فضائل المسجد الأقصى وبيت المقدس بين الاتباع والابتداع
من الأمور التي اهتم بها السلف وهي من أصولهم الحث على اتباع السنة والتحذير من البدعة، امتثالا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديث العرباض بن سارية بأن: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله»، و «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». متفق عليه، وإننا من خلال هذا المبحث نسلط الضوء -بمشيئة الله- على بعض البدع والاعتقادات الخطأ في المسجد الأقصى والقدس التي يمارسها بعض المسلمين قديما وحديثا، وقد نوه على كثير منها العلماء السابقون كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم -رحمهم الله جميعًا.
الخطأ الأول
تسمية المسجد الأقصى حرمًا
من الأخطاء الشائعة والدارجة على الألسن بين عوام الناس وخاصتهم القول: بأن المسجد الأقصى حـرم، وتسميته بالحرم الشريف، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في اقتضاء الصراط المستقيم (2/817): «الأقصى اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرماً، إنما الحرم بمكة والمدينة خاصة».
ليس هناك إلا حرمان
وقال في المجموع (26/117): «وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس، ولا غيره، إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم المقدس، وحرم الخليل. فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه حرم مكة، وأما المدينة فلها حرم أيضاً عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذي عليه جمهور علماء المسلمين أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ويلي مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفضل المسجد الأقصى، وقال عبد الله بن هشام الأنصاري المتوفى سنة 671 هـ - رحمه الله - في كتابه (تحصيل الأنس لزائر القدس):... وما سمعته من كبار أهل البلد أنهم يقولون: (حرم القدس) فيحرمون ما أحل الله افتراءً على الله، ونعوذ بالله من الخذلان.
وقال ابن القيم - رحمه الله - (زاد المعاد 1/53): فذوات ما اختاره الله واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو -سبحانه- فضلها بتلك الصفات، وخصها بالاختيار، فهذا خلقه، وهذا اختياره {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} القصص:67.
لا حرام إلا ما حرمه الله
ومن هنا يفهم أنه لا يجوز تحريم أمكنة لم يجعلها الله حرماً، وبهذا يظهر خطأ وبدعية من قال: إن المسجد الأقصى حرماً، وتسميتهم إياه: بالحرم الشريف، وكذلك القول بأن المسجد الأقصى ثالث الحرمين عبارة غير دقيقة؛ من حيث الاصطلاح الشرعي؛ لأن الحرم هو: ما يحرم صيده وشجره وله أحكام تخصه عن غيره، أما بيت المقدس فإنه لا يحرم صيده ولا شجره، كما هو الحال في المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة وذلك باتفاق العلماء، وبعضهم تجاوز حتى أطلق على المسجد الإبراهيمي في الخليل مسمى (الحرم الإبراهيمي)، وهذا لا يجوز؛ لأنه تحريمٌ لهذا المسجد الذي لم يجعله الله حراماً.
أسماء ثابتة
قال شيخ الإسلام في المجموع (27/148): والدين دين الله، بلغه عنه رسوله؛ فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، والله -تعالى- ذم المشركين؛ لأنهم شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، فحرموا أشياء لم يحرمها الله كالبحيرة والسائبة والوصيلة، وشرعوا دينا لم يأذن به الله كدعاء غيره وعبادته والرهبانية التي ابتدعها النصارى، ومن أسمائه الثابتة في الكتاب والسنة (المسجد الأقصى)، (وبيت المقدس)، (ومسجد إيلياء)، والمسجد الأقصى فيه من الفضل ما فيه، ولا نضيف في مسمياته ما لم يشرعه الله -تعالى.
الخطأ الثاني
إضفاء القدسية على صخرة بيت المقدس
من الأخطاء الشائعة حول المسجد الأقصى أن للصخرة المبني عليها القبة الذهبية التي تسمى (مسجد قبة الصخرة)، وتركز عليها وسائل الإعلام الإسلامية والعالمية على أنها هي المسجد الأقصى - أن لها قداسة خاصة، وقد ظهر من بعض المسلمين المغالاة في تقديس الصخرة، ووصل الأمر بهم إلى حد التجاوز والإفراط؛ فقالوا عنها: إنه كان عليها ياقوتة تضيء بالليل كضوء الشمس، ولا تزل كذلك حتى خربها بختنصر، أو أنها من صخور الجنة، وحول صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء، وإليها المحشر ومنها المنشر، وسيد الصخور صخرة بيت المقدس، ومياه الأرض كلها تخرج من تحت الصخرة، وصخرة معلقة من كل الجهات، وعليها موضع قدم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعليها أثر أصابع الملائكة، والماء الذي يخرج من أصل الصخرة، وأنها على نهر من أنهار الجنة، والمياه العذبة والرياح اللواقح من تحت صخرة ببيت المقدس، وعرش الله الأدنى، ومن تحتها بسطت الأرض، والصخرة وسط الدنيا، وأوسط الأرض كلها، وعُرج بالنبي - صلى الله عليه وسلم - منها إلى السماء، وارتفعت وراءه، وأشار لها جبريل أن اثبتي، ولها مكانة كالحجر الأسود في الكعبة، إلى غير ذلك من الأقوال البدعية.
إنكار علماء المسلمين
وقد أنكر علماء المسلمين هذا التعلق بالصخرة، وبينوا أنها صخرة من صخور المسجد الأقصى، وجزءٌ منه، وليس لها أية ميزة خاصة، فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى مجلد 27 - كتاب الزيارة ص12): «أما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة، وما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبي- صلى الله عليه وسلم -، وأثر عمامته، وغير ذلك: فكله كذب، وأكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب، وكذلك المكان الذي يذكر أنه مهد عيسى - عليه السلام - كذب، وإنما كان موضع معمودية النصارى، وكذا من زعم أن هناك الصراط والميزان، أو أن السور الذي يضرب بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد، وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعاً».
لم يُصَلِّ عندها عمر - رضي الله عنه
والصخرة لم يُصَلِّ عندها عمر - رضي الله عنه - ولا الصحابة، ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، ومروان، وبنى عليها عبد الملك بن مروان القبة، وقال: «إن عمر بن الخطاب لما فتح البلد قال لكعب الأحبار: أين ترى أن أبني مُصَلى المسلمين؟ قال: ابنِهِ خلف الصخرة: قال خالطتك يهودية، بل أبنيه أمامها؛ فإن لنا صدور المساجد، فبنى هذا المصلى الذي تسميه العامة (الأقصى)، ولم يتمسح بالصخرة، ولا قبّلها ولا صلى عندها، كيف؟! وقد ثبت عنه في الصحيح: «أنه لما قبل الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا إني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك».
أحاديث ضعيفة
وقد ضعف الإمام ابن القيم كل الأحاديث الواردة في الصخرة، فقال في المنار المنيف (87، 88): «وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقَدَم الذي فيها كذب موضوع مما عملته أيدي المزورين، الذين يروجون لها ليكثر سواد الزائرين، وأرفع شيء في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الزمان، أبدل الله بها هذه الأمة المحمدية الكعبة البيت الحرام، ولما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس: هل يجعله أمام الصخرة، أو خلفها؟ فقال له كعب يا أمير المؤمنين: ابنه خلف الصخرة، فقال يا ابن اليهودية، خالطتك اليهودية ! بل أبنيه أمام الصخرة حتى لا يستقبلها المصلون، فبناه حيث هو اليوم».
ضلال وأضغاث أحلام
وقال عبد الله بن هشام صاحب كتابه (تحصيل الأنس لزائر القدس) (مخطوط)ص 64: «قد بلغني أن قوماً من الجهلاء يجتمعون يوم عرفة بالمسجد، وأن منهم من يطوف بالصخرة، وأنهم ينفرون عند غروب الشمس وكل ذلك ضلال وأضغاث أحلام»، ومما تدل عليه عبارة صاحب المخطوطة: أن هناك تجاوزات لبعض عامة الناس في تقديس المسجد الأقصى. وكان رفضاً واضحاً من علماء المسلمين لهذه التجاوزات، وتحذيراً للعامَّة منها.
الفضيلة للمسجد الأقصى وليس للصخرة
ويقول شيخنا محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - عن تقديس الصخرة في المسجد الأقصى: «الفضيلة للمسجد الأقصى وليس للصخرة، وما ذكر فيها لا قيمة له إطلاقاً من الناحية العلمية، ولا ينبغي تقديس ما لم يقدسه الشرع، ولا تعظيم ما لم يعظمه الشرع»، ومما يذكر في سيرة الصحابة وأئمة المسلمين أنهم إذا دخلوا المسجد الأقصى قصدوا الصلاة في المصلى الذي بناه عمر، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم جـ 2 ص 817): «وأما المسجد الأقصى فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم: الأقصى. والأقصى اسم للمسجد كله، ولا يسمى هو ولا غيره حرماً، وإنما الحرم بمكة والمدينة خاصة.
فبنى عمر المصلى الذي في القبلة، ولم يصل عمر ولا المسلمون عند الصخرة، ولا تمسحوا بها، ولا قبلوها، وقد ثبت أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه، وصلى فيه، ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها، ولا يقرب شيئاً من تلك البقاع، وكذلك نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين، كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم».
لا يسن استلامها ولا تقبليها
فصخرة بيت المقدس باتفاق المسلمين لا يسن استلامها ولا تقبليها ولا التبرك بها كما يفعله بعض الجهال، وليس لها خصوصية في الدعاء، ويجب تحذير المسلمين من هذا الفعل، ولم يثبت حديث صحيح في فضل الصخرة، وكل ما قيل فيها لا يصح سنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى مسلم في صحيحه عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتون من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم، لا يضلونكم، ولا يفتنونكم».
نقل المكذوب والموضوع
وقد سوغ بعضهم ممن كتب في فضائل بيت المقدس التساهل في التدقيق بالأحاديث الواردة من باب أن فضائل الأعمال يعمل فيها بالأحاديث الضعيفة، وقد تجاوز بعضهم حتى نقل المكذوب والموضوع، وأخذ من كلام القصاص مما لا ينبغي ذكره، ويقول شهاب الدين أبو محمود المقدسي في مخطوطة (مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام) وهو يرفض التجاوز في تقديس المسجد الأقصى، والوصول به إلى ما فوق المنزلة المقبولة في عقيدة الإسلام: «قاتل الله القصاصين والوضاعين، كم لهم من إفك على وهب وكعب، ولا شك في فضل هذا المسجد، ولكنهم قد غَلَوا»، وبعضهم يسرد تلك الأحاديث ولا يشير أدنى إشارة إلى ضعفها ووهنها، بل ويروونها وكأنها من الصحاح التي لا خلاف فيها.
لا يقلل من فضائل المسجد الأقصى
وتنبيه الناس على أمر صخرة بيت المقدس لا يقلل من فضائل المسجد الأقصى؛ فقد ذكر الله -تعالى- في كتابه العزيز العديد من الآيات التي خصت المسجد الأقصى وبيت المقدس بالبركة والفضيلة، وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتب الصحاح والسنن الكثير من الأحاديث التي نصت على ما حباه الله -تعالى- من الخير والبركة، وبينت الخصائص التي تميز بها المسجد الأقصى وأرضه؛ لما لها من مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة في الشرع الإسلامي.
اندثار لكثير من البدع
وختامًا: فإننا نشهد في هذه الأيام اندثارا لكثير من البدع التي كانت في فلسطين والمسجد والأقصى؛ وذلك بفضل الله -تعالى- ثم بجهود الدعاة السلفيين الذين يدعون إلى الله على بصيرة، وإنني من خلال تخصيص الأرض المقدسة بهذا البحث نعتقد بأهمية أرض فلسطين وبيت المقدس في قلوب المسلمين، لا كما يدعي بعض الفرق الباطنية بأن المسجد الأقصى غير مقدس عند المسلمين لإبعادهم عن هذا المكان الطاهر الذي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه مكان الطائفة المنصورة وغيرها من الفضائل العظيمة التي أخبر عنها النبي - صلى الله عليه وسلم . والله أسأل أن يطهر أرض فلسطين من البدع، وأن يعيدها للمسلين إنه سميع مجيب.
لاتوجد تعليقات