رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 3 فبراير، 2021 0 تعليق

فــــقـــــــــه الواقــع

 

 

الشيخ: صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ

وزير الدولة وعضو مجلسي الوزراء والشؤون السياسية والأمنية

 

 

إن فقه الواقع -ونعني به الواقع المؤثر في الأحكام الشرعية- من المواضيع الشائكة، ومعرفته من الأمور الواجبة لكل عالِم من علماء الأمة الإسلامية، فمن خلال فهمه للواقع يكون قادرًا على إصدار الأحكام بما يتوافق مع الشريعة ويتماشى معها، وسنتطرق لهذا الموضوع من خلال الأثر الذي جاء عن ابن عباس الذي ذكره شيخ الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، وشرحه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتاب (فتح المجيد)، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا».

واقع الناس وصلتهم بالشرع

     لقد عبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - (إمام هذه الدعوة) في المسائل عن ذلك بقوله: «وفيه فهم الصحابي للواقع»، ويعني بالواقع واقع الناس وصلتهم بالشرع؛ لأن ابن عباس حَكَم على الناس بأن عامة مؤاخاتهم أصبحت على أمر الدنيا. إن معرفة العَالِمِ أو الفقيهِ بحال الناس؛ من حيث ارتباطهم وصلاتهم وعلاقة بعضهم ببعض أمر لا بد منه؛ لأنه لا سبيل إلى إصلاحهم إلا بذلك، فكيف يؤثر في أناس لا يعرف طريقتهم؟ لقد بين الله -جل وعلا- لنبيه طريقة المشركين وحالاتهم وعلاقاتهم وصلاتهم فقال - جل وعلا - بعد أن بَيَّن حالَهم: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} (الأنعام: 55).

من مقاصد الشرع

     إن من مقاصد الشرع أن نستبين سبيل أهل الباطل خصوصا، وسبيل الناس عموما؛ وذلك لأن استبانة سبيل الناس ينفع الداعية ويُمَكِّنُه من بيان دعوته ويساعده على تأديتها على الوجه الأكمل. إن الصحابي الجليل ابن عباس وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا الذين نشروا الدعوة وبينوا الكتاب والسنة للناس، كانوا على دراية بمعرفة أحوال الناس وما هم عليه من إقبالهم على الدين ومن مخالفتهم له، فكان كلامهم مؤثرا لأجل معرفتهم بحال الناس، فابن عباس لما رأى أن عامة مؤاخاة الناس صارت على الدنيا قال هذا الكلام وهو قوله: «من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالَى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا»، وسبب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب في الله وأبغض في الله». هو ما رآه من حال الناس، ومن أن عامة مؤاخاتهم صارت لأمر الدنيا، فنبه لهذه القاعدة العامة العظيمة التي أخذها من عموم الأدلة من الكتاب والسنة.

فهم الواقع المؤثر

     إن فهم الواقع الذي ذكره الشيخ الذي يعتني به العلماء والفقهاء في كتبهم، هو فهم الواقع المؤثر في الأحكام الشرعية؛ ففهم الواقع على قسمين: قسم مؤثر في الأحكام الشرعية، وقسم غير مؤثر في الأحكام الشرعية، فما كان منه مؤثرا في الأحكام الشرعية -أي تُبْنَى الأحكام الشرعية عليه- فهذا لابد للعالم من معرفته، وأما القسم الذي لا يؤثر في الأحكام الشرعية، فليس ضروريا كضرورة الأول؛ لأنه غير مؤثر في الحكم الشرعي، والعالِم إنما يهتم بما يؤثر في الأحكام الشرعية.

الأحكام تدور مع عللها

     إن الكلام على فهم الواقع المؤثر في الأحكام الشرعية ينبهنا إلى قاعدة مهمة تكلم الفقهاء وأصحاب القواعد الفقهية عنها وهي أن الأحكام تدور مع عللها، وأن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والأحوال، وهذا -مما لا شك فيه- مبني على المعرفة بحال الناس، وينبهنا كذلك إلى القاعدة المشهورة عندهم: وهي أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

معرفة حال الشيء وواقعه

     وتَصوُّرُ الشيء إنما يكون بمعرفة حاله وواقعه، ونعني بذلك الواقع المؤثر في الحكم الشرعي، أما الواقع غير المؤثر في الحكم الشرعي فإن معرفته ليست مشترطة في العالِم كما أشرنا؛ لأن العالم مطالب بأن يعلم ما يؤثر في الأحكام، أما ما لا تأثير له في الأحكام فليس بواجب عليه، وإنما هو بالنسبة له من قبيل الثقافة والاطلاع والمعرفة، فالواجب على العالِم هو أن يعلم قبل حكمه وقبل كلامه ما يؤثر في الواقع المرتبط بالحكم الشرعي، فإذا تكلم بكلام مبناه على واقع أخطأ في تصوره فيكون مخطئا؛ لأنه لم يفهم الواقع الذي ينبني عليه الحكم الشرعي.

لفظ (فقه الواقع)

     وقد يطلق لفظ (فقه الواقع) ويُراد به في زمننا هذا المعنى الأعم من الذي ذكرناه؛ وهو معرفة الواقع السياسي أو ما يدور من مجريات الأمور وما يحدث في الأمة أو العالَم، وهذا الأمر غير مشترط -كما أسلفنا- في العالِم، فمعرفة الواقع السياسي والعلم بما يدور في عالم السياسة ليس مُشْتَرَطًا في العالِم؛ لأن السياسة أمر لا يُعْرَف ولا يدرك كنهه، وإنما الذي يتعاطى الأخبار في ذلك غايته أن يعلم ما يجري، أما أن يفقه حقيقة ما يدري فهذا غير ممكن، ولهذا تجد كثيرين ممن يتكلمون في أمور السياسة يصيبون بعضًا ويخطئون بعضًا، وقد يكون الخطأ أكثر من الصواب؛ وذلك لأن مبناهم على الحدث والظن.

معرفة حال المسلم

     لكن معرفة حال المسلم مع أعدائه هذا يحتاجه كل واحد ولهذا بينها الله -جل وعلا- في القرآن وبينها رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيجب على المسلم أن يعلم القدر الواجب من ذلك، وهو ما أخبر الله -جل وعلا- به في كتابه، أو أخبر به النبي- صلى الله عليه وسلم - في سنته، وما هو أبعد من ذلك فإنه من فروض الكفايات، وقد يكون من المستحبات، وقد لا يكون ممدوحًا في بعض الحالات إذا حدث به تفريط في الأصول الشرعية؛ لأن هذه المسألة حادثة.

نظرة غير صائبة

     وأول من أطلق هذا المفهوم -غالبا- صاحب ظلال القرآن عند الكلام في سورة يوسف على قوله -تعالى-: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55)؛ حيث قسم الفقه إلى قسمين: فقه الأوراق، وفقه الحركة، وقال: إن فقه الحركة مبني على فقه الواقع، ولابد للحركة -يعني للجماعة الإسلامية المنظمة- أن تعتني بفقه الواقع؛ لأن مبنى حركتها مرتبط بمعرفتها لفقه الواقع، وقدم معرفة فقه الواقع على ما سماه بفقه الأوراق، وذلك أنه قال: إن فقه الأوراق-وهو فقه الكتاب والسنة - إنما يحتاج إليه إذا قامت الدولة المسلمة، فإذا لم تكن للدولة المسلمة أو الجماعة المسلمة سلطة سياسية تحكم فكيف يُعْتَنَى بفقه الأوراق قبل أن تقوم؟ فركز على الاهتمام بفقه الواقع بالمعنى العام، وهو أول من قسم هذا التقسيم، وطرقه لها كان مبنيا على نظرة، وهذه النظرة غير صائبة في أصلها، وهي أن فقه الكتاب والسنة لا يُحتاج إليه إلا إذا قامت الدولة المسلمة، وهذا مما لا شك فيه خطأ عظيم.

فقه الكتاب والسنة

     فالدعوة التي لا تقوم على فقه الكتاب والسنة دعوة لا تمت إلى الإسلام بصلة، بل هي دعوة مبتدعة، وإذا لم تكن الدعوة مبنية على فقه الكتاب والسنة فلن تقوم لها قائمة، ولن يكتب لها البقاء، وسيعتريها من الخلل الكثير. إن فقه الكتاب والسنة يحتاج إليه كل داعية، ونحن نرى دعوات كثيرة قائمة اليوم في المجتمع الإسلامي لا تهتم بتربية أفرادها على الفقه -فقه الكتاب والسنة- وهذا ينتج عنه ضرر جسيم، فكيف يدعون الناس ويعلمونهم إذا لم يكونوا يفقهون الكتاب والسنة؟

الواقع ينقسم إلى قسمين

     الخلاصة أن الواقع ينقسم إلى قسمين: واقع مؤثر في الأحكام، وواقع غير مؤثر في الأحكام، فالواقع المؤثر في الأحكام هذا هو الذي يجب على العالم والداعية رعايته، أما الواقع الذي لا يؤثر في الأحكام فهذا لا يجب على العالم أو الداعية أن يعرفه، فهذا من فروض الكفايات، وقد يكون في بعض الأحوال مستحبا وقد يكون مباحًا كما أشرنا سابقًا.

دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله

     إذا تأملنا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكيف كان يدعو الناس؟ لوجدنا أنه -رحمه الله- كان عالِمًا بواقع الناس وأحوالهم في وقته، ولهذا بدأ -رحمه الله تعالى- دعوته للناس بما يصلحهم، فما ابتدأهم بشيء بعيد عن واقعهم، بل نقلهم خطوة بخطوة معه حتى كتب الله -جل وعلا- له ما كتب من انتشار الدعوة وقوتها.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك