فضيلة الشيخ سعود الشريم: التحذيــر من العناد والاستكبـار
العنادُ طبعُ اللئيم، لا يقعُ فيه إلا القلوبُ المُستكبِرة والحاسِدة والمُستنكِفة، قلوبٌ لا تعترِفُ بالخطأ، ولا يُرضِيها الحقُّ
ما من مُدلهِمَّةٍ ولا خطبٍ يُصيبُ الأمَّة إلا والعِنادُ جُزءٌ من فَتيلِه، حتى في حياةِ المرء اليومية، في بيتِه وسُوقِه وعملِه
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (التحذير من العناد والاستكبار)، التي تحدَّث فيها عن التحذير من خُلُقٍ سيِّئٍ هو من أسوأ الأخلاق وأشنَع الطِّباع، ألا وهو العِنادُ والاستِكبار، مُبيِّنًا أن من سلَكَ هذا السُّلوك فإنه يقتدِي بأول المُعانِدين إبليس - عليه لعائِنُ الله -، ومن تبِعَه من الكفار والمُجرمين، مثل: فرعون وأبي لهب وغيرهما، وكان مما جاء في خطبته:
إن البشرَ كلَّهم خطَّاؤون، وإن الكمالَ لله - جلَّ شأنُه -، والعصمةَ لأنبيائِه ورُسُله - صلواتُ الله وسلامُه عليهم -، وإن بشرًا يُخطِئون ويُذنِبون لما يخرُجوا عما جبلَهم الله عليه، غيرَ أن الإصرارَ على الخطأ والتمادِي فيه، وخلقَ المعاذير والمُسوِّغات للبقاءِ عليه، وعدم الرُّجوع عنه إلى الحقِّ لهُو الخُلُق المَشين، والخَلَّةُ المنبُوذَة التي يلفِظُها ذوو الحِجَى والمروءَات، ولا يُسمِّي عامَّةُ العُقلاء ذلكم إلا عنادًا واستِكبارًا، كيف لا؟ والمُخطِئُ الذي يعلمُ خطأَه، ويظهرُ الحقُّ له، ثم لا يتغيَّر شيءٌ من حالِه إنما منعَه طبعٌ فيه لُؤمٌ وأنَفَة لا يكسِرُهما حقٌّ ظاهرٌ، ولا موعظةٌ حسنةٌ.
فإن لم يكُن المُصرُّ على الخطأ مُعانِدًا، فمن المُعانِدُ إذًا؟! وإن لم يكُن مُستكبِرًا، فمن المُستكبِرُ إذًا؟! {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (لقمان: 7)، وقد جاء في الحديث: أن رجُلاً أكلَ عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بشِماله، فقال: «كُل بيَمينِك». قال: لا أستطيع، قال صلى الله عليه وسلم : «لا استَطعتَ، ما منعَه إلا الكِبرُ». قال: فما رفعَها إلى فيهِ؛ رواه مسلم.

العناد طبع اللئيم
العنادُ - عباد الله - طبعُ اللئيم، لا ترونَه في سمتِ امرئٍ ملأَ الله قلبَه إيمانًا وحكمةً وعلمًا، والعنادُ والاستِكبارُ لا تقعُ فيه إلا القلوبُ المُستكبِرة والحاسِدة والمُستنكِفة، قلوبٌ لا تعترِفُ بالخطأ، ولا يُرضِيها الحقُّ؛ بل ترَى في الرُّجوع إليه ذلَّةً ومهانةً وقُصورًا. ألا في الذلَّة والمهانة والقُصور وقعَ المُعانِدون، وإن زخرَفوا من القول ما زخرَفُوا، وزوَّرُوا من الفعل ما زوَّرُوا، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} (البقرة: 204- 206).
إنه ما من مُعاندٍ مُستكبِرٍ إلا كان قائدَه في العناد والاستِكبار إبليسُ - عليه لعائِنُ الله -؛ فإنه أولُ من عانَدَ وهو يعلمُ الحقَّ، {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} (ص: 75)، إنه العلوُّ والاستِكبارُ اللذَان لا يجتمِعان مع الحقِّ ألبتَّة.
ما العناد؟
العنادُ - عباد الله - هو حالةٌ من التعبير عن الرفضِ للقيامِ بعملٍ ما، حتى لو كان واجِبًا، أو الانتِهاءِ عن عملٍ ما حتى ولو كان مُحرَّمًا، مع الإصرارِ على ذلكم وعدم التراجُع، ومن هنا جاء معنى اللُّؤم في العِناد؛ لأن فيه مخالفةً للطبيعة البشريَّة السوِيَّة، المُؤيَّدة بالشِّرعة السَّمحَة، لذلك لما ملأَ العنادُ والاستِكبار أعداءَ الملَّة، صارُوا به ألأَمَ الناسِ، وأشدَّهم استِكبارًا. لا يستسلِمون للحُجَج والبراهِين، ولا تُرقِّقُهم المواعِظُ، ولا الترغيبُ والترهيبُ؛ لأن العِناد عدوُّ ذلكم كلَّه، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل: 14).
لذلك قال بعضُ أهل العلم: «أصعبُ الرجاءِ: رجاءُ رقَّة المُعانِد؛ لأن العِناد يُنشِئُ على القلبِ رانًا يجعلُه لا يقبلُ إلا ما يراهُ ولو كان باطلاً، ويردُّ ما يراهُ غيرُه وإن كان حقًّا»، ومهما تكاثَرَت الحُجَج وتنوَّعَت، فالمُعانِدُ هو المُعانِد، والعنادُ هو العنادُ. حتى ولو قرأتَ عليه القرآن، أو وعظَه لُقمان؛ لأنه أغلفُ القلب، بيزنطيُّ المنطِق.
وأمثالُ هؤلاء - عباد الله - هم السُّوسُ في مُجتمعات المُسلمين، لا يقَعون على شيءٍ إلا نخَرُوه وأفسَدوه، فيجمعُون بعِنادهم ثلاثَ خطايا: خطيئة الغلَط، وخطيئة الإصرار عليه، وخطيئة إيذاء الأمة بالغلَط والإصرار، فيا حسرةً على هؤلاء، وقد عناهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقولِه: «ويلٌ للمُصرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلُوا وهم يعلَمون»؛ رواه أحمد وغيرُه.
عناد قريش
قال ابن القيِّم -رحمه الله- نقلاً عن أهلِ السِّير ودلائِل النبُوَّة: «لما رأَت قريشُ أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يعلُو والأمور تتزايَد، أجمَعوا أن يتعاقَدوا على بني هاشِم وبني عبد المُطلب وبني عبد منافٍ، ألا يُبايِعوهم ولا يُناكِحوهم ولا يُكلِّموهم ولا يُجالِسُوهم، حتى يُسلِموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبُوا بذلك صحيفةً وعلَّقُوها في سقفِ الكعبَة.
فانحازَت بنُو هاشِم وبنُو المُطلب مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهبٍ، فإنه ظاهرَ قريشًا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وبنِي هاشِم وبنِي المُطلب، وحُبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومن معَه في شِعبِ أبي طالبٍ، ليلة هلال المُحرَّم سنةَ سبعٍ من البِعثة، وبقُوا محصُورين مُضيَّقًا عليهم جدًّا، مقطوعًا عنهم المِيرَةُ والمادَّةُ نحو ثلاث سنين، حتى بلغَ بهم الجهد.
ثم أطلعَ الله رسولَه - صلى الله عليه وسلم - على أمرِ صحيفتِهم، وأنه أرسلَ إليها الأرضَة فأكلَت جميعَ ما فيها من جَورٍ وقطيعةٍ وظُلمٍ، إلا ذكرَ الله - عز وجل - فأخبرَ بذلك عمَّه، فخرجَ إليهم فأخبرَهم أن ابنَ أخيه قال كذا وكذا، فإن كان كذِبًا خلَّينَا بينَكم وبينَه، وإن كان صادِقًا رجعتُم عن ظُلمِكم لنا، قالوا: لقد أنصفتَ، فأنزلُوا الصحيفة، فلما رأوا الأمرَ كما قال وأخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ازدادُوا كفرًا وعِنادًا».
إنه العنادُ - عباد الله - الذي رانَ على قلوبِهم، فصارُوا كما قال الله:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ} (فاطر: 42، 43)،
وقد يكونُ العِنادُ جُزءًا من حياةٍ مُبكِّرة من حياةِ الطفل، لضعفِ تفكيرِه، لكنَّه إذا لم يُزَح عنه بالتربية والتعليمِ الصالِحَين اجتالَه العنادُ بقيَّةَ حياتِه، فينعكِسُ عِنادُه على ما يكونُ له من مُستقبَل، إن كان عالِمًا أو حاكمًا أو طبيبًا أو سياسيًّا أو غيرَ ذلكم.
عواقب العناد
وإنه ما من مُدلهِمَّةٍ ولا خطبٍ يُصيبُ الأمَّة إلا والعِنادُ جُزءٌ من فَتيلِه، حتى في حياةِ المرء اليومية، في بيتِه وسُوقِه وعملِه، لكن المُوفَّق من وفَّقه الله، ووسِعَه ما وسِعَ أهلَ العلم والإيمان والعقولَ السويَّة، تمسَّك بجماعتِهم، وعضَّ على تمسُّكِه بالنواجِذ، يُخطِئُ فيعتذِر، ويُذنِبُ فيتوب، يُوقِنُ أن اعترافَه بالحقِّ خيرٌ من تمادِيه في الباطِل.
يعلمُ أن من سبقَه من أئمة الدينِ والعلمِ والدعوةِ من الأئمة الأربعَة وغيرِهم، كلٌّ منهم كان يبرَأُ من خطئِه، ويأمر غيرَه بردِّ ما لم يُوافِق هديَ النبيصلى الله عليه وسلم ، لإدراكِهم جميعًا أن الإصرارَ على الخطيئة إنما هي عِناد، وأن العِنادَ عدوُّ السماحَة، فليس المُعانِدُ سمحًا، ولا السَّمحُ مُعانِدًا، فالسَّمحُ مرحُوم، والمُعانِدُ مذمُوم، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : «رحِم الله رجُلاً سمحًا إذا باعَ، وإذا اشترَى، وإذا اقتضَى». رواه البخاري، هذا في أمور الدنيا.
وفي أمور أخرى، قال الله -جل وعلا-: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(آل عمران: 135)، إنكم لترَون - عباد الله - العنادَ ضارِبًا بأطنابِه في قلوبِ كثيرٍ من الناسِ، يرَون في العِناد نشوةً وزهوًا، غايتُهم الانتِصارُ للنفس لا للحقِّ، تطفَحُ بأمثالِهم وسائلُ التواصُل المقروءة والمسمُوعة، يهدِمون بالعِناد ولا يبنُون، ويُبعِّدون به ولا يُقرِّبُون، ويُفرِّقون ولا يجمَعون.
إنكم لن تجِدوا مُعانِدًا يُمكنُ أن يكون عاملَ بناءٍ في مُجتمعه، ما دام العِنادُ رائدَه، والاستِكبارُ حادِيَه. وكفَى بهذه الخَلَّة أن تُوقِعَ صاحبَها في مُشابَهَة من قال اللهُ عنه: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} (المدثر: 16، 17).
يعني: عذابًا لا راحةَ فيه، جزاءَ العِناد الذي لا رجوعَ معه إلى الحقِّ. أعاذَنا الله وإياكُم من ذلك.
من سرَّه ألا يبُوءَ بإثمِه
وبما جنَتْهُ يداهُ يوم معادِ
فليعترِف بالحقِّ دون غضاضَةٍ
ما ضرَّ أهلَ الخُسرِ غيرَ عِنادِ
لاتوجد تعليقات