عوامل بناء الأمم
من الآمال التي تداعب خاطر كل مسلم، أن يرى راية الإسلام خفاقةً فوق ربوعنا العربية، ومن المنى أن يكون العمل بتعاليمه مناط التعامل بين أبنائه في مختلف أركانه؛ فتعز دولنا بوجوده، ويعز المسلم بدوله وبلدانه؛ فلا يرى تلك الفجوة الرهيبة بين دولنا اليوم، وبين ما كانت عليه دولة الإسلام في عصوره الذهبية؛ من حيث الرفعة والعدل والإحسان والتقدم، أو بين الدول الغربية المتقدمة عنا تقنياً ومادياً، مع أنها لا تمتلك عقيدة صافية، ودينا سليما يدعم أركانها، ويحفظ لها بنيانها من التحطم والانهيار، وكما أن لكل بناء في هذه الحياة أساسًا يقوم عليه، كذلك الأمم تحتاج إلى أسس وقواعد تعتمد عليها، ليكون لها كيان راسخ بين الأمم تعتز به وتفاخر، وهو ما سنتحدث عنه في هذه المقالة.
العقيدة السليمة
العقيدة السليمة هي اللبنة الأولى في طريق بناء أي دولة؛ فما من دولة إلا وتقوم على إيديولوجية معينة أو فكر ما، وكلما كان ذلك الفكر راقيا وقريبا من الفطرة الإنسانية، كان هذا العامل متينا وراسخا، وعلى اعتبار أن كل صانع هو الأخبر بما صنع، وقادر على وضع الخطوط الأساسية لعمله بالشكل الأمثل؛ فالله -سبحانه وتعالى- خالق الإنسان ومبدعه من العدم، وخالق كل شيء -سبحانه وتعالى-: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (الرعد: 16)، هو الأعلم بعباده وخلقه، وضع لهم دستورا ينظم شؤون حياتهم في كل صغيرة وكبيرة، ليرتقي بهم في سلالم النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء: 10).
أفلح وأنجح
فمن تمسك – أفرادًا ودولاً - بهذا المنهج أفلح وأنجح، ومن حاد عنه، خاب وخسر، وانحدر في مهاوي الشقاء والعنت: قال -عليه الصلاة والسلام-: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي...»، وقال -عليه الصلاة والسلام- أيضا: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ، كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ، كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ»، وقال -سبحانه وتعالى-: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(طه: 123، 124)؛ فالدستور الرباني الذي ارتضاه الله -سبحانه وتعالى- لعباده، هو الوحيد القادر على النهوض بهم من أوحال التأخر والتقهقر، إلى معارج العزة والرفعة، وهو وحده الذي يعصمهم من الخيبة والخسران، وهو الدافع لهم لكل فعل قويم {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3).
الأخلاق
من الأشياء التي لا تقبل الفصام بحال من الأحوال: المنهج أو العقيدة، مع السلوكات والتصرفات؛ فالأخلاق انعكاس للمنهج الذي يتبناه المرء في حياته، وتلك العلاقة الطردية بينهما دلالة على سمو كل منهما ورفعته من عدمه؛ لهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «مَا مِنْ شَيءٍ فِي الِميزانِ أَثْقَلُ مِن حُسْنَ الخُلُقِ»؛ فكم من عقائد أورثت ذويها أخلاقيات فاسدة أودت بهم وبمن حولهم موارد المهالك والخسران! وكم من عقائد ارتقت بأهلها وبمن حولهم مراقي التقدم والرفعة!؛ لهذا قرن النبي صلى الله عليه وسلم صلاح دين المرء بصلاح خلقه، فقال: «خَيرُكُم إسْلاماً أحَاسِنُكُم أَخلاقاً إِذَا فَقُهوا»، وقال صلى الله عليه وسلم : «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ».
وكلما ارتقت الأمم في سلالم الأخلاق ازدادت رفعة وتقدما، وكلما انحدرت أخلاقها وتقهقرت سرت عوامل الهدم والخراب في أركانها، وتراجعت مكانتها في موازين الأمم والمجتمعات. قال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود: 102)؛ فإرساء مبادئ الخلق في النفوس وفي المجتمع عامل من عوامل الاستمرار والنهوض والتقدم، ومن غيره يكون الاضمحلال والزوال، أمر لا مفر منه طال الزمان أم قصر.
العمل المتقن
إن المنهج أو الاعتقاد الذي يدعو أتباعه للقعود وعدم الفعالية، حري به ألا يتبع؛ لأن السلبية في حياة الأفراد والأمم مقتلة ما بعدها مقتلة، والإيجابية في التعامل مع سنن الحياة والكون هي الصراط العابر بمن تحلى بهذه الصفة لبلوغ الأماني والغايات؛ لهذا كان شرعنا الحنيف الباعث الأول لكل مسلم على أن يكون فعالا حتى الرمق الأخير، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمْ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ، فَلْيَغْرِسْهَا».
العمل الدؤوب
فالعمل الدؤوب المستمر هو الذي يبني الحضارات والأمم، وهو سبب نهضتها وازدهارها؛ لهذا حثّنا ديننا الحنيف في القرآن الكريم على العمل بشتى نواحيه، كما في قوله -عز وجل-: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة: 105)، وفي السنة النبويّة الشريفة، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده»، والمعيار المكمل للعمل ليكون متكاملا هو الإتقان؛ فهو الذي يعطي للعمل قيمته العليا، وبغيره تنخفض قيمة العمل بمجالاته إلى مستويات ليس لها أن تبني أن أو تثمر.
إنّ الاختلاف في أعمال الناس، والاختلاف بين دولة وأخرى، وشعبٍ وآخر لا يكمن فيما يفعلون بقدر ما يكمن في كيف يفعلون؟ وهل يقومون بأعمالهم على أتمّ وجه، وبإتقان أم يقومون بها بطريقة خطأ، أو بدرجةٍ قليلة من الإتقان والاهتمام؟
الإتقان ثقافة
إن الإتقان ثقافة ينبغي أن تعمم لدى الأفراد والشعوب، ولا ينبغي التنازل عنها بأي حال في حياة الأفراد والأمم، ولا يخفى أن الطامات التي تنزل بالأمم في زماننا ما هي إلا لبعدها عن العمل المتقن في حياتها، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ»؛ ففي ديننا قيمة أو ثمرة العمل ليست دنيوية فحسب، وإنما تتعدى ذلك لتكون سبيلا لنيل مرضاة الله -عز وجل- ومحبته؛ فهي عبادة عظيمة يُنال به الأجر العظيم والثواب العميم في الدنيا والآخرة.
العدل
قيمة عظيمة من القيم التي تتطلع إليها النفوس وتهفو إليها القلوب؛ لما لها من آثار في إرساء مبادئ الطمأنينة والوئام في نفوس العالمين، ولعل الكلام عن هذه الخصلة كلام ذو شجون، ويكفي العاقل ليتحلى بها ويحققها في نفسه وفيمن حوله قول رب العالمين -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (النساء: 58)، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «وقوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل} أمر منه -تعالى- بالحكم بالعدل بين الناس.
ولهذه الآية تطبيقات عدة في سلفنا الصالح؛ لأنهم علموا أن العدل أساس الملك؛ فقد كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يطلب منه مالاً كثيرًا ليبني سورًا حول عاصمة الولاية؛ فقال له عمر: ماذا تنفع الأسوار؟ حصنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم.
سنن الله -سبحانه وتعالى.
وسنن الله -سبحانه وتعالى- لا تحابي أحدا؛ فمن أقام العدل قامت دولته، مهما كان توجهه، قال ابن تيمية: «العدل نظام كلِّ شيء؛ فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة»، وقال أيضًا: «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
لاتوجد تعليقات