في إطار الرد على مركز (كارنيجي) للشرق الأوسط الحلقة (8)- الســلفيون والعمــــل السيـــاسـي (3)
الهجوم على المنهج السلفي، ليس جديدًا بل هو قديم قدم نشوء البدع والافتراق في هذه الأمة، حيث كانت كل طائفة ترى في مذهبها الحق وتعادي من يخالفه، ولما كان السلف هم الوسط المخالفون لأهل الغلو والجفاء والإفراط والتفريط نالهم من الطوائف المنحرفة كافة ما نالهم، وصبت عليهم كل فئة حادت عن الطريق المستقيم غضبها.
لذلك جاء هذا الكتاب ليؤكد هذا المفهوم الذي تميزت به السلفية عن غيرها من المناهج المنحرفة، وهو مفهوم الوسطية، وهو دحض لشبه عدة أثارتها إحدى الدراسات الصادرة عن مركز (كارنيجي) في الشرق الأوسط للباحث (سلطان بال) بعنوان: ( السلفية الكويتية ونفوذها المتنامي في بلاد الشام)، وحوت الكثير من المغالطات والأخطاء الفادحة والشبهات التي استوجب إعداد هذه الدراسة المختصرة والتي قام عليها عدد من المتخصصين في مركز ابن خلدون للدراسات محاولين فيها الحفاظ على نقاء هذه الدعوة المباركة من التشويه والعمل الخيري من الانتقاص والتشكيك.
لا توجد طاعة عمياء للحاكم بل تكون الطاعة للحاكم بالمعروف أي النصح له إن أخطأ وبيان الحق له دون تشهير أو تأجيج للشارع والطاعة الكلية هي لله سبحانه وتعالى ورسوله
ولي الأمر الذي يجب طاعته هو من غلب على بلده وتولى الزمام وسمي أميرا أو سلطانا أو ملكا أو نحو ذلك واستتب له الأمر بَرًّا كان أم فاجرا
إن الشارع حدد منزلة ولي الأمر ومكانته، فجعلها رفيعة، فمن يكره أو يعترض على ذلك فإنما يكره ويعترض على حكم قرره الشارع فليحذر المؤمن من ذلك
استكمالاً لما بدأناه في الحلقة السابقة التي تحدثنا فيها عن التجمع الإسلامي السلفي وهو الجناح السياسي للدعوة السلفية في دولة الكويت، وكيف أن العمل السياسي السلفي في الكويت قد سبق إنشاء جمعية إحياء التراث الإسلامي، وهذا ينفي ما ذكرته دراسة بال بأن التجمع تأسّس في العام 1981 ممثّلاً للجمعية الخيرية في السياسة المؤسّسية، ونكمل هذا الموضوع فنقول:
1- لا طاعة عمياء للحاكم المسلم:
وفي فقرة: بعد تحرير الكويت: تقول (دراسة بال): «ومن جانبهم أكد السلفيون التقليديون على الحاجة إلى الطاعة العمياء للحاكم المسلم، وأدانوا الحركيين بشدّة». ومن المنظور الشرعي لا توجد طاعة عمياء للحاكم، بل تكون الطاعة للحاكم بالمعروف، أي النصح له إن أخطأ، وبيان الحق له دون تشهير أو تأجيج للشارع. والطاعة الكلية هي لله -سبحانه وتعالى- ورسوله، انظر الآية285 من سورة البقرة من قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.
وتقول (دراسة بال): «فإنه ينبغي أن تستند الحكومة إلى حاكمية الله، وهو ما يعني أن النظام القانوني يجب أن يستند كلياً إلى الشريعة. الحاكم يجب أن يحكم بالعدل، ويجب أن يتم اختياره من المحكومين، الذين يجب عليهم طاعته. ومع ذلك، تعتمد هذه الطاعة على طاعة الحاكم لله». وهذا المفهوم الذي ذكرته الدراسة لا تنفرد به جماعة دون أخرى، بل جميع المسلمين يؤمنون بذلك، من تطبيق الشريعة وإقامة العدل، وأن تكون البيعة للحاكم من المحكومين، وتجب له الطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وتقول (دراسة بال): «فإذا ما كان الحاكم يخالف في الغالب قواعد الإسلام، عندها يمكن لرعاياه أن يعزلوه». ولا شك أن عزل الحاكم له ضوابط دقيقة وقواعد شرعية يجب أن تلتزم، وليس الأمر متروكاً لجماعة معينة تعزل الحاكم هكذا.
وتكرر (دراسة بال) الفهم الخطأ للعلاقة بين الحاكم والمحكوم فتقول: «وغالباً ما ينتقد أعضاء التجمع الإسلامي السلفي بشدة من يرون أنهم قد أهانوا الأمير، الذي يعدونه الحاكم الشرعي، وبالتالي فهو فوق النقد». في حين أن الذي يقرر العلاقة بين الحاكم والمحكوم هو الدستور الكويتي الذي ارتضاه الشعب الكويتي، وصوت عليه من خلال ممثليه في عام 1962، ولا يزال يعمل به إلى الآن دون تعديل، وبالتالي فقد نصت المادة (54) من الدستور على أن «الأمير رئيس الدولة، وذاته مصونة لا تمس».كما وأن النصوص الشرعية تؤكد على طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه، ولكن لا ترى أنه فوق النقد بل ينتقد وينصح بالأساليب الشرعية والمشروعة.
2- طاعة ولاة الأمور في الإسلام وحدود طاعتهم:
أما عن حدود طاعتهم فقد نشر الشيخ أحمد المنيعي دراسة بعنوان (طاعة ولاة الأمور في الإسلام وما حد طاعتهم)؟ أكدت على: أن الطاعة التي حددها الشارع الحكيم هي: «إذا أمر ولي الأمر بشيء مشروع، وجبت طاعته، وإذا أمر بمندوب وجبت طاعته، وإذا أمر بمباح وجبت طاعته أيضا، أما إذا أمر بمعصية، فحينئذ لم تجز طاعته في تلك المعصية فقط، ولا تنقص طاعته المشروعة، ولا تنزع يد من طاعة، ولا يشغب عليه بسبب تلك المعصية، فإذا أمرك ولي الأمر بترك الصلاة، أو قتل أحد بغير حق، أو نحو ذلك من الأمور المعلومة لكل أحد أنها مما حرمه الله – تعالى – لم تجز طاعته، بل الواجب عصيان أمره في هذا».
أما إذا أمر بشيء تنازع فيه أهل العلم، أو كان متفقا على تحريمه، لكن حمل ولي الأمر على هذا دفعُ ما هو أعظم منه شرا، وتعذر دفعهما جميعا، أو منع ولي الأمر من أمر مشروع لأجل تحصيل ما هو أكبر منه، وتعذر تحصيلهما جميعا، وجبت طاعته في ذلك، وحرمت مخالفته، والذي يقرر ما هو من هذا القبيل هم أهل العلم الراسخون، وليس لكل أحد أن يحكم بأن ذلك الأمر معصية لله – تعالى –؛ لأن الكلام في الشريعة توقيع عن الله – تعالى –، وولي الأمر قد يأمر بأمر يظهر للناس أنه معصية، لكنه قرر ذلك لدفع مفسدة أعظم، أو منع من مصلحة شرعية، لتحصيل مصلحة أكبر، ويكون ذلك بالتدارس والتشاور مع أهل الحل والعقد من العلماء المعتبرين، وأهل المعرفة والتجربة من الوجهاء والرؤساء والمستشارين.
أما عن ولي الأمر الذي يجب طاعته، فهو من غلب على بلده، وتولى الزمام، وسمي أميرا، أو سلطانا، أو ملكا، أو نحو ذلك، واستتب له الأمر بَرًّا كان أم فاجرا.
ومن أسباب تكلم العلماء عن طاعة ولاة الأمر في كتب الاعتقاد:
1- لأنها أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، وليس من المسائل الفرعية التي يسوغ فيها الخلاف.
2- لأن المخالف والمنازع لأهل السنة في ذلك هم أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والمعتزلة وأضرابهم.
3- لأنه بالسمع والطاعة تحصل مصالح الدين والدنيا وتحفظ، وبعدم السمع والطاعة يفسد الدين، وتفسد الدنيا.
1- ثمرات طاعة ولاة الأمر ومعناها:
في دراسة أعدها د. محمد بن عبد الله آل فهيد حول (معنى لزوم الجماعة وثـمرات طاعة ولاة الأمر) ربط المؤلف بين الطاعة ولزوم الجماعة فقال: «فلا شك أن طاعة ولاة الأمور تعني لزوم الجماعة»، والطاعة تعني الاعتراف بأن بيعتهم بيعة شرعية، وهي في المعروف، وهي من طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للحديث: «ومن يُطِع الأمير فقد أطاعني، ومن يَعْص الأمير فقد عصاني»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «إنما الطاعة في المعروف»، وبالتالي يلزم من طاعتهم عدم الخروج عليهم، فلا يشق العصا، ولا يحرض على ذلك، لا بنشر مقال، ولا بالدعوة إلى ذلك. وتجب نصيحتهم فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة». قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وَعَامَّتِهِم». وتُقدم النصيحة من أهل العلم على الوجه الذي يحصل قبوله، وبلين من الجانب، وفي المكان المناسب، فإن امتثل فبها، وإلا فقد برئ. ومن لزوم الجماعة أن يُذَبّ عن أعراض الولاة، من الذين يقعون فيهم، ويبين لهم أن الفعل لا يجوز، وأن هذا إما من الغيبة، وإما من البهتان، وكلاهما أمر خطير، وكبيرة من كبائر الذنوب. وينبغي الدعاء لولي الأمر بالصلاح والهداية والاستقامة، فيرعى حق الله، ويبتعد عن الظلم والبطش؛ فالدعاء لهم مما يعنيه لزوم الجماعة، وهو ما في صالح الأمة.
وعليه يتقرر السمع والطاعة لولي الأمر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم - لحذيفة - رضي الله عنه-: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع». فهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، السمع والطاعة للأئمة والولاة، أبرارا كانوا أك فجارا. وينهى عن الخروج عليهم؛ ذلك أن ضرر الخروج سيكون أكبر، وسيترتب على إنكار المنكر منكر أكبر منه، وحينئذ لا تحمد العاقبة، فنهى الشارع الحكيم عن أن يخرج على مثل من هذه حاله.
2- حق ولاة الأمر في الشرع:
في دراسة للشيخ أحمد المنيعي بعنوان (حق ولاة الأمر في الشرع) عن الحقوق الواجبة لولاة الأمر قال: «فالحق الذي لولاة الأمر، والقدر الذي لهم، إنما قرره الشارع الحكيم، وطبقه الصحابة -رضي الله عنهم- وأئمة الهدى من بعدهم، ومن حقهم على الرعية طاعتهم بالمعروف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما الطاعة في المعروف». وقوله صلى الله عليه وسلم : «اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك». وفي الحديث: «بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بَواحا، عندكم من الله فيه برهان». يعني وإن استأثروا بالدنيا، أو بشيء منها. بل إن الشارع حدد منزلة ولي الأمر ومكانته، فجعلها رفيعة، فمن يكره أو يعترض على ذلك فإنما يكره ويعترض على حكم قرره الشارع؛ فليحذر المؤمن من ذلك. وقصد الشارع من جعلها في تلك المنزلة الرفيعة هو تحقيق مقاصد عظيمة، وحفظ مصالح كبيرة، أول المستفيدين منها هم الرعية، وهذا من حكمة الشارع ليتناسب قدر الولاة مع ما تولوه من مسؤولية، فإن الناس لا يسوسهم إلا قوة الإمام وحزمه، فلولا ما يفرض الشارع من توقير الولاة وتعزيرهم، لامتهنهم الناس، واستخفوا بهم، وبأوامرهم، فوقع الخلاف والشقاق.
3- تعليق مفتي عام المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
وقد بين سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ الأصول المعتبرة عند أهل السنة والجماعة في طاعة ولاة الأمور؛ فقال: «فمن أصول أهل السنة والجماعة طاعة ولاة الأمور في طاعة الله، وفيما أمروا به من طاعة الله، ومن أصولهم أيضًا الالتفاف حول الولاة، واجتماع الكلمة، وتحريم الخروج على الأئمة، وتذكير الأمة بنعمة الاجتماع والتآلف ووحدة الصف، والله – جل وعلا – يأمر عباده المؤمنين بطاعته، وبطاعة رسوله، ثم يضيف إلى ذلك طاعة ولي الأمر، وعلماء المسلمين مجمعون على أن الأمة لا بد لها من قيادة تقودها، وولاية تنظم مصالحها؛ فلو ترك الناس بلا قيادة، وبلا رعاية، وبلا قاضٍ يقضي بينهم في أحكامهم، وبلا قائد يقودهم في مصالح دينهم ودنياهم، لعمّ الفساد البشرية؛ فطاعة ولاة الأمر، إنما هي لمصلحة الأمة ذاتها، ولرحمتها ذاتها، وليست المصلحة للوالي فقط، ولكن الأمة هي المستفيدة من ذلك، وهي التي ترعى تلك النعم، وتتقلب في هذا الخير؛ إذ هي مطمئنة، تنقل بعد الله إلى قيادة تقودها، وتَذُود عنها، وتحمي حماها، وتدافع عن كيانها».
ويكمل المفتي بقوله: «وبهذا المنطق يمكن الرد عما قد يثيره بعضهم، ممن قل إدراكه، وضعف فقهه، ولم يكن عنده التصور عن سبب هذه التشديدات في طاعة ولي الأمر، ولم هذه الأوامر الأكيدة، والوعيد الشديد على من خرج عن الطاعة؟
- والجواب: أن هذا الوعيد الشديد انصب لأجل حفظ كيان الأمة، والدفاع عنها؛ فإن الناس – بلا قيادة تجمعهم – سيصبحون فوضويين في أحوالهم كلها، ولقد كانت الجاهلية في جاهليتها لا تخضع لقيادة، ولا تنتظم تحت راية؛ فكانت الحروب الطاحنة بينهم، أفنت الكثير منهم، ومزقتهم شذر مذر، فلما جاء الإسلام، وجاء بالسمع والطاعة، وانتظام الكلمة، عزّت الأمة، وارتفع شأنها. أما عن آثار العصيان، والأفكار المنحرفة التي تختفي خلف شعارات معينة، تنصب كلها في تحريض الأمة، والشجب على ولاة الأمر، فهذه الأفكار لا تعتمد على حق، وإنما هي بدعة من آثار بدع الضالين السابقين؛ فالأمة مطالبة بالاستماع، ومحذرة من الفرقة والاختلاف. وقد كانت الأمة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد الصديق، وفي عهد عمر، وفي عهد عثمان، على أحسن حال، القلوب مجتمعة متآلفة والكلمة واحدة، فلما جاءت الفتن، وعصفت بالأمة وفرقتها، بدأت البدع والضلالات تنبت شيئا فشيئا؛ لأن المجتمع المطمئن، المتراص الصفوف، المتحد الكلمة، لا يمكن للعدو أن ينفذ من خلاله، ولا أن يبذر بذوره الشريرة ليفرق شمل الأمة، ويضرب بعضها ببعض».
لاتوجد تعليقات