فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد: التعايش والوِفاق في المجتمع المسلم
الذي يخُونُ وطنَه، ويخذُلُ أهلَه، ويتواطَأُ مع الأعداء ويُمالِئُهم يجبُ الحزمُ معه، وفضحُ أمره، واتخاذُ الموقِف الرَّادِع الصارِم له ولأمثالِه
يجبُ على كل مسؤُولٍ الالتِزامُ بكل ما يُؤكِّدُ روابط الوحدة، وتلاحُم المُجتمع، بعيدًا عن المُزايَدات والحذَر من إثارة ما يُفسِدُ ولا يُصلِح، ويُفرِّقُ ولا يجمَع
الانسِجامُ والتعايُش ينشرُ الأُلفة والتعاوُن والترابُط، ويحمِي البلادَ من الأفكار المُنحرِفة، والاتجاهات العُدوانيَّة، ويُقلِّلُ من أثر الشائِعات المُوهِنة للعزائِم، والمُفرِّقة للجماعة
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (التعايش والوِفاق في المجتمع المسلم)، وقد تحـدَّث فيها عن التعايُش الذي يجبُ أن يكون سائِدًا في مُجتمع المُسلمين، مبينا ما كان في دولة الإسلام الأولى من وجود المُسلمين في مُجتمعٍ فيه المنافقون، واليهود، والمشركون، وموضحاً حِرصَ النبي صلى الله عليه وسلم على التوفيق بين المهاجرين والأنصار لا التفريق، كما حذَّر من الاختلاف المُؤدِّي إلى التكفير والتدمير، وكان مما جاء في خطبته:
سنة الله في البشر
إن من سُنَّة الله في البشر: اختلافُ أذواقهم وفُهومهم وإدراكاتهم وحدَّة طِباعهم وهدوئِهم وذكائِهم وقناعاتهم؛ فلكل إنسانٍ قناعاتُه ورُؤيتُه وفهمُه وإدراكُه، فلا يُحجَرُ عليه، ولا يُجبَرُ على تغيُّر مفاهيمه، وما يصلُحُ لهذا قد لا يصلُحُ لذاك، وإن من عباد الله من لا يُصلِحُه إلا الغِنى، ولو أفقرَه الله لكفَر، وإن من عباد الله من لا يُصلِحُه إلا الفقر، ولو أغناه الله لبطَر.
ومن هنا - عباد الله - فإن اختلافَ الناسِ ليس اختلاف تفاضُلٍ وتمايُزٍ بين أعراقها وقبائلِها وطبقاتها، ولكنَّه اختلافٌ من أجل المنافِع والإبداع، وتعدُّد طُرائق المعرفة والثقافة، والتسابُق في الخيرات، والمُسارَعة إلى المكرُمات، ومن أجل أن يتعارَفُوا، وليتَّخِذَ بعضُهم بعضًا سُخرِيًّا. أما ميزانُ التفاضُل فهو التقوى والعملُ الصالح ليس إلا.
إن المسلَك الحكيم هو في التعامُل مع ما قضَته سُنَّةُ الله من حقائِق التنوُّع الاجتماعيِّ، والتفكيرُ بطريقةٍ مُنفتِحةٍ غير ضيِّقة؛ لأن الأُطُر الضيِّقة لا تُنتِجُ إلا خياراتٍ ضيِّقة، وفهمُ الآخر لا يلزمُ منه القناعة بما يقول، ولو لم تكُن أنت مُختلفًا لما كان الآخرُ مُختلفًا، وإذا اتَّفقَ اثنان في كل شيءٍ فلا حاجةَ لأحدهما.
حقيقة الانسجام والتعايش
الانسِجامُ والتعايُش شعورٌ داخليٌّ جميلٌ في النفس الإنسانيَّة، يُبرِزُ العلاقةَ الإيجابيَّة والانتِماء بين أفراد المُجتمع، فيكونُ كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا، وكالجسَد الواحِد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهر والحُمَّى،
والمُساواةُ بين الناس ليست مُساواةَ تماثُل؛ بل مُساواةُ تكامُل. مُساواةٌ تنفِي العصبيَّة والحِزبيَّة، وحمِيَّة الجاهليَّة، ودعوَى الجاهليَّة، وتُؤكِّدُ السمعَ والطاعةَ، ولُزوم الجماعة وعدم الشُّذوذ عنها أو الخروج عليها.
الانسِجامُ والتعايُش هو الاعترافُ بحقِّ العيش في مُجتمعٍ واحدٍ، وبلدٍ واحد. والناسُ يتعايَشُون بالدين وبالمروءة وبالحياء وبالرغبة وبالرهبة.
التعايُش هو الوجودُ المشتركُ بين الناس، على اختلاف طبائِعِهم ومقاصِدهم، وهو لا يعني الإلغاء، وإنما يعني الاعترافَ بالآخر. التعايُش هو تنظيمُ وسائل العيش بين الناس.
الانسِجامُ والتعايُش ينشرُ الأُلفة والتعاوُن والترابُط، ويُنمِّي روحَ العمل والإبداع، ويحمِي البلادَ من الانحِراف، والأفكار المُنحرِفة، والاتجاهات العُدوانيَّة، ويُقلِّلُ من أثر الشائِعات المُوهِنة للعزائِم، والمُفرِّقة للجماعة.
مجتمع المدينة
و في دينِنا لم تُشرع شرائِع الدين، ولم تُفرض فرائِضُ الإسلام، ولم تتنزَّل الأحكام إلا بعد أن استقرَّ المُسلمون المُهاجِرون والأنصار في مُجتمع المدينة بمُكوِّناته وتنوُّعه، ولقد ذكرَ بعضُ أهل العلم أن من غايات الهِجرة: تكوينَ الوحدة الإسلاميَّة في ظلِّ الدولة الإسلاميَّة، لقد كان مُجتمعُ المدينة مُجتمعًا مُتعايِشًا، وهم يضُمُّ: المُؤمنين، والمنافقين، واليهود، والمُشركين، وغيرَهم.
وقد قيل للمُؤمنين في مكَّة قبل الهِجرة: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (النساء: 77)، ولما انتقَلوا إلى المدينة عاشُوا مع أهلها، قيل لهم: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (الممتحنة: 8).
وقد وجَّه الله نبيَّه محمَّدًا صلى الله عليه وسلم في شأنِ أهل الكتابِ بقولِه: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة: 13).
والعفوُ: تركُ المُؤاخذَة بالذنبِ، والصَّفحُ: تركُ أثره في النفس، ولما قال المُنافِقون مقالتَهم التي سجَّلها عليهم القرآنُ العزيز: {لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} (المنافقون: 8)، طلبَ الصحابةُ - رِضوانُ الله عليهم - من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذَنَ بقتلِهم، فقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا يتحدَّثُ الناسُ أنه كان يقتلُ أصحابَه»، ما أعظمَها من كلمة، وما أوضحَه من توجيه. فأين هذا -عياذًا بالله- من الذين يقتلُون آباءَهم وأمهاتهم وأقاربَهم، فضلاً عن إخوانهم المُسلمين؟!
لقد كان الصحابةُ -رِضوانُ الله عليهم- يرَون الاجتماع من أعظم الخيرات، وأكبر الصالِحات؛ لذا تراهم قد ائتَمُّوا بكل من حقَّت له الإمامة، يقول الإمامُ ابن حزمٍ - رحمه الله -: «وما امتنعَ قطُّ أحدٌ من الصحابةِ - رضي الله عنهم - ولا من خيارِ التابعين من الصلاة خلفَ كلِّ إمامٍ صلَّى بهم، حتى خلفَ الحجَّاج بن يوسف، وحُبيش بن دُلجَة، ونجدَة الحَروريِّ، والمُختار بن أبي عُبَيد، وكلٌّ مُتَّهمٌ بالكُفر».
أخلاق المسلمين
والمُسلِمون يرَون أن من صلَّى صلاتَهم، واستقبلَ قبلتَهم، وأكلَ ذبيحتَهم، فهو منهم، والسرائرُ إلى الله، والحسابُ على الله، فلا شقَّ عن القلوب، ولا غلَّ على سابقٍ بالإيمان، ولا تفريقَ بين المُسلمين بالأسماء والألقاب ولو كانت أشرفَ الألقاب والأسماء، مثل: المُهاجرين والأنصار، وإنما تُقالُ على سبيلِ الثناء والتأليف والتعريف.
والمُسلمون يحرِصون على هداية الخلق، ويستُرون العيوب، ولا يتتبَّعون العورات، ولا يذكُرون أخطاءَ أهل العلم إلا لبيانِ الحقِّ، وعلى سبيل الترجيح لا على سبيل التجريح، ويلتمِسُون العُذرَ ما أمكَن.
يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «إن المُتأوِّل الذي قصدُه مُتابعةُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهدَ فأخطأَ لا يُكفَّر، بل ولا يُفسَّق، وهذا مشهورٌ عند الناس في المسائل العلمية، وأما مسائلُ العقائِد فكثيرٌ من الناس كفَّر المُخطِئين فيها. وهذا القولُ لا يُعرفُ عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحدٍ من أئمة الإسلام، وليس فيهم - يعني: الأئمة الأربعة - من كفَّر كلَّ مُبتدِعٍ.
وما أجملَ الوقوفَ عند قولِه صلى الله عليه وسلم : «شهِدتُّ بدار عبد الله بن جُدعان حِلفًا ما أحبُّ أن لي به حُمر النَّعَم، ولو دُعِيتُ لمثلِه في الإسلام لأجبتُ»، إنه حلفٌ يحفظُ الحقوق، وينصُر المظلُوم، ويُعينُ المحرُوم، ويحفظُ المصلحةَ العامَّة، ويدفعُ التصادُم، وقد قال الإمام البغويُّ - رحمه الله - في قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}(النساء: 140)، قال: «وإن خاضُوا في حديثٍ غيره فلا بأسَ في القعُود معهم مع الكراهة».
إن الإسلام يسَعُ أهلَه كلَّهم، لسعَتِه وسماحته، عاشُوا في كنَفِه وتعايَشُوا على أرضِه القرونَ تلوَ القُرون، وعونُ الله لا يتنزَّلُ على المُتعصِّبين والمُتحزِّبين، ولا ينصُر الله أقوامًا مُتفرِّقين.
إن الجفاءَ والتباعُد النفسيَّ والاجتماعيَّ هو الذي يقضِي على الوِحدة، وينبُذ التعايُش، والعاقلُ المُنصِفُ من اغتفرَ قليلَ خطأ أخيه في كثيرِ صوابِه، فلا يبخَسُ الناسَ حقوقَهم، ولا أشياءَهم؛ بل يُعاملُ الناسَ بما يحبُّ أن يُعامِلوه به، فلا يقِفُ عند الألفاظ والكلمات؛ بل يقبلُ ما يقولُه صاحبُه في تفسير مُرادِه.
القولُ الحسنُ والتعامُلُ الحسنُ لا يتوقَّفُ على دينٍ أو مذهَب؛ بل هو حقٌّ لكل الناس، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: 83)، والوسيلةُ في ذلك: الرِّفقُ والإنصافُ، والحبُّ والابتسامةُ، وحُسنُ الظنِّ، وطِيبُ القلب، وسلامةُ الصدر، والاحترامُ والتقديرُ.
ولا تستطيعُ حمايةَ نفسِك ما لم تحمِ إخوانَك؛ فالمرءُ قليلٌ بنفسِه كثيرٌ بإخوانه، والحياةُ قائمةٌ على الزوجيَّة والثُّنائيَّة، وليس على الأُحاديَّة والفرديَّة، وتسويةُ الناس بفِكرٍ واحدٍ خلافُ سُنَّة الله، والحوارُ هو للتعارُف والتعايُش والتفاهُم ومزيدٍ من الثقافة، وليس للإلزام والإقناع.
التعايش والرد على المخالف
ينبغي التفريقُ بين التعايُش والردِّ على المُخالف؛ فالردُّ على المُخالِف بابٌ واسِعٌ مفتُوح، يُسلَكُ فيه مسالِكُ المصلحة والحكمة والموعِظة الحسنَة، والجِدال بالتي هي أحسن في بيان الحق، وتزييف ما عداه؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة قبِلَ تنوُّعَها وتعدُّد سُكَّانها، في حينِ أن القرآن كان ينزِلُ لبيان الحقِّ وفضحِ المُخالِف.
التعايش والباغي الخائن
كما ينبغي التفريقُ بين المُسالِم والباغِي والخائِن؛ فالذي يبغي ويُهدِّدُ السِّلم العام، ويُريدُ تفريقَ المُسلمين، ويُعمِلُ السَّيفَ على رِقابهم، فلا بُدَّ من إيقافه عند حدِّه، والضربِ على يدِه كائنًا من كان، والذي يخُونُ وطنَه، ويخذُلُ أهلَه، ويتواطَأُ مع الأعداء ويُمالِئُهم يجبُ الحزمُ معه، وفضحُ أمره، واتخاذُ الموقِف الرَّادِع الصارِم له ولأمثالِه، وقد قال عليٌّ - رضي الله عنه - في الخوارِج: «لكم علينا ألا نمنَعَكم حقَّكم من الفَيء، ولا نمنَعَكم من المساجِد، ولا نُقاتِلَكم حتى تُقاتِلوا»، فلما استحلُّوا دماءَ المُسلمين وأموالَهم، فقتَلُوا عبد الله بن خبَّاب، وأغارُوا على صَرح المُسلمين، فحينئذٍ قاتلَهم - صلى الله عليه وسلم -.
غايات مطلوبة
عباد الله: وحدةَ الصفِّ واجتماع الكلمة غاياتٌ مطلُوبةٌ في كل حين، وهي عُنوانُ قوَّة الأمة، وسرُّ حفظِ البلاد، ولكنَّها في هذه الظروف التي يتربَّصُ بها الأعداءُ، ويتطاوَلُ فيها المُغرِضون، ويجتَرِئُ فيها الخوَنةُ، تكونُ أشدَّ إلحاحًا وأعظمَ حاجةٍ، فيجبُ على كل مسؤُولٍ أيًّا كانت مسؤوليَّتُه، سياسيًّا أم إعلاميًّا أم تعليميًّا أم غيرَهم، في قطاعٍ عامٍّ أم في قطاعٍ خاصٍّ، أن يتأمَّل في الأوضاع، ويعيشَ الواقِع، ويستوعِبَ النوازِل المُحيطة، ولاسيما في هذا البلاد المُبارَكة القائِمة على شرعِ الله الرافِعة لرايةِ التوحيد، وقد أدركَ العالَمُ ذلك فيها، ووحدة صفِّها، وتماسُك جبهتها الداخليَّة، ومِصداقيَّتها، وحُسن علاقاتها. ومن هنا، كانت الثقةُ بها، والقبولُ بدعواتها، والالتِفافُ حولَها، والتحالُف معها.
يجبُ على كل مسؤُولٍ الالتِزامُ بكل ما يُؤكِّدُ روابط الوحدة، وتلاحُم المُجتمع، بعيدًا عن المُزايَدات وعن كل نقاشٍ أو مسائل لا تُناسِب المرحلَة، والحذَر من إثارة ما يُفسِدُ ولا يُصلِح، ويُفرِّقُ ولا يجمَع من مقالاتٍ أو تغريداتٍ أو رسومات.
باعِثُ ذلك: حُسنُ التديُّن، والحبُّ، والإخلاصُ، والعقلُ والحكمة، والغيرةُ على الدين، وعلى الوطن، وعلى الأهل، حِرصًا على المصلَحة العامَّة، واجتماع الكلمة، والالتِفافِ حول القيادة، وإغاظَة العدوِّ المُتربِّص، حفِظ الله العبادَ والبلاد، وأعزَّ الإسلام وأهلَه، وردَّ كيدَ الكائِدين في نُحورهم.
لاتوجد تعليقات