رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ 30 ديسمبر، 2018 0 تعليق

عشر قواعد ومقاصد في مفهوم الرعاية

 

جاء في الحديث المتفق عليه: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وقد تضمنت الجملتان النبويتان جملة من الفوائد والمقاصد والقواعد، نذكرها في النقاط التالية.

 قوة العموم في الحديث

 الأولى: قوة العموم في الحديث؛ ليشمل الحديث عموم الأشخاص وعموم المراتب وعموم الأحوال؛ فكل عمل مشمول بالرعاية وكل شخص مشمول بالرعاية، ومثله في عموم تحمُّل المسؤولية؛ فمثلما لا يخرج أحد عن الرعاية؛ فلا يستثنى أحد من المسؤولية، وفِي الحديث مقابلة «فكل من يصلح للرعاية فهو مشمول بالمسؤولية».

فهي رعاية عامة، ومسؤولية عامة، عموماً لا يخصص وشمولاً لا يستثنى.

 القيام على مصالح

 الثانية: الرعاية في حقيقتها هي القيام على مصالح الشيء: «قيام حفظ، وقيام اعتناء، وقيام مراعاة، وقيام تعاهد، وقيام صيانة، وقيام مراقبة، وقيام حماية، وقيام متابعة، وقيام تقوية ومساندة، وقيام نصيحة ومعالجة»؛ فهي القيام على الشيء بما يصلحه ويحفظه ويحميه ويبقيه نافعاً، ويمنع عنه الاختلال الواقع أو المتوقع.

 مراحله وأحواله

الثالثة: الرعاية للشيء تكون في مراحله وأحواله جميعها: وهذا مستفاد من العموم اللفظي والعموم المعنوي؛ إذ رعاية الشيء في مراحله الأولى تكون بحفظه حفظ وجود وحياة، ثم حفظ قوة وتماسك، ثم يحفظ في مراحله الأخيرة حفظ أمن واستقرار، والرعاية تارةً تكون في حفظ الموجود وتارةً أخرى في طلب المفقود، وتارة ثالثة في الجمع بين هذا وذاك، وفقاً لسنن التكامل، وجريا مع أحكام رفع التزاحم.

 كل شيء بحسبه

 - الرابعة: رعاية كل شيء بحسبه؛ فالرعاية ليست على وزنٍ واحد؛ فهي تختلف بحسب الراعي، وبحسب المُراعى أو الرعية، وبحسب العمل الذي يُرعى؛ لهذا رعاية الأمير لرعيته تكون بالقيام على مصالحهم، ورعاية الرجل في بيته في القيام على شؤون أهله وتربيتهم ومراعاة شؤونهم، ورعاية الموظف في وظيفته في حفظها وأدائها على أفضل وجه، وهكذا؛ لهذا ذكر الحديث جنس الولايات والتمثيل لكل صنف من الأصناف بكلام جامع؛ فقال -[-: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فكل رعاية بحسبها؛ إذ حفظ الشيء ومراعاته وحمايته كلها تتفاوت وجوبا ووقوعا بحسب اعتبارات، ورعاية مصالح الأمة الدينية والدنيوية، لا تقوم إلا بهذا التنوع والتفاوت والتكامل.

 الرعاية هي المسؤولية

 - الخامسة: حيثما تكون الرعاية تكون المسؤولية؛ فالمسؤولية عامة عموماً تابعاً لعموم الرعاية؛ فكل راع مسؤول؛ فصار العموم من جهتين:

الأولى: كل واحد من المكلفين راع، ولو من جهة من الجهات.

والجهة الثانية: أنه مسؤول عن هذه الرعاية مسؤولية شرعية وأخلاقية وجزائية دنيوية أو أخروية.

لهذا لا يخرج أحد من هذه المسؤولية؛ فهي من باب المسؤولية التي جاء ذكرها في القرآن {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

 حماية الرعاية

 - السادسة: المسؤولية موضوعة لحماية الرعاية، لا للمعاقبة والتسلط؛ فالرعاية المطلوبة شرعا هي الرعاية التي تكون بمسؤولية والتزام، لا رعاية اختيار، ولا رعاية تفضل واستحباب؛ فهي مسؤولية شرعية تكليفية لا تقبل التنازل أو التفاوض، وضعت لحماية الرعاية ومراقبتها وضمان دوامها وإجرائها على أفضل أحوالها؛ فإذا كانت الرعاية مطلوبة لحفظ الشيء؛ فإن استشعار المسؤولية عند القيام بالرعاية مطلوب لحفظ الرعاية وحمايتها.

 الخلل في الرعاية

 - السابعة: الخلل في الرعاية غالبا ما يكون من جهة الممارسة، أما الخلل في المسؤولية، غالبا ما يكون من جهة الإرادة وضعف الهمة؛ لهذا انقسمت الناس في هذا الباب إلى طوائف؛ فطائفة تجعل المسؤولية مجرد صلاحيات وأوامر، وطائفة أخرى تجعل العلاقة مع الراعي مجرد معارضة ومنازعة وتمرد، وطائفة تبحث عن المسؤولية من غير رعاية، وطائفة أخرى تمارس الرعاية من غير مسؤولية، وطائفة ثالثة بلا رعاية ولا حماية ولا مسؤولية.

فينبغي: ضبط المواقف، وتصحيح المفاهيم، وتهذيب الممارسات.

 الأصل في الرعاية المباشرة

 الثامنة: الأصل في الرعاية المباشرة؛ فالأصل أن يباشر الراعي الرعاية بنفسه؛ لأن المصلحة لا تقوم والمسؤولية لا تزول إلا بالمباشرة، وهذا هو الأصل العام، وقد تقع الرعاية بالتفويض عند التعذر أو لوجود مصلحة.

 باب التربية

 - التاسعة: إذا اقترنت الرعاية بالمسؤولية فُتح باب التربية، وإذا اقترنت التربية بالمراقبة فُتح باب التنمية؛ فالرعاية، ثم المسؤولية، ثم التربية، ثم التنمية، وهذه مراتب لمن يريد أن يرتقي في التنمية البشرية ويتدّرج في التزكية النفسية.

 نوعان من الرعاية

- الفائدة العاشرة: والرعاية في الحديث شاملة لنوعين من الرعاية استصحاباً للعموم، رعاية الإنسان لنفسه والقيام عليها بما يصلحها، ورعاية الإنسان لغيره بالقيام على مصالح غيره ومراعاتها، وإذا لم يوفق العبد في رعاية نفسه، لا يتمكن من القيام على رعاية غيره على الكمال والتمام.

والمتتبع لكلام العلماء وأقوال المصلحين عبر الزمان، يلحظ أن رعاية الإنسان لنفسه تكون في أنواع خمسة، وهي: رعاية العقول، رعاية القلوب، رعاية الأعمال، رعاية الأحوال، ورعاية الأوقات.

ومن جمع بين الرعاية لنفسه والرعاية لغيره، وبين الرعاية والحماية، وبين الرعاية والتربية؛ فقد جمع الخير كله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك