رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالوهاب راوح 1 ديسمبر، 2010 0 تعليق

فتنة الحوثيين: المصادر الفكرية والمشــروع السياسي

 

د. عبدالوهاب راوح

رئيس جامعة عدن ووزير التعليم العالي اليمني سابقاً

 

يهدف هذا الموضوع إلى معرفة مدى ما يحمله هذا التنظيم من أفكار ومقولات في الدين والثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد من شأنها أن تؤسس لتجديد المسلسل التاريخي لسفك الدماء وتدمر طاقات النشء والشباب وتهدد السلام الاجتماعي ووحدة الوطن وتعيق جهود التنمية والبناء. كما يهدف إلى توصيف الخطاب الفكري السياسي المضمر المحرك لهذه الفتنة وهو ما زال بحاجة إلى مزيد إيضاح.

الإطار المرجعي للتنظيم

< يقوم هذا التنظيم على فكر جذره التاريخي دعوى الاحتكار لأحقية إدارة الأمة سياسيا وروحيا، ويعمل على استعادة هذا الاستحقاق بكل الوسائل المكيافيلية، بما فيها الوسائل المسلحة إذا لزم الأمر، بالاستناد إلى ما يوفره المبدأ الشهير في خطابه السياسي (الخروج على الحاكم المغتصب) من تسويغ.

الوحدة والاستراتيجية المعدلة (الاثنا عشرية)

< مع انتشار فضاء الشرعية الدستورية التعددية ومؤسسات المجتمع المدني وشيوع ثقافة الانتخابات، بدءا من انتخاب هيئة إدارية في مديرية وانتهاء بقمة هرم الدولة، تراجع الأمل لدى التنظيم الحوثي في استعادة المذهب حاملا لفكر الإمامة، وتراجع الأمل في استعادة أبناء الزيدية لمهام الحامل الاجتماعي لنصرتهم فكان الاتجاه نحو ما يلي:

1. اللجوء إلى الاثناعشرية وفقهها الجعفري والتنازل عن الخلفية الفقهية الزيدية أو التعامل معها كغطاء للاستهلاك والتثوير الطائفي يحجب خلفه التوجه الجعفري المرفوض لدى أبناء الزيدية وعلمائها.

2. إنشاء عصبية جديدة ممثلة في حركة «الشباب المؤمن» الجناح العسكري للاثناعشرية ليكون الجناح العسكري في الداخل لتنفيذ مشروع (الخروج).

< لخدمة الغرض الأول تم ما يلي:

1. نشر البلبلة بأن المذهب الزيدي تفسخ تحت تأثير الجامعات ولاختلاطه بالأفكار السنية، والعلمانية والحزبية. حسب زعم حسين الحوثي وطرح حرصهم على حماية الزيدية من الانقراض. تحت هذا الغطاء تتم إقامة تعليم مذهبي يتم نشره في أوساط الناشئة والشباب في المساجد والمجالس والمراكز التي تقع تحت إشرافهم، قصد تحويل المذهب الزيدي إلى حامل ومسوّق للمذهب الجعفري.

2. افتتاح المدارس والمراكز والمؤسسات الثقافية في الأمانة وبعض المدن، وذلك في سياق إنشاء المؤسسات الشيعية الجعفرية في العالم المشار إليها أيضا في صفحة موقع مركز الأبحاث العقائدية.

3. فتح عشرات المدارس والمراكز العلنية والسرية وحلقات التعليم في المساجد والمنازل في العاصمة وبعض المحافظات، وتحقين المستهدفين من الناشئة بما يجعلهم أشبه بمواد أولية لتنظيمات ذهنية تصبح وقودا للفتن فيما بعد.

4. استقطاب بعض الشباب ليكونوا طلائع للجعفرية الذين تصفهم أدبياتهم بـ «المستبصرين» لتحولهم من المذهب الزيدي إلى المذهب الجعفري (ويطلق هذا المصطلح على كل من يتحول من مذهبه إلى الجعفري).

5. الاحتفالات المسلحة بيوم الغدير ومناسبات عاشوراء وكربلاء وذكرى استشهاد الإمام علي ]، واختلاق المناسبات والمراثي والمآتم التي لا تنقطع على مدار العام، بما يحقق الانشداد الواعي نحو الماضي وتوظيفه بتثويره لخدمة الحاضر.

4. بنية خطاب الحوثي

< يقوم خطاب الحوثي على المحاور الأربعة الآتية وما دونها آليات مساعدة:

المحور الأول: توجيه الشباب نحو جبهتين:

1. الادعاء بتخليص الزيدية، حسب زعمه، من الوضع المنهار الذي لحقها بعد تخليها عن آل البيت، والتأكيد على «أن عزها أو ضعفها بين الطوائف مرتبط بولائها لآل البيت أو عدمه، طال الزمان أو قصر» حسب زعمه.

2. التأكيد على تفسخ المذهب تحت تأثير السنية والجامعات.

المحور الثاني: يتجه نحو ضرب السلام الاجتماعي بين أبناء الشعب اليمني كما سيأتي.

المحور الثالث: حجب الشباب عن مؤثرين:

1. حجب الشباب عن الأسرة والمجتمع والمحيط العام، من خلال التوعية بأن الآباء والزيدية مقصرون في حب آل البيت «فضاعوا طائفة وضاعوا دينا» حسب قوله، وذلك من خلال إصدار فتاوى البراءة ممن لا يوالون آل البيت بدءا من الأسرة وانتهاء بالمجتمع.

2. حجب مدارك الشباب عن كل ما جاءت به الجمهورية والوحدة من مكاسب عليا اجتماعية وثقافية وسياسية وتنموية.. إلخ من خلال تسويد كل لون وتحويل القيم الدستورية إلى اختلالات دينية ومظاهر لمؤامرات يهودية - أميركية.

المحور الرابع: الغطاء السياسي ممثلا في رفع شعار جهاد أميركا واليهود بقصد خلط الأوراق وكسب ثقة الشارع.

5. الأسس العامة للمشروع السياسي:

< يقوم المشروع السياسي للفتنة على قاعدة (الخروج) ضد الدولة المغتصبة للحق الإلهي الممنوح له في حديث الغدير، وهي القاعدة السياسية المعروفة التي غطاها وعراها المرحوم الزبيري في كتابه القيم: (الإمامة وخطرها على وحدة اليمن). وحتى لا يصطدم بالرأي العام بكشف مستور الدعوة كان طرح غطاء أن هذه الدولة «كغيرها من الدول دجنت الأمة لليهود وأميركا».

> يقول الحوثي، بعد أن يلعن كل صوت في تاريخ الإسلام عمل على تدجين الأمة لكل حكام الجور: «انظروا ماذا تركت أصواتكم يوم كنتم تقولون: يجب طاعة الظالم لا يجوز الخروج على الظالم.. سيحصل شق في عصا المسلمين.

> وبذلك يتحدد الهدف من تكثيف التخويف من أميركا في محاضراته حين يوهم مستمعيه والناشئة من الشباب بأن أميركا تعد كل من في بيته كتاب من كتب آل البيت إرهابيا ولو كان في بيته حيث يقول:

«ستكون أنت إرهابيا داخل بيتك؛ لأن في بيتك كتاباً إرهابيا لديهم هو القرآن. ما زال في بيتك أنت أيها الزيدي كتب هي من وجهة نظر أميركا في القائمة الأولى من قوائم الكتب الإرهابية: كتب أهل البيت عليهم السلام».

1. التشكيك بجدوى الوحدة

> يقول في ذلك: «إن هؤلاء (يعني السنية)» لا يقبلونك إطلاقا، ولو كان على يديك سيتم فتح القدس ما لم تنزل هذا وتطلع هذا، يقصد كما في سياق الحديث: ما لم تطلع أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وتنزل الإمام علي ].

< ويرجع رفض الوحدة في خطاب الحوثي الموجه إلى أبناء الزيدية وحدهم إلى معرفته برفض السنة لثقافة الغدير من ناحية، ولكون مشروع الاستعادة أصبح صعبا لكبر اليمن الأرض والإنسان.

2. إصلاح الخلل في العالم الذي أفسده أبوبكر وعمر من خلال العودة إلى ما قبل سقيفة بني ساعدة.

> يقول في كثير من محاضراته إن هذا العالم «مسخ صورته أبوبكر وعمر، وعمر بالذات هو مهندس هذا الخلل في العالم الذي نحن فيه. وجه العالم الآن هو وجه أبي بكر وعمر فعلا ليس عالم محمد، ليس عالم الإسلام، ليس عالم الإمام علي ولا يمكن إصلاحه إلا بالعودة إلى بداية الطريق» والبداية عصر الرسول الذي نحن في حاجة ماسة إليه؛ لأن من أخطأ الطريق عليه أن يعود إلى بدايتها. والبداية ما قبل سقيفة بني ساعدة.

> بهذه البساطة والاستخفاف بمستمعيه يلغي تجربة الحضارة الإسلامية منذ موت الرسول [ حتى اليوم، بل يمسح تجربة الأئمة آل البيت في اليمن، متناسيا أن وجه اليمن هو وجههم لأكثر من ألف عام (284 هجرية) وليس وجه عمر ولا وجه أبي بكر. ومع ذلك يدعو لاستئناف الولاء والاهتداء بوجوه (العترة)، ثم نستمر على هذا الولاء إلى يوم اللقاء برسول الله [ على الحوض، تنفيذا لما جاء في حديث الثقلين (القرآن والعترة) ولا فضل في ذلك، كونه أمرا من الدين، حس فتواه، وليس مطلبا شيعيا؛ حيث يقول: «إن الشيعة لم يأتوا بجديد أكثر مما قاله كتاب الله وأكثر مما قاله الرسول يوم الغدير..».

(حدث الولاية، محاضرة مطبوعة ألقيت بتاريخ 18 من ذي الحجة 1423).

6. خطورة التنظيم الحوثي

> لا يستنكف هذا التنظيم عن الخروج على المذهب الزيدي حيثما غدا حسب زعمه غير مأمول بحمل غطاء مشروعه السياسي، وحيثما غدت علاقته النفعية بالمذهب لم تعد قائمة.

> لا يستنكف هذا التنظيم عن ضرب السلام الاجتماعي (وهو من أثمن المكاسب التي حققتها الثورة والوحدة) وذلك بإحياء السياسة النمطية المأثورة الجاهزة: سياسة اعتماد الطائفية المذهبية، والانطلاق من الصغائر كما في الحسرة من انتشار (آمين) في مساجد (ديارنا) حسب قوله.

> إن هذا التوجه الجعفري المتنامي سيؤدي إلى تنامي الانشقاق داخل الأسرة اليمنية وإلى مزيد من سفك الدماء وإحياء الملل والنحل وإيجاد الأسواق السوداء، بما يهدد وحدة الإنسان اليمني.. ويعزز من مقولة المرحوم الزبيري التي ضمنها عنوانا لكتابه الشهير: (الإمامة وخطرها على وحدة اليمن).. خطرها على يمن ما قبل الوحدة وعلى يمن ما بعدها. وبما يعني أيضا أنه إذا كان هناك من تجديد لوحدة اليمن، طال الزمان أو قصر، فإنه لن يأتي ميلاده وحضانته إلا من هذا الرحم وهذا المحضن.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك