رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: هيام الجاسم 1 سبتمبر، 2019 0 تعليق

في الصميم – فوضى التكاثر والتفاخر في عالم الأولويات!!


سورة التكاثر كفى بها واعظا لمن عقلها، هكذا علّق الإمام ابن القيّم -رحمه الله- على هذه السورة؛ إذ قال الله -تعالى- في محكم التنزيل: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}، لقد قرنت الآيات بين التكاثر الذي هو التفاخر بالكثرة الكاثرة، وبين الالتهاء واللهو حتى مباغتة الموت للمرء المكاثر تفاخرا!

     فالالتهاء هو الاشتغال بما حقه التخلي عنه وعدم الانشغال به؛ فالاشتغال عن الطاعة، والالتهاء بالمعاصي، وكذلك الانصراف للمكاثرة والتسابق رغبة في الافتخار بما يملك وما لايملك؛ فكل ماسبق هو من المذموم المحرم غير المرغوب فيه، ووجب على المسلم اجتنابه وتركه، أما التوسع في المباحات وكماليّات المباحات مما يلزم المرء التخفف منها والأخذ بالحد الأدنى من الحاجة إليها، وكل ذلك حماية ووقاية للمرء من الغوص، ثم الغرق في مستنقعات لاتقوى نفسه على الخروج منها؛ فكلما أكثر المرء على نفسه مايتمنى غيره امتلاكه، صارت نفسه تساوره وتغويه؛ لأن يعيش الدور أمام الناس أنه غني ومقتدر؛ فيصنع لنفسه هيئة (بروستيجية) بها كثير من التظاهر والتفلسف والفبركة في لبس شخصية البهرجة والتلميع لنفسه، يتخيل نفسه طاووسا ينفش ريشه، وينظر إلى من حوله نظرة المسكنة والدونية على أساس أنهم محتاجون إليه، ويفتقرون إلى نظرة عطف منه ليكرمهم ويلتفت إليهم!

الرغبة في التملك

     من طبائع البشر رغبتهم الملحة في تجميع أكبر قدر ممكن من الممتلكات تحت أيديهم؛ وذلك لاضير فيه طالما أن العبد يقوم بحق الله، ثم حقوق الناس فيما يملك محافظا شاكرا لله على أنعمه؛ فالكثرة لاضرر فيها ولا ضرار؛  فها هو ذا التاريخ يروي لنا حياة كثير من الصحابة والتابعين، قد منّ الله عليهم من الرزق الوافر من المال والعقار والحلال والزوجات والبنبن والبنات وما إلى ذلك، وكانوا عبّادا زهادا قد وضعوا الدنيا في أيديهم، لا في قلوبهم، ولم تأسر قلوبهم تلك الضّيعات والأموال والغنى وكثرة الذراري من البنين؛ فلقد كانوا يدركون أن غنى النفس هو الغنى الأصيل والحقيقي لا غنى المال والاقتدار!

التباهي والتكاثر

     جني الكثرة من أجل التباهي والتكاثر والتفاخر مما نهى الله عنه حينما قال في محكم التنزيل: {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر}؛ فالزيارة هنا الموت المباغت للإنسان بعدما تنافس دنياه مع غيره من الناس، والتنافس المقرون بالغيرة التسابقية تنافس محموم مذموم؛ فهو الذي يجعل القلوب تتحامل على بعضها رغبة في الفوز أكثر من الغير، وحتى لو لم ينافس ويكاثر غيره؛ فإن حتما الالتهاء والانشغال مخيّم على طابع حياته جلّها إن لم يكن كلها؛ فقد يكون المرء مشغولا بنفسه، يتحدى نفسه ولا ينافس غيره، ولكنه في الحقيقة هو أيضا منصرف إلى ما هو مطلوب منه تركه واجتنابه؛ فإن قلة قليلة من الناس ممن يكثر تحت يده وسلطانه أملاك كثيرة ولايكاثر فيها غيره ولا يتفاخر أمامهم، قلما نجد ذلك؛ ولهذا حذرنا نبينا -عليه الصلاة والسلام- قائلا في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب مايحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، الشاهد منه قوله: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتلهيكم كما ألهتهم». أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، وقوله صلى الله عليه وسلم : «يا أيها الناس هلموا إلى ربكم؛ فإن ماقل وكفى خير مما كثر وألهى». رواه ابن حبان وهوحديث صحيح في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني -رحمه الله تعالى.

التفاخر في العبادة

     إن أسوأ التكاثر والتفاخر وأشنعه هو التفاخر في أمور الدين والعبادة أمام الناس؛ فيظهر نفسه مظهر ذي الشيبة والمهابة والوقار، وعليه صبغة الزهد والزهادة في الدنيا، وكل ذلك ليفاخر غيره ممن هم أترابه في مجال المشيخة والمكانة الدينية، بينما هو في حقيقة نفسه وداخل بيته مع أهله نقيض تلك الهيئة للتقوى والوقار التي تظاهر بها؛ فذلك من التفاخر المحرم في دين الله؛ إذ يستغل دينه من أجل عرض الدنيا، ويتبارى في مكاثرة أترابه في المجالس والدواوين، متباهيا في مؤلفاته ومحاضراته هنا وهناك، وفي الوقت ذاته يصبغ نفسه بصبغة التقوى والجلال والهيبة المصطنعة!

الحرص على التخفي

     أما أكابر العلماء السابقين واللاحقين؛ فإنهم يسعون سعيا حثيثا للتخفي، ولايتصدّرون المجالس من أجل المفاخرة والتباهي وتعداد صنائعهم الدعوية؛ فمن الأمور التي نكبرها في أكابر المؤلفين من العلماء السابقين حينما كتبوا عن نبذ التفاخر، وضربوا أمثالا ليقربوا الصورة للقراء، أنهم لم يكتفوا بذكر أمثال من المتفاخرين بالدنيا من أجل الدنيا، بينما امتدت أمثالهم حتى على من كاثر وفاخر في أمور الآخرة من أجل حظوة الدنيا، بل إنهم نبذوا التفاخر وذكروا سوءه بين العلماء والمصنفين والمؤلفين الذين يتسابقون تفاخرا من يؤلف أكثر؟ ومَنْ مصنفاته أكثر انتشارا وأتباعا؟ فمن كاثر بالدنيا من أجل حظوة الدنيا فذلك منبوذ مذموم، ومن كاثر بأعمال الآخرة ليحظى بمكانة في الدنيا؛ فذلك هو الأذم، والأسوأ، والأخطر، حتى على المجتمعات؛ فإن الناس تغتر به اغترارا، ويعتقدون فيه مرجعا دينيا لفتاويهم، وهو أبعد مايكون عن تلك التقوى بمسافات؛ فمن تكاثر بالعلم الشرعي وبالمقام الديني من أجل المفاخرة فهو أسوأ حالا ممن يكاثر في أمور الدنيا من أجل الدنيا.

تفاعل بين طرفين

     إن التكاثر تفاعل بين طرفين، ورغبة كل منهما أن يغلب صاحبه في الكثرة، وميل الإنسان لهوى التكاثر ميلا حادا وعظيما، وقد يخذل الإنسان من اختراق الهوى لإرادته  فما يسعفه عقله وتضعف عزيمته؛ فقد يغلبه هواه التكاثري وحبه للتفاخر؛ من حيث نفسه الأمارة بالسوء؛ ومن حيث استفحال ظاهرة التفاخر في مجتمعه المحيط به؛  فيجامل ويسايرمن حوله حتى ماعاد المرء قادرا على أن يفك ارتباطه بهم؛ فيضطر ضعفا في نفسه  مجاراتهم في تباهيهم وتفاخرهم، ويغرق مسوغا لنفسه سبب انجرافه؛ فمن وفّقه الله وسدّد خطاه نحو الوقاية من ذلك الاغترار التفاخري فهو الموفق الذي سلّمه الله من بيئة التباهي واستفحال التفاخر، ومن رضي لنفسه الغوص بالخيلاء والتفاخر غاص فغرق، وماعاد له أمل إلا بالله أن يرجع عن التفاخر المستشري في مجتمعات الترف والبطر.

المجتمعات الغنية والمترفة

     إن ظاهرة التفاخر منتشرة في المجتمعات الغنية والمترفة البطرة؛ فلا نكاد نجد فقيرا ملتهيا بكسب قوته ورزقه يتفاخر ويتباهي، وإن التقينا بفقير يحتضر فقرا ويتفاخر فتلك انتكاسته الخاصة به، ولا يصح تعميمها على مجتمع الحاجة والفقر المدقع؛ فالتفاخر والتباهي و(المهايضة)عادة سائدة منتشرة في مجتمعات البطر سيد الموقف فيها؛ فالناس في المجتمع من فرط التوسع في المباحات والكماليات لايدرون مايملأ أفواههم وبطونهم وعيونهم، إنهم  كلما اشتهوا اشتروا! وكلما هوى المرء فيهم شيئا ما ينال ماتمنى دون جهد ولاتعب، إنهم يلتقمون طعامهم بملاعق من ذهب، لغة أجسادهم تباه وتفاخر، لغة عيونهم تنبئك بالمهايضة، ولغة لسانهم وحالهم التسابق فيما أملك وهو لايملك، مشغولون ببطرهم ظنا منهم أن هذه الحياة التي يحيونها هي الحياة الحقة!

من مخاطر التباهي

     زاوية أخرى من مخاطر التباهي والتفاخر الوقوع في فتنة المنطق، ولاسيما عند من يمتلكون حسن التفوّه والمنطق في الكلام والتفاخر مَنْ أكثر تأثيرا وسحرا لأسماع الجماهير؛ فالتكلف في لغة الحديث ولغة الجسد أثناء إلقاء المحاضرات أو المحاورات من التنطّع والتقعّر المنبوذين، وقد يقع فيه من يتصدّر لإلقاء المحاضرات الجماهيرية، إن كان قصده التباهي بعلمه أو بمهاراته الكلامية، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «هلك المتنطعون».قالها ثلاثا. رواه مسلم، وقال أيضا -عليه الصلاة والسلام-: ...«وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون»، قالوا: يارسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون؛ فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». رواه الترمذي وصححه الألباني.

توهّم العزة والمنعة

     إن المتفاخرين يتوهّمون العزة والمنعة والقوة فيما ملكوا وأكثروا فتكاثروا، ويجدر الالتفات إلى أنه ليس كل مكثر متكاثرا، وليس كل متكاثر مكثرا؛ فكثير من الناس لايملكون سوى رواتبهم الشهرية، وإذا حل منتصف الشهر استدانوا من غيرهم؛ فهؤلاء لايملكون وليس تحت أيديهم كثرة، ولكنهم يتكاثرون بما ليس عندهم؛ ولقد حذرنا نبينا من المتكاثر بما لايملك؛ فهو كلابس ثوبي زور، قالها نبينا -عليه الصلاة والسلام- للزوجة التي سألته، هل يحق لها أن تتشبّع بما ليس عندها أمام ضرّتها؛ فتتفاخر أمامها أن زوجي أعطاني وكساني واشترى لي وهو لم يفعل من ذلك شيئا؟ حينما سألته -عليه الصلاة والسلام- في الرواية التي ذكرها البخاري في صحيحه، نهاها نبينا -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك والرواية أيضا في صحيح مسلم عن أسماء أن امرأة قالت: يارسول الله إن لي ضرّة فهل عليّ جناح إن تشبّعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور». نسأل الله العافية.

ترك التباهي والتفاخر

     في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع، من رواية  أنس رضي الله عنه قال: كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى (العضباء)، وكانت لاتُسبق؛ فجاء أعرابي على قعود له فسبقها؛ فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبقت العضباء؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه». انتهى الحديث وهنا استدل ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في شرحه للحديث على التنبيه على ترك التباهي والتفاخر.

النفوس الشريفة

إن النفوس الشريفة ذات الهمم العالية، إنما تكثر وتتنافس فيما يعود عليها بالنفع الأخروي، وبما تزكو به فلاحا، أما النفوس الوضيعة هي التي ترتضي لنفسها ضياع الأولويات من حياتها في دينها ودنياها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك