في إطار الرد على مركز (كارنيجي) للشرق الأوسط الحلقة (7) – العمل الخيري في الكويت ودور جمعية إحياء التراث(2)
الهجوم على المنهج السلفي، ليس جديدًا بل هو قديم قدم نشوء البدع والافتراق في هذه الأمة، حيث كانت كل طائفة ترى في مذهبها الحق وتعادي من يخالفه، ولما كان السلف هم الوسط المخالفون لأهل الغلو والجفاء والإفراط والتفريط نالهم من الطوائف المنحرفة كافة ما نالهم، وصبت عليهم كل فئة حادت عن الطريق المستقيم غضبها.
لذلك جاء هذا الكتاب ليؤكد هذا المفهوم الذي تميزت به السلفية عن غيرها من المناهج المنحرفة، وهو مفهوم الوسطية، وهو دحض لشبه عدة أثارتها إحدى الدراسات الصادرة عن مركز (كارنيجي) في الشرق الأوسط للباحث (سلطان بال) بعنوان: ( السلفية الكويتية ونفوذها المتنامي في بلاد الشام)، وحوت الكثير من المغالطات والأخطاء الفادحة والشبهات التي استوجب إعداد هذه الدراسة المختصرة والتي قام عليها عدد من المتخصصين في مركز ابن خلدون للدراسات محاولين فيها الحفاظ على نقاء هذه الدعوة المباركة من التشويه والعمل الخيري من الانتقاص والتشكيك.
تركز مطبوعات ومنشورات إحياء التراث على طباعة القرآن الكريم ونشر كتب العقيدة السليمة والكتب الفقهية المعتبرة والكتب التي تدعو لمحاربة الإرهاب والتطرف
لم تكن جمعية إحياء التراث الإسلامي تابعة في أي يوم من الأيام لأي جهة وإنما يتولى إدارتها الجمعية العمومية التي تحاسبها وتراقب أعمالها كما هو معروف في نظام الجمعيات الخيرية في الكويت
تتحرى جمعية إحياء التراث الإسلامي وتجتهد في تأصيل وتأكيد العمل الموافق للنهج السلفي الصحيح دائما ولم تخن المبادئ السلفية أبدا كما كتب في (دراسة بال)
إن الأهداف الأساسية للجمعيات الخيرية في دولة الكويت تتمثل في تقديم المساعدات للمحتاجين بغض النظر عن الدين أو الوطن أو الجنس أو اللون، وتقديم الاحتياجات الأساسية والخدمات الصحية والتعليمية إلى المجتمعات الفقيرة، مع إغاثة المنكوبين، وإنشاء المشاريع التعليمية والتدريبية والتنموية الإنتاجية في المجتمعات الفقيرة وتوفير فرص العمل، وجذب المتطوعين والمتطوعات للمشاركة في الأعمال الخيرية، والتنسيق مع الجهات والمنظمات الخيرية الإنسانية ونستكمل الحديث عن هذا الموضوع في هذه الحلقة ونقول: إن من أهداف جمعية إحياء التراث الإسلامي ما يأتي:
1- العمل على إبراز فضائل التراث الإسلامي، ودوره في تطوير الحضارة الإنسانية.
2- تجميع المخطوطات، والكتب الإسلامية من جميع أنحاء العالم، وتوثيقها، وتنظيمها في مكتبة جامعة.
3- تشجيع العلماء والباحثين في مجال الدراسات الإسلامية، والعمل على نشر بحوثهم، ونتاج عملهم.
4- دعوة الناس للتمسك بدين الله -تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة.
5- العمل على تنقية التراث الإسلامي من البدع والخرافات التي شوهت جمال الإسلام، وحالت دون تقدم المسلمين.
6- إنشاء صندوق للزكاة، والإشراف على صرفها في الوجوه المشروعة.
7- إنشاء المساجد والمراكز، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية والصحية ورعايتها لخدمة الإسلام والمسلمين في أنحاء العالم.
وهذا بخلاف ما جاء في (دراسة بال) التي بينت تذبذب الجمعية وتغيرها فقالت: «تعرّضت جمعية إحياء التراث الإسلامي إلى عملية تحوّل جذري، وفقدت صورتها التي يغلب عليها الطابع الحركي، وأصبحت تنظيماً أصوليا». وهذا الكلام ليس صحيحا، فخط الجمعية الفكري كان وما يزال يتبع القرآن والسنة وفق فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وتركز أعمالها على الأعمال الخيرية والإغاثية كما بينا أنفا.
1- لا انقسامات في التراث:
ومع هذا تستمر (دراسة بال) في الموضوع ذاته، وتكرره المرة تلو الأخرى فتقول: « انقسمت الجماعة السلفية على أسس حركية وأصولية، وبدوره أثّر هذا الانقسام على جمعية إحياء التراث الإسلامي»؛ لذا نؤكد كما بينا أن الجماعة لم تنقسم ولكن كوَّن بعض من كان لهم توجهاتهم المختلفة إطارات خاصة بهم، ولم يؤثر ذلك على الجمعية؛ لأنها جمعية خيرية مستقلة، وكانت جميع النقاشات التي تدور في إطار الشورى ولم يسيطر أحد على الجماعة السلفية بالمفهوم الذي أشار له (دراسة بال).
2- منشورات الجمعية شاملة:
بل تعمدت (دراسة بال) اتهام الجمعية بالتركيز على بعض القضايا وترك قضايا أخرى فتقول: «تركّز هذه المنشورات على مسألتين رئيستين هما: العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومسألة الجهاد». وهذا أيضا لا يعكس حقيقة الأمر، بل تركز مطبوعات ومنشورات جمعية إحياء التراث الإسلامي على طباعة القرآن الكريم ونشر كتب العقيدة السليمة والكتب الفقهية المعتبرة والكتب التي تدعو لمحاربة الإرهاب والتطرف. ولقد اشتمل منهج الجمعية في الدعوة والتوجيه الذي تم تأليفه في بداية التسعينات على بيان موقف الجمعية من معظم القضايا العامة، والرد على التساؤلات حولها.
3- الحاضنة لكل السلفيين:
وتزعم (دراسة بال) أن جمعية إحياء التراث الإسلامي هي الحاضنة لكل السلفيين؛ فتنص على الآتي: «أدّى تفتّت السلفيين الكويتيين، الذين كانوا في السابق موحّدين تحت راية جمعية إحياء التراث الإسلامي». والصحيح أن السلفيين متواجدون قبل إنشاء جمعية إحياء التراث الإسلامي، وهي لا تمثل جميع السلفيين، وما الجمعية إلا نشاط واحد من أنشطة الدعوة السلفية الممتدة عبر قرون طويلة في الكويت والجزيرة العربية والعالم الإسلامي كافة.
4- التبعية لمن؟:
لم تكن جمعية إحياء التراث الإسلامي تابعة في أي يوم من الأيام لأي جهة، وإنما يتولى إدارتها الجمعية العمومية التي تحاسبها وتراقب أعمالها كما هو معروف في نظام الجمعيات الخيرية في الكويت، والجمعية كويتية، وتحت إشراف حكومي كويتي متمثلا في وزارة الشؤون الاجتماعية الكويتية، ولو كانت تمارس أي نشاط مخالف لدولة الكويت لاتخذت الحكومة إجراءات في حقها، بل على العكس تماما فالجمعية منذ إنشائها عام 1981 وهي تقدم خدماتها الخيرية للجميع داخل الكويت وخارجها، وتحظى بالتقدير من كافة الجهات الرسمية والأهلية. أما من يتهم الجمعية بأنها توالي هذه الجهة أو تلك فإنه ليس لديه دليل أو حجة واضحة، وإن توافق الجمعية مع من يحمل المنهج الصحيح القائم على القرآن والسنة الصحيحة البعيد عن الغلو والتطرف والإرهاب هو توافق طبيعي فهو ما تدعو له الجمعية وتؤمن به، والجمعية تتفق مع أي دعوة صحيحة تعتمد في طرحها وفتواها على الأدلة الصحيحة من القرآن والسنة، ولا شك أن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية تمثل مرجعية أصيلة لملايين المسلمين بما تنتهجه من دعوة للخير قائمة على النهج الصحيح في اتباع القرآن والسنة الصحيحة.
5- اتهام بخيانة المبادئ:
تتحرى جمعية إحياء التراث الإسلامي وتجتهد في تأصيل العمل الموافق للنهج السلفي الصحيح وتأكيده دائما، ولم تخن المبادئ السلفية أبدا كما كتب في (دراسة بال): «لا ينتمي كل الأصوليين الكويتيين إلى جمعية إحياء التراث الإسلامي، والواقع أن بعضهم معادون للجمعية التي يتّهمونها بخيانة مبادئ السلفية من خلال المشاركة في الانتخابات البرلمانية والحفاظ على البنية المؤسّسية»، ومن المؤكد أنه لا يعني عدم انتماء بعض السلفيين للجمعية منقصة لمنهجها الوسطي بل يشير إلى بعض الاختلافات الفقهية بين هؤلاء والجمعية، وهذا لا يعيب الجمعية كما تصورتها (دراسة بال): أما عن نزول الانتخابات البرلمانية فهذا شأن سياسي لا يدخل ضمن اختصاصات الجمعية. ولقد ناقضت (دراسة بال) نفسها عندما زعمت أن الأصوليين السلفيين «ليس لهم أي نوع من المشاركة السياسية في الأنظمة العلمانية والبرلمانية» وهنا يذكر بأن المعادين لهم يعيبون عليهم «المشاركة في الانتخابات البرلمانية»!! فكيف أنهم ليس لهم مشاركة في الأنظمة البرلمانية، ويعاب عليهم في الوقت ذاته المشاركة البرلمانية!! ومعلوم أن حكم المشاركة في الانتخابات الذي تبناه السلفيون في الكويت يعتمد على رأي كبار العلماء في جواز المشاركة في نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الناس إلى الخير وتقليل الشر قدر المستطاع.

6- الخروج على الحاكم:
تقول (دراسة بال): «يعتقد الأصوليون من التيار السائد أن بوسع المسلمين عصيان الحاكم والانحياز إلى صف المعارضة إذا استخدم الحاكم العنف المفرط وغير المسوغ ضد رعاياه». وهنا تقحم (دراسة بال) نفسها في مسألة فقهية غاية في الدقة، وعادة ما تناط بكبار الفقهاء؛ لأنها تتعلق بالمصلحة الشرعية العامة للمسلمين!، وقال الإمام الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله -عز وجل- فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)، وقد بين سماحة الشيخ ابن باز -يرحمه الله- حكم الخروج على الحاكم بقوله: «لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين: أحدهما: وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان.
- والشرط الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شر أكبر منه، وبدون ذلك لا يجوز». وهنا تتضح مدى المصلحة الشرعية المؤطرة بالحكمة المؤدية الى الحد من اراقة الدماء البريئة والمحافظة على أمن واستقرار المجتمعات الإنسانية.
7- المساعدات الإنسانية:
تخلط (دراسة بال) بين المساعدات الإنسانية الواجبة للمسلم على المسلم وبين المواقف السياسية التي لا دخل للجمعية فيها فتقول: «على سبيل المثال، عارض معظم السلفيين الأصوليين في جمعية إحياء التراث الإسلامي الثورة الليبية، ولكن عندما بدأت حكومة معمر القذافي بقتل أعداد كبيرة من المتظاهرين، شعروا بأنهم معذورون في دعم الثوار، وحدث الأمر نفسه مع الثورة السورية». وهذا الكلام لا دليل عليه بل لم يكن للجمعية رأي معلن حول ما يجري في ليبيا.
8- لا قيود على إنشاء جمعيات أو تيارات
لا قيود على من يريد إنشاء جمعيات أو تيارات في الكويت؛ فهناك قانون ينظم إنشاء الجمعيات، أما التيارات فليس لها قانون بل متروك إنشاؤها للعرف العام؛ لذا لا غرابة أن يقوم مجموعة من الشباب في الكويت بإنشاء جمعية أو استحداث تيار سياسي، ولا يتطلب هذا أن تنفصل مجموعة من جهة ما، أو تهمش لتسعى إلى أن تكون هذه الجهة أو تلك مثلما ذكرت (دراسة بال) بقولها: «ظلت هذه المجموعة ضمن جمعية إحياء التراث الإسلامي وأنشأت منبراً حركياً قوياً داخلها. وبعد أن تولّى الأصوليون قيادة الجمعية وجرى تهميش عبد الرحمن عبد الخالق، انفصل معظم أعضاء هذا المنبر وأنشأوا الحركة السلفية بزعامة المطيري».
لاتوجد تعليقات