص.
ردود الأفعال المتواصلة استنفرت الأجهزة المسؤولة ووزارة الإعلام المصرية؛ مما جعل وزيرها أنس الفقي يتجاوب معها تجاوباً فوري دون تباطؤ؛ حيث أصدر تصريحات عدة يبرر بها أسباب المنع وآخرها بيان صحافي موسع سرد فيه الأسباب والقنوات التي تم منعها ذاكرا الجهات المالكة لها.
بيان الفقي
فقد أوضح الفقي أن ما قامت به شركة نايل سات للأقمار الصناعية من إجراءات تصويبية نحو عدد من القنوات الفضائية جاء في إطار الحفاظ على تقاليد المجتمع العربي واحتراماً لمواثيق الشرف الإعلامي، حيث أرجع الفقي في بيانه أن بعض هذه القنوات انحرف عن أساس ترخيصه واتجه لنشر الأفكار المتطرفة والمساس بالعقائد الدينية؛ مما يبعث على التحريض والفتنة الطائفية سواء بين أتباع الديانات المختلفة أم أتباع المذاهب لأبناء دين واحد، كذلك الترويج لنشر الخرافات والشعوذة والإباحية التي أقدم عليها عدد من القنوات.
كان الفقي قد أكد أن هذه الإجراءات جاءت بعد مراجعة ودراسة متأنية ووافية من قبل القائمين على «النايل سات» للتأكد من خروج المادة الإعلامية التى تبثها هذه القنوات عن الأخلاق والأديان والأعراف، حيث ثبت أن هذه القنوات تعمل على نشر آراء دينية متطرفة تحض على التطرف والمغالاة وتدعو إلى التشدد وعدم التسامح بين أطراف الأمة المصرية، وكانت تدعو إلى التشدد الطائفي، ولم يقتصر دورها على أهل السنة فقط بل امتد بعض هذه القنوات إلى الفكر الشيعي أيضا، ووصل إلى حد الدعوة الصريحة فى إحدى المناسبات إلى القتل والافتتان بما جعل تدخل الدولة أمرا ضروريا حماية للسلام الاجتماعي من ناحية، وحماية للمجتمع من التطرف الديني والمغالاة من خلال الفتاوى المتطرفة لأشخاص غير مؤهلين، فضلا عن غيرها من الأنشطة التي كانت تذاع على مثل هذه القنوات من ناحية أخرى.
كما شدد وزير الإعلام أنس الفقي في بيانه على أن حرية الإعلام مكفولة لكل المشتغلين بصناعة الإعلام ولكن في إطار من الحرية المسؤولة واحترام الأديان والمعتقدات والمثل والقيم التي قامت عليها مجتمعاتنا الإسلامية والعربية .
كما أشار الفقي (طبقاً لبيانه) إلى محاولات بعض هذه القنوات نشر المذاهب الدينية المتطرفة خارج القطر المصري، ومحاولة إيقاع الفتنة بين المذهبين الشيعي والسني الذي وصل إلى حد التحريض على الحروب والقتال، وإزاء مثل هذه المواقف فإن تدخل الدولة لحماية الأمن الاجتماعي أصبح لزاما وواجبا عليها، وهو أمر أقرته كل المواثيق والأعراف الدولية.
ما سبق كان إشارة لأهم ما جاء في بيان وزارة الإعلام المصرية على لسان وزيرها أنس الفقي
الفصل للقضاء
وتعليقاً على هذه الأحداث ورؤيته لها يقول أ.د/ محيي الدين عبدالحليم، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر: في هذه المسألة أتكلم من زاويتين الأولى عامة وهي أنني ضد إغلاق أي منبر إعلامي سواء كان متفقاً معي أم معارضاً لي وما نحن بصدده من غلق لبعض القنوات الفضائية تحت دعوى نشر الفتن والإباحية والتطرف الديني فأي منبر إعلامي يخرج عن مقتضيات وظيفته بالسب أو القذف أو الإباحية فهناك القانون الذي يحاسبه والقضاء هو الذي يفصل في أمره.
والزاوية الثانية وهي رؤية خاصة بي، هي: أنني لا أرى أن هذه القنوات ارتكبت فحشاً تستحق عليه الإغلاق، وإذا أخطأت تحاسب، فأنا ضد أن تغلق جهة الإدارة أي منبر إعلامي ؛ لأن هناك جهات قانونية تستطيع مراجعة هذه الأخطاء، فلا يجوز لجهة الإدارة أن تنفرد بمثل هذه القرارات دون اللجوء للجهات القضائية.
الراشد يهاجم
الكل تسابق مهللاً ومحللاً في هذه الأزمة ولاسيما من يطلقون على أنفسهم ليبراليين أو غير ذلك ، فقد كتب عبدالرحمن الراشد، رئيس مجلس إدارة قناة العربية (الإخبارية) في جريدة (الشرق الأوسط) اللندنية مقالاً أفصح فيه عن تأييده لقرار إغلاق عدد من القنوات الفضائية التي كانت تبث من القمر الصناعي المصري ولاسيما القنوات الفضائية الدينية، فقد تندر الراشد عليها في افتتاحية مقاله بأن الشكوى في السابق كانت من الفضائيات الموسيقية بدعوى أنها تفرغ عقول الشباب بما هو تافه، وتبدد وقتهم وتلهيهم. أما الشكوى اليوم فهي من المحطات التي تملأ عقول الشباب بما هو سام وقاتل، تدفع بهم نحو الجهاد والانتحار. اليوم لم تعد الموسيقية ولا الرياضية هي النجم الساطع، بل المحطات الدينية التي انتشرت مثل الفطر في سماء المنطقة العربية.
وتهكم الراشد على رجال الدين الذين يظهرون على فضائياتهم فيقول: «ما الذي حدث وفتح السماء لبعض رجال الدين، فلم تعد تكفيهم المنابر ولا الندوات الدينية، وصاروا يبحثون عن آلاف أو ملايين المشاهدين الجالسين في بيوتهم؟ أمران استجدا في الساحة، الأول: تنافس الأقمار الصناعية على تأجير تردداتها بأرخص الأثمان لتمويل المزيد من أقمارها الصناعية الجديدة، والثاني: إصدار فتاوى تجيز تحويل الزكاة والصدقات، التي يفترض أن تنفق على الفقراء والمساكين المحتاجين من الأرامل واليتامى، بحيث صار يجوز أن تنفق على المشاريع الإعلامية الإسلامية».
ويتابع الراشد مقاله فيقول: «طبعا، هذا استغلال للدين لجمع الأموال لأغراض سياسية وشخصية؛ لأن كلمة (الإعلام الإسلامي) لها معنى سياسي بحت، تذهب للجماعات السياسية المحظورة والمسموحة. وقد فتحت هذه الفتاوى كنوز الأرض لرجال الدين المتلهفين على الظهور في الإعلام، وبناء مؤسساتهم الدعائية الخاصة، وترويج أفكارهم من دون استئذان من أهل المال الذي أخرجوه للزكاة، أي إننا عمليا بين حالتين متكاملتين: مؤجري الفضائيات الذين لا يأبهون بالمستأجر إن كان يروج للشعوذة الطبية القاتلة، أو يبيع الوصفات الدينية الطائفية التي ستسبب حروبا كبيرة في منطقتنا. لا يهمهم سوى الحصول على نصف مليون دولار مقابل كل قناة يتم تأجيرها في العام».
ويستطرد الراشد قائلاً: «الحقيقة أنهم لا يكتفون بخطف الصغار وإرسالهم للحروب وركوب السيارات الانتحارية، بل انتقلوا إلى مرحلة جديدة؛ مصادرة أكبر كم ممكن من الأموال حتى لو كانت صدقات أو زكاة، وهناك القليل الذي فعلته الحكومات لمنعهم، القليل جدا من بينه قرار مصر بوقف بث محطتين سلفيتين تفرغتا للتحريض ضد الشيعة، لكن بقيت عشرات المحطات التي تبث من قبل شيعة وسنة متطرفين يحرضون ضد بعضهم بعضا، ومحطات لا يهنأ لها بال إلا بعد أن تزيد جمهورها حزنا وكآبة».
إن الكلام السابق لعبدالرحمن الراشد، كلام صادم لم نكن نتوقعه؛ لأنه خلط جميع الأوراق، الصالح بالطالح دون تفرقة، فنحن في (الفرقان) ومن وقت بعيد وإلى اللحظة كنا من أوائل المطالبين بضرورة وضع ضوابط للفتوى على الفضائيات من قبل غير المتخصصين وأهل العلم والفتوى، وأوضحنا في عدد من التحقيقات السابقة شروط المفتي والمجتهد في الفقه وإصدار الأحكام ومؤهلاته.
مواطن خلل وضعف
«الإعلام الإسلامي»، نعته الراشد بأن له معنى سياسي بحتا تجني من ورائه الجماعات السياسية المحظورة والمسموحة الأموال، وطالبنا بضرورة وجود خطاب إعلامي إسلامي يتناسب مع طبيعة العصر بما لا يخل هدف الرسالة ومضمونها .
و» الفرقان « وكل من على النهج السلفي يهتدون بالفكر الوسطي المعتدل دون مغالاة، وبلا تهوين أو تهويل، وكانت الفضائيات الدينية التي على هذا النهج قد أثرت على خلق المسلم وكانت سبباً في هداية عدد كبير من الشباب والسيدات في مواجهة انتشار الفحش والإباحية من فضائيات أخرى نجحت في تدمير عقول الشباب وخربت بيوتا عامرة، بسبب ما تبثه من سموم على مدار الساعة؛ فليس من الحق ولا الرحمة ولأسباب يعلمها الجميع أن نأخذ الحابل بالنابل وتدخل القنوات الدينية المعتدلة في هذا النفق.
تساؤلات مشروعة
إن هذه الضجة المثارة بطبيعة الحال تجعل الإنسان منا يسأل نفسه تساؤلات عدة: لماذا أفاقت الجهات المسؤولة على هذه القرارات الآن؟ .. ولماذا لم تمنع الفضائيات الأخرى التي لا تقوم على بناء المجتمع واحترام تقاليده وأخلاقياته من تلك التي تبث ليل نهار كليبات العري والمجون والأغاني السفيهة ؟ لماذا لم تمنع القنوات التي تعرض للبرامج التافهة وألعاب القمار بدلاً من بث مواد لها قيمة تربوية واجتماعية؟ لماذا لم تمنع القنوات التي عرضت الدراما التركية التي خلفت وراءها كما كبيراً من الخلافات الكبرى في معظم البيوت العربية؟ ولايخفى عليكم ما حدث بسبب مسلسل (نور ومهند) وكيف خانت المرأة زوجها أمام عينيه بسبب وقوعها في حب هذا المهند، وكم من حالة طلاق وقعت بسببه! لماذا لم يتم إيقاف القناة التي تعرض حالياً الدراما الإيرانية (يوسف الصديق) رغم الإجماع على تحريم تجسيد شخصيات الأنبياء والصحابة؟ ويرفض الأزهر الشريف – أعلى مؤسسة دينية للمسلمين في العالم - هذا رفضاً واضحاً، رغم أن عدداً من أعضاء مجلس الشعب المصري تقدموا بطلب عاجل لوزير الإعلام المصري أنس الفقي؛ لوقف عرض المسلسل الذي تذيعه يومياً قناة (ميلودي دراما)، في ظل غضب شيوخ الأزهر الرافضين فكرة عرض المسلسل على أي قناة مصرية.
إننا أمام غمة ندعو الله أن تنكشف وتزول أسبابها ولكن كل ما يدعو للأسى هو أخذالحابل بالنابل والصالح بالطالح ووضع من لا يستحق في مكانة تشوه صورته وتشمت فيه الآخرين.
لاتوجد تعليقات