رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: هناء الأيوب 23 أبريل، 2019 0 تعليق

فتنة العصر الجديد (1)

قال -عز وجل-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا؛ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»، في هذا الحديث حث لنا لإبلاغ الخير إلى غيرنا، وأما قوله: «فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»؛ فشبَّه -عليه الصلاة والسلام- أمر المسلمين ودعوتهم بالسور المحيط بالمسلمين، بمعنى أن من لزم الجماعة؛ فإنه داخل في هذا السور، ومن خرج على جماعة المسلمين؛ فإنه خارج السور؛ فيكون فريسة للأعداء، ونهباً للشيطان وأعوانه من الجن والإنس.

     ما أحوجنا إلى التأمل في هذا الحديث في هذا الزمان؛ حيث تدهمنا الفتن في دورنا دون استئذان- نسأل الله -جلّ وعلا- أن يحمينا، ويعيذنا وإياكم من شر الفتن جميعها، وأن يعيننا على لزوم جماعة المسلمين، إنه سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل.

     حقيقة هذه المقدمة أردت من خلالها إيصال رسالة لمن يرى أنه لا يتوجب علينا التحذير من الفتن، واعتبار ذلك مصادرة للحريات، أو حجرا على الأفكار والمعتقدات! نذكِّر هؤلاء بقول الله -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}؛ فهل بعد قول الله قول؟!

الناس وقبول الحق

الناس في قبول الحق ثلاثة أنواع:

١- إما متمسك برأيه متعصب لقناعاته حتى ولو بدا له بالحجة والدليل فسادها.

٢- متذبذب متردد لا يزال متحيرا أي الطريقين يختار.

٣- مستعد للتخلي عن قناعاته السابقة التي طالما دعا إليها ودافع عنها إذا ما أُثبت له فسادها، بل ويمتلك الشجاعة الأدبية لإعلان تحوله عن قناعاته السابقة والتبرؤ منها.

النوع الأول

- نقول للنوع للأول: اتق الله في نفسك، واحذر أن تعرف الحق وتصد عنه، وتذكر أن هذا هو الذي عاتب الله -تعالى- به بني إسرائيل حينما قالوا: سمعنا وعصينا! واعلم أن رجوعك للحق فضيلة، وفيه قوة وارتقاء، كما أن فيه من الخير الكثير لك ولكل من تبعك وتأثر بدعوتك.

النوع الثاني

أما إن كنت من النوع الثاني، ووجدت أن الرأي الذي تتبناه وتجاهد لنشره، لم يزل غير واضح بالنسبة لك؛ فلا تتردد بالسؤال والاستفسار، وستجد حتما من يساعدك.

النوع الثالث

وأما إن كنت من النوع الثالث؛ فهنيئا لك قبول الحق-ذلك الخلق الرفيع الذي به تسمو وترقى- حين تدرك أنه ينبغي عدم التحيز للرأي لمجرد الرغبة في الانتصار له.

سلوكيات دخيلة

     لايخفى عليكم أننا كنا في السابق نواجه سلوكيات دخيلة، أوعادات غريبة تنم عن تأثر بعض الفئات، ولاسيما الشباب بالثقافة الغربية؛ فكان الخطاب الديني غالبا موجها لتعديل السلوك، والمظهر الخارجي، والتمسك بمظاهر الدين، وربما بعض الأخلاقيات الأخرى، ولكن في السنوات الأخيرة حدث مالم يكن في الحسبان، أصبحت الأمة الإسلامية تواجه تحديات عقدية حتى اجتاحت مجتمعنا عقائد كنا نظنها أنها لن تتعدى المجتمعات الوثنية، كنا في السابق نراها في التلفاز في برنامج: (من حياة الشعوب)؛ فنحمد الله -تعالى- على نعمة الإسلام، طقوس وحركات غريبة في بعض البلدان النائية يمارسها وثنيون يتقربون فيها إلى آلهتهم، جلسات خاصة وتمتمات وتعويذات يخاطبون بها الأرواح (الجن)!

نعمة التوحيد

      كنا نراهم؛ فنحمد الله على نعمة التوحيد، ولم نكن نظن أنه سيأتي علينا زمان يكون فيه مجتمعنا عرضة للتأثر بهذه العقائد الوثنية الفاسدة، التي أفسدت عقول كثير من أبنائنا، بل واجتاحت عقول كثير من الراشدين أيضا من الجنسين، بل حتى من هم على قدْرٍ من العلم والثقافة، نسأل الله العافية!

     لم نكن نظن أنه سيأتي علينا يوم تتفاجأ فيه الأم بابنتها التي نشأت في بيئة مسلمة وهي ترتدي حجرًا كريما أو سوارًا بنية أن يحفظها من الشرور أو يجلب لها السعادة، أو ترى ابنها وهو جالس جلسة بوذا في غرفة مظلمة على ضوء الشموع والموسيقى الهادئة، فاتحا عينيه مسكتا لفكره لساعات، بحجة أنه يتأمل كي يصل للحقيقة! هذا بالنسبة للأسرة.

مجال التدريب

     أما في مجال التدريب؛ فلم نكن نظن أنه سيأتي علينا يوم يُسمح فيه في بلدنا المتحضر بممارسة هذه الأنشطة المشبوهة علنًا؛ فتعقد دورات وورش عمل في مؤسسات، أو تجمعات في أماكن عامة، تتناول تلك الخرافات والشعوذات، مثل: دورات للتواصل مع الملائكة، تأملات للتخلص من المعتقدات السلبية، تأمل القلبين التوأمين، دورة سجلات الأكاشا (كشف اللوح المحفوظ)، تجمعات في الهواء الطلق لإطلاق النوايا، وجلسات العلاج بالبرانا أو الريكي، والعلاج بالأحجار الكريمة أو الألوان، وتأملات عند اكتمال القمر، ودورات في قانون الجذب(تعلم كيفية صناعة الأقدار وجذبها)، وتجمعات لممارسة اليوجا الجماعية، و... و... وغيرها كثير.

حركة العصر الجديد

 إذاً هي فتنة العصر الجديد! التي تشير إلى فتنة مايسمى بحركة العصر الجديد (New Age Movement).

     ونلاحظ تغلغل هذه الحركة - مع الأسف الشديد- في مجتمعنا، وكثرة روادها ومعلميها ومريديها وأتباعها، وتنوعت أسماء المدربين؛ فهذا (ماستر)، وذاك (قراند ماستر)، وهذا (كوتش)، وذاك (معلم روحي)، وهم في حقيقتهم، إما مروجين للخرافة، أو ممارسين للشعوذة.

لذلك أرى أنه يلزمنا التعرف على تلك الفتنة العظمى التي يتعرض لها مجتمعنا المسلم، وكشف خرافاتها وخزعبلاتها ليتسنى لنا التصدي لها.

ونحن إذ ننادي بتوعية الناس حول حركة العصر الجديد بوصفها أخطر الحركات الباطنية المعاصرة؛ فإننا ندعو إلى ضرورة معرفة معلومات عامة عن هذه الفتنة:، تعريفها، ومنبعها الباطني، وأبرز مبادئها، ومدى خطورتها.

تعريفها

- أولا: تعريف حركة العصر الجديد ونبذة عن تاريخها: هي حركة انتشرت من خلال المجتمعات الباطنية والميتافيزيقية -(علم ماوراء المادة)- في١٩٧٠-١٩٨٠) أما في العالم الإسلامي- وفي دول الخليج خصوصا؛ فقد انتشرت خلال العقدين الماضيين، وذلك من خلال ظهور عدد من الأفكار والمعتقدات والممارسات الوافدة التي يمكن تصنيفها تحت مظلة ما اصطلح المختصون على تسميتها بالباطنية الحديثة، أو الروحانيات المحدثة، أو تطبيقات (العصر الجديد).

منظومة فكرية

إذاً حركة العصر الجديد، هي منظومة فكرية متفرعة عن الفلسفات الشرقية المتمثلة بالهندوسية والبوذية والطاوية، ومتأثرة بالتيارات الباطنية في الغرب كالثيوصوفيا.

حركة فكرية إلحادية

     كما يمكن تعريف حركة العصر الجديد بأنها حركة فكرية إلحادية روحانية باطنية حديثة غربية، وهي شمولية، ليست منظمة أو لديها قيادة مركزية، ولا تحكمها عقائد دينية أو طقوس موحدة، تتناول كثير من جوانب الحياة البشرية مثل:( الصحة - العلوم التجريبية - التعليم - الدين - الأسرة - السياسة - تطوير الذات - الحب والنور والسلام - تحقيق الذات - التشافي الذاتي - الوعي- وغيرها)، وكل ذلك زور وكذب وغطاء لتناوله العادات الميتافيزيقية والروحانية الشرقية والغربية، وضمها إلى علم النفس والطب البديل، و(الباراسيكولوجيا) (ماوراء علم النفس)،أو علم النفس الموازي، ويسمى أيضاً بالخارقية، (حالات إدراك عقلي أو تأثيرات على الأجسام الفيزيائية دون تماس مباشر معها، أو اتصال عن طريق وسيلة معروفة)، ولم يُعترف بالأدلة التي يقدمها (الباراسيكولوجيا) إلا ضمن العلوم الزائفة.

مجموعة المنظمات

كما تضم حركة العصر الجديد مجموعة من الناس والمنظمات التي قد تفوق الآلاف، يحملون أفكارها أو أجزاء من أفكارها، ولهم هدف وغاية مشتركة شبه موحدة، ألا وهي نقل العالم إلى مراحل عليا من الوعي الكوني على حد زعمهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك