فرحة العيد وواقع الأمة
يغالب المسلم أحزانه، ويجتهد في أن يتسامى على الجراحات النازفة من أكثر من عضو في جسد أمته، ليعيش فرحة العيد، ولولا أن حقوق العبودية توجب على المسلم إعطاء كل مقام ما يستحقه، فيفرح ويبتهج في الأيام التي شرع الله فيها ذلك، لما وجد الفرح إلى نفسه سبيلا؛ إذ كيف يستطيب مظاهر البهجة، ويركن إلى أجواء الفرح والمرح، وهو يشاهد بعينيه تلك المشاهد المؤلمة والمفزعة، وتصك آذانه كل صباح ومساء أخبار إخوانه الحزينة المفجعة!
واقع أمتنا فيه من المفارقات ما يزعج المرء ويكدَر خاطره، فرمضان القيام وإحياء الليل بالذكر والدعاء تحول عند بعض المسلمين إلى سهرات رمضانية في (الكوفي شوب) إلى مطلع الفجر، ورمضان التوبة والمغفرة والرجوع إلى الله أصبحت ساعاته عبئا ثقيلا على كثير من الصائمين؛ فأزهقوها متسمرين أمام شاشات التلفاز، يقفزون من محطة إلى محطة، فكيف يتفاعل من كان هذا حاله مع هموم أمته؟.
أم كيف يذرف دمعة حزن على المصائب التي تحيق بالمسلمين من كل جانب؟ هل بلغ عدم المبالاة من نفوس كثير من المسلمين مبلغا تبلدت فيه مشاعرهم وأحاسيسهم؟ وإلاّ لماذا تراجع الانشغال بالهموم العامة، وانزوى الناس إلى اهتماماتهم الخاصة؟ وما أسباب ضعف التفاعل مع الأحداث الضخمة في الوقت الذي تجد فيه الكثيرين رجالا ونساء, شيوخًا وصغارًا، يتفاعلون إلى درجة البكاء والانفعال الحار مع مشاهد مسلسل أو لقطات فيلم, يا الله! لقد أصبحت المشاهد المصطنعة، والعواطف المتكلفة، والمناظر الممثلة، تهز وجداننا، وتحرك مشاعرنا، وتلهب عواطفنا! أما مشاهد الدمار الواقعية، ولوحات الدماء الحقيقية المنقوشة على ثرى فلسطين، وصور الأشلاء المقطعة والمتناثرة هنا وهناك، وآهات الثكالى، وأنّات المصابين المفجوعين، لم تعد تثير فينا شيئا، بل -وأسفاه- لم ترق إلى درجة ما تحدثه المسلسلات والأفلام من وقع وتأثير على نفوسنا!
في صدر الإسلام وقعت حادثة، بعيدة عن المسلمين في جزيرة العرب؛ إذ استطاع الفرس أن يغلبوا الروم، فأفرح ذلك كفار قريش؛ لما كان يربطهم بهم من وثنية، وأحزن المسلمين؛ لأن الروم أهل كتاب، قال ابن عباس - رضي الله عنه - كما يورد ذلك ابن كثير عازيا إياه للإمام أحمد في مسنده- في قوله -تعالى-: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}، قال: غلبت وغلبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أما إنهم سيغلبون» فذكره أبو بكر لهم فقالوا اجعل بيننا وبينك أجلا فإذا ظهرنا كان لنا كذا وكذا وان ظهرتم كان لكم كذا وكذا؛ فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ألا جعلتها إلى دون أراه قال العشر», فإن ذلك قوله: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (الروم:1-5).
تلك الواقعة بوقائعها وتداعياتها، تظهر كيف أن المسلمين في عصر النبوة كانوا يتفاعلون مع الأحداث، وينفعلون بها، فيفرحهم سارها، ويحزنهم حزينها، وإذا ما انعطفنا إلى واقعنا الراهن وجدنا منا وفينا من لا يأبه بما يحصل لإخوانه المسلمين؛ حيث لا ترى تلك المآسي والفواجع تحدث فيه أسى وحزنا.
والمسلم الموصول بكتاب الله يجد ما يخفف عنه ويسليه؛ فهداية الدين والإيمان، ونعمة الذكر والقرآن ثروة داخلية عظيمة تصاحب المؤمن في حله وترحاله, فهو إن عجز عن القيام بفعل يوجبه عليه دينه، وإن حيل بينه وبين واجبات ترفعه وتعلي من قدره، لا يقف يائسا بائسا حزينا كسيف البال, مكسور الخاطر، بل يجدُ ويجتهد علما وعملا, ونظرا وفعلا, ويجد في ميادين العلم والدعوة والفكر والتربية ما يستنفذ طاقته، ويملأ عليه وقته، ويشعره بقيمة الحياة وأنها تستحق أن تعاش, وصدق الحق -جل وعلا- في قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس:58).
لاتوجد تعليقات