رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبد الله بن صالح العبيد 18 نوفمبر، 2019 0 تعليق

فقه إنكار المنكر في زمن الفتن

   

على هامش الدورة العلمية التي أقامتها جمعية الماهر بالقرآن، استضاف رئيس الجمعية الشيخ جاسم المسباح في ديوانه الشيخ د. عبد الله بن صالح العبيد لإلقاء محاضرة بعنوان: (فقه إنكار المنكر في زمن الفتن)، وقد أكد الشيخ العبيد في بداية المحاضرة على أهمية  فقه إنكار المنكر عموما، وأنه من الضروري التنبيه عليه في كل زمان ومكان لمسيس الحاجة إليه؛ والسبب في ذلك أن كثيرا من المحبين للخير والغيورين على دين الله -تبارك وتعالى- والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وكل مسلم في قلبه محبة لله ورسوله يحب أن يخدم هذا الدين ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولأهمية هذا الموضوع سنتعرض إلى جزئية فيه مهمة، وهي (فقه إنكار المنكر في زمن الفتن)، أو زمن الخلاف، أو زمن الاختصام، أو بعض الأحداث، أو الأحوال التي تكون مضطربة.

فائدة عظيمة

     وأضاف، سأذكر في مقدمة الحديث فائدة عظيمة في كتاب الله -تبارك وتعالى-، وسأذكر مثالا عليها ولها أمثلة كثيرة في كتاب الله -عز وجل- وهي مسألة التقديم والتأخير في كتاب الله -تبارك وتعالى-، الله -تبارك وتعالى- ربما قدم شيئا على شيء؛ فيقدم المهم على الأهم أحيانا، وهذا يكون له فائدة عظيمة في كتاب الله -تبارك وتعالى-، وهذا في الحقيقة باب واسع جدًا في القرآن، أنه يقدم شيئا في الذكر؛ فتجد أنه يذكر نحو ست أوصاف أو ستة أحداث أو ستة أحوال ويقدمها، قد يبدأ أحيانا بالأقل منها؛ ففي قول الله -تبارك وتعالى-: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}؛ فبدأ بأقلهم وهو: «فمنهم ظالم لنفسه»، وهذه الطريقة في التقديم والتأخير هي أسلوب بلاغي في القرآن الكريم، وهو كثير وفسيح جدًا، ومنه هذا الموضع الذي نحن فيه، قول الله -تبارك وتعالى-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، لاحظوا معي {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، بعده {وتؤمنون بالله}، كان مقتضى السياق أن يقال: {تؤمنون بالله} قبل أن يقول: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، هذا التقديم سببه تَميُّزُ هذه الأمة باختصاصها بأنها أمة دعوة، وأمة أمر بمعروف ونهي عن منكر بخلاف الأمم السابقة، بمعنى أن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمة هي أحد أعظم خصائصها؛ ولهذا قدمت على الإيمان بالله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}، لكن لو أردنا أن ننظر في الأمم السابقة، قال الله -تبارك وتعالى- عن أهل الكتاب: {من أهل الكتاب أمة قائمة}، ماذا بعد ذلك؟ {يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر}، ماذا بعده؟ {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، لماذا أخر ذلك؟؛ لأنها لم تختص أمة في تاريخ العالم مثلما اختصت به هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

     والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أنواع كثيرة: في الدعوة، وفي التوجيه، وفي النصح، والمكاتبة، والمراسلة، التغريدات، كلها دعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وأمر بمعروف ونهي عن منكر، قصاصة ترسلها الآن على الواتس، قصاصه جميلة قد تغير حياة إنسان، هذا كله أمر بمعروف ونهي عن منكر؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بابه عظيم جدا؛ ولهذا أحد أبواب رياض الصالحين للنووي -رحمه الله ورضي عنه- وهو كتاب عظيم أنا أنصحكم أن يكون للإنسان ورد في هذا الكتاب، كل يوم يقرأ منه بابا إلى أن ينتهي الكتاب، كتاب لطيف، ولا شيء فيه إلا حديث رسول الله وآيات الله -تبارك وتعالى.

كثرة طرق الخير

     يقول النووي -رحمه الله- باب (كثرة طرق الخير)، ثم ذكر أحاديث تدل على عظمة هذا الدين من أعظم ما في هذا الدين، أن طرق الخير فيه كثيرة، ليس مثل الأمم السابقة، بعض الأمم السابقة يحتاج في بعض الأعمال الصالحة أن يبذل جهدا كبيرًا حتى يتقبلها الله منه، أما هذه الأمة؛ فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ؛ في حديث: عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ, فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ, فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وَتَرَكُوا, وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا، وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِن الْأَجْرِ, فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ, وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ, فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا، مَا بَقِيَ مِن النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَأَبَيَا, وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ, فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَت الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا؛ فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ»؛ فهذه نعمة عظيمة من الله -تبارك وتعالى- لهذه الأمة.

أجور الأعمال الصالحة

      كما أن الأعمال الصالحة في الأمم السابقة لها حَدٌّ من الأجور، لكن هذه الأمة يكون لها الضعف في ذلك، ومن النصوص على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح في قصة عاشوراء: «أن صيام عاشوراء يكفر سنة»، لكن في يوم عرفة قال: «إني أرجو أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» يعني سنتين، قال العلماء -رحمهم الله تعالى- كما في كشاف القناع وغيره في الفقه قالوا: لأن يوم عرفة يوم محمدي، ويوم عاشوراء يوم موسوي، يعني من دين موسى -عليه السلام-، وقال الله -تبارك وتعالى-: {فبهداهم اقتده}، لكن لما كان هذا شيئا من خصائصنا، زدنا على الأمم السابقة في ذلك، والنصوص في ذلك كثيرة جدا في تفضيل هذه الأمة وعظم أجرها عن الأمم السابقة فهي نعمة؛ فلله الحمد والشكر والثناء والعظمة والمجد والجود والكرم.

شروط إنكار المنكر

     مسألة إنكار المنكر، كلنا يعلم أن العلماء -رحمهم الله- ذكروا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شروطاً، أخص هذه الشروط أن يكون الإنسان عالما بالمنكَر، قد يكون الإنسان الذي عمل هذا العمل المنكر في ظنك، قد يكون معذورا، والمعذور لا ينبغي الإنكار عليه كما لو قلت لرجل: قم صل قائما، القيام ركن في الصلاة، قال: أنا عاجز لا أستطيع، هذا ليس محلا للإنكار، مع أن هذا الإنسان ترك ركنا، لو تركه غيره بطلت صلاته بإتفاق أهل العلم.

إنكار في غير محله

     إذاً الإنكار أحيانا قد يكون في غير محله، وقد يخطيء الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مثل بعض الأحداث، قد يكون عالما، وبالمنكر وعالما بكل شيء، لكن يقع الإنكار في غير محله؛ فإذا كان كذلك؛ فالإنسان ينبغي له أن يقف؛ لأن هذا ليس محلا لإنكار المنكر.

     قال سفيان الثوري: إذا أقبلت الفتنة عرفها العالم وخفيت على الجاهل؛ لأنها فتنة، قال الله -تبارك وتعالى- في قصة موسى، يقول موسى لله -عز وجل-: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء}، ووالله إن في زمن الفتن أحيانا بعض الصالحين قد تزل قدمه، حتى المبادئ يتردد ويهتز فيها، حتى المبادئ الأخلاقية وليست الشرعية فقط، المبادئ الأخلاقية التي ليست فيها خلاف بين الناس؛ ولهذا قال قوم لوط -عليه السلام-: {أخرجوهم من قريتكم}، ما ذنب هؤلاء المساكين؟ إنهم أناس يتطهرون، انظر كيف قلبت المفاهيم؛ لأنهم أناس يتطهرون أخرجوهم لا نريدهم، المجتمع إذا انتكس - نسأل الله العافية- قلبت المبادئ، وقلبت المعادلات، وكان من عقوبة الله لهم أن قلب عليهم الأرض، قال ابن عباس وغيره: حتى سمعت الملائكة في السماء ونباح كلابهم.

زمن اضطراب وخلخلة

     قال موسى: {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ}، الإنسان لا يأمن على نفسه في زمن الفتن، زمن الفتن زمن نسأل الله العافية، زمن خطير؛ ولهذا - كما قلت لكم - سفيان الثوري قال: إذا أقبلت الفتنة عرفها العالم وخفيت على الجاهل؛ فإذا أدبرت عرفها العالم والجاهل، إذا ذهبت هذه الفتن ورقد الناس وبدؤوا يتأملون، العاقل منهم والجاهل، والعالم والأمي، الذي يقرأ والذي لا يقرأ، والعربي والعجمي، كلهم سيعرف وجه الخطأ ووجه الصواب، لماذا؟؛ لأن زمن الفتن زمن اضطراب وخلخلة.

أول ما ينبغي للإنسان

     أول ما ينبغي للإنسان في زمن الفتنة أن يصنع كما صنع موسى، أن يبتهل إلى الله ويستغيث به -عزوجل- أن يحفظ عليه نفسه وأهله وذريته ومن أحبهم من المسلمين؛ فهذا ينبغي أن يتعلق بالله -عز وجل-،  حتى يحفظه من هذه الفتن، ولا تظن في زمن الفتن أنك محفوظ، هذا الكلام غير صحيح، ليس بينك وبين الله -عز وجل- إلا العمل الصالح، إذا أقبلت على الله -عزوجل- بصدق الله يحفظك، إذا أدبرت عن الله؛ فثق أن الله -تبارك وتعالى- كما أخبر عن نفسه أنه يهدي إليه من أناب، من أناب أما الذي لا ينيب يعرض عنه؛ فهذا لا يهديه الله -عزوجل-{إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم}؛ فالله -تبارك وتعالى- ليس بينه وبين الناس نسب، حتى يقول بعض الناس: أنا رجل صالح -وإن شاء الله -عز وجل- سيحفظني، هذا الكلام لا ينبغي للإنسان أن يقوله، بل الذي ينبغي أن يفعله كما فعل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يقرأ في آخر سورة الأنبياء، وكذلك في سورة مريم، وكذلك في سورة الأعراف، كيف استغاثت الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بالله -تبارك وتعالى-، وكذلك في أول سورة البقرة {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}، إلى آخر الآيات. هذا هو أول مبدأ وأول مسألة.

فقه إنكار المنكر

المسألة الثانية في مسألة فقه إنكار المنكر في زمن الفتن، أن الإنسان ينبغي له أن يزن المنكر ويضعه في مكانه الصحيح، فليس منطقيا أنك تعالج منكراً وتأتي بأنكر منه.

المصالح العليا للأمة

     ينبغي دائما معرفة -وهذا أصل من أصول إنكار المنكر - أن المصالح العليا للأمة ينبغي أن تحفظ في زمن الفتن؛ فليس منطقياً أن يكون الحاكم فعل منكرا ثم بعد ذلك يقوم الناس بالمظاهرات والسب والشتم، ويلوحون بالخروج على الحاكم، أو بقلب نظام الحكم، أو إلى آخره في سبيل وجود منكرات، سواء كانت هذه المنكرات مالية، أم أخلاقية، أم غير ذلك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن ينبه إلى ذلك، وسأله بعض أصحابه حينما تكثر الولاة ويطول زمن الفتن قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «اسمعوا وأطيعوا» - حتى في زمن الفتنة - طيب يا رسول هذا فاسق، قال: اسمعوا وأطيعوا، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - في مسألة الخروج، لما كان بعض الصحابه يلوح ويشير إلى قضية أنه فعلا ممكن أن يخلع هذا الحاكم، أو يقام عليه أو إلى آخره، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مالم تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» والوصف الثالث ذكره في الروايه الثانية، قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»؛ فعندنا أربعة أوصاف، كفر بواح عندكم فيه من الله برهان علامة واضحة مثل الشمس، أما إذا كان فيه احتمال وفيه شك، لا، قف، وكفر بإجماع أهل العلم يكون كفرا، أو باتفاق أهل العلم، أو هو قول أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنهم أهل هذه الشريعة، وأيضا إذا كانوا يقيمون الصلاة حتى لو حصل منهم كفر، الواجب البقاء معهم، لماذا؟؛ لأنه قد يحصل له من العذر بالجهل، وقد يحصل له في بعض المسائل هي في ظاهرها كفر، لكن في الحقيقة ليست كفرا.

ذكر المتأولين

     وقد بوب على هذا الإمام البخاري -رحمه الله- في قوله باب (ذكر المتأولين) الإنسان قد يقول كفرا أو يفعل كفرا، ولكن في حقيقة الأمر لا يريد، ذكر العلماء في هذا، ومنهم شيخ الإسلام وغيرهم في أبواب المتأولين، قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل الذي قال لأولاده كما في الصحيحين: «إذا أنا مت فخذوني واحرقوني ثم ذروني في يوم رائح - يعني شديد الريح-؛ لئن قدر الله عليَّ ليعذبني»، لماذا فعل هذا الفعل؟؛ لأن هذا الرجل شك في قدرة الله -تبارك وتعالى- وخاف من الله، ومن شدة خوفه من الله -عز وجل- قال: «إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروني في يوم رائح»؛ فلما جمعه الله -تبارك وتعالى- قال: ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك. انظر، هذا الرجل وقع في الكفر شك في أن الله -تبارك وتعالى- يحيي بعد أن يتفتت الإنسان، والشك في قدرة الله على البعث كفر بإجماع أهل العلم، كما دلت على ذلك النصوص، ومع ذلك الله -تبارك وتعالى- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال عن هذا الرجل: غفر الله له.

والرجل الآخر الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هل كفر هذا؟ لا، ما كفره النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم : لله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته - الذي قال هذه الكلمة - ومع ذلك ما كفره النبي صلى الله عليه وسلم .

تنطع الخوارج

     ولأجل ذلك الخوارج - من شدة تنطعهم- انظروا كيف فعلوا؟ خرج بهم هذا التنطع والتشدد إلى أنهم حتى النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضون بحكمه، قال رجل منهم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. ولذلك هؤلاء الناس عقوبتهم في الشريعة - الذين تنطعوا وتشددوا نسأل الله العافية - على غير وفق الشريعة، الشريعة جعلت لهم شكلا وجعلت للعاصي الفاسق شكلا آخر.

قصة الغامدية

     انظروا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الغامدية، المرأة جاءت وقالت: يا رسول الله إني فعلت كذا وكذا، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : «اذهبي حتى تضعي حملك»، بعد ثمانية شهور ذهبت فوضعت حملها، قال لها: «اذهبي حتى تفطميه سنتين»، ثم جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم وبيدها ولدها يأكل كسرة خبز، النبي صلى الله عليه وسلم تصدد عنها يمينا ويسارا؛ فلما انتبهت إلى تصدد النبي صلى الله عليه وسلم عنها يريد أن يصرفها لعلها تتوب - لعل الله يتوب عليها - قالت: يا رسول الله لعلك تريد أن ترددني كما رددت ماعزا، والله إنها لحبلي من الزنا -هي تقول هذا الكلام عن نفسها-؛ فالمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل هؤلاء العصاة برحمة.

فعله صلى الله عليه وسلم مع الخوارج

     لكن انظروا في الخوارج قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لئن بقيت لأقتلنهم قتل عاد»، النبي صلى الله عليه وسلم غير المعادلة، وغير طريقة التعامل، لماذا؟؛ لأن صاحب المعصية خاضع وذليل ومخبت إلى الله -عز وجل- ومعترف بذنبه، لكن هذا المجرم يقتلك حتى لو كانت المسألة خلافية فيها أكثر من رأي، يقتلك عليها ويستبيح دمك ومالك؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لئن بقيت لأقتلنهم قتل عاد»، وقال: «أينما أدركتموهم فاقتلوهم شر الخلق والخليقة» هؤلاء الناس.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك