عالم التقنية والذكاء الاصطناعي .. كيف يطوّر الذكاء الاصطناعي إدارة التبرعات والموارد؟
من أخطاء المبادرات الخيرية جمع كل شيء في نظام واحد مثل: جمع التبرعات وتحليل البيانات والتواصل الجماهيري وإدارة المحتوى!
لا شك أن إدارة أموال المتبرعين في المنظمات الخيرية ليست مجرد إجراء محاسبي؛ بل أمانة شرعية ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهمة إدارية، وفي العصر الرقمي -الذي تتضخم فيه أعداد المتبرعين والمشاريع والبيانات- لم يعد مقبولًا أن تبقى هذه الأمانة رهينة الاجتهادات الفردية أو الجداول البدائية، بينما تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي مستوى غير مسبوق من الدقة والشفافية وحسن التوجيه.
رصد وتحليل
وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في هذا الباب من خلال ما يلي:- تحليل أنماط التبرع الموسمية: كارتفاع العطاء في رمضان وموسم الحج أو نهاية العام، ونوعية المشاريع المفضَّلة في كل فترة.
- رصد توجهات المتبرعين: وذلك عبر تتبّع تغيّر وتيرة عطائهم، ومن ثم التواصل معهم بلطف وشفافية قبل فقدهم.
- ضبط توقيت الحملات: بحيث لا تتحول إلى ضغط نفسي أو تسويق غير منضبط؛ بل تبقى ضمن إطار (التذكير) و(التيسير) لا (الإزعاج) و(الاستغلال العاطفي)؛ وهنا يتلاقى الفقه مع البيانات؛ فالنصّ الشرعي يرسم الهدف والضوابط، والتحليل الذكي يساعد على اختيار أنسب الطرائق لتحقيق هذا الهدف على أرض الواقع.
ترشيد الجهد البشري والتفرغ للبعد الإنساني
من المقاصد الكلية في الشريعة رفع الحرج عن الناس، ولعل العاملين في الميدان الخيري من أكثر الفئات عرضة للحمل الزائد؛ بين ضغط الملفات، وضيق الوقت، وتزاحم الأولويات، ولا شك أحد أعظم وعود الذكاء الاصطناعي هو تحرير جزء كبير من طاقة العاملين من الأعمال الروتينية المتكررة، كي يتفرغوا لما لا تُجيده الآلة مثل: التعاطف، والحضور الإنساني، والحكم الأخلاقي. ويمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي، إذا صُممت جيدًا، أن تحقق ما يلي:- أتمتة إعداد التقارير الدورية: وذلك باستخراج الأرقام من أنظمة المعلومات وتجميعها في قوالب جاهزة، مع مساحات بسيطة للتعليق البشري.
- تنظيم جداول المتطوعين وتوزيع الأدوار: وذلك وفق تفضيلاتهم وطاقتهم الزمنية ومهاراتهم، بدل أن يضيع الوقت في الاتصالات المتكررة والتنسيق اليدوي.
- متابعة سير المشاريع الخيرية ميدانيا: وذلك عبر لوحات تحكم تعرض نسب الإنجاز، والتنبيهات المتأخرة، وتتيح ربطها بصور أو مستندات ميدانية عند الحاجة.
خدمة العمل الدعوي والخيري
العمل الخيري متداخل بطبيعته مع العمل الدعوي، فتوجيه الناس إلى الخير، وتعريفهم بمقاصد الزكاة والصدقة -على سبيل المثال-، وتبصيرهم بأحوال المحتاجين، كلّها مهام دعوية بقدر ما هي إعلامية، وفي هذا الميدان يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة إذا ضُبط شرعيا وأخلاقيا؛ حيث يمكن للأدوات الذكية أن تساعد فيما يلي:- تخصيص المحتوى الدعوي بحسب الفئة؛ بحيث يقدم للشباب بأسلوب معين، وللأسر بأسلوب آخر، ولأهل الخبرة الاقتصادية بأسلوب ثالث.. وهكذا، مع ثبات المصدر الشرعي ووحدة المرجعية العلمية.
- تسهيل ترجمة الرسائل إلى لغات متعددة: ما يوسّع دائرة المخاطَبين ويتجاوز عائق اللغة دون أن يختلّ المعنى أو تنحرف المقاصد.
- تنظّم المحتوى العلمي داخل المؤسسة: ومثال ذلك فهرسة المحاضرات، وتصنيف المقالات، وإتاحة (البحث الذكي) للعاملين والدعاة للوصول السريع إلى النصوص والفتاوى الموثوقة.
نصيحة تقنية مهمة
من الأخطاء الشائعة في بعض المبادرات الخيرية محاولة جمع كل شيء في نظام واحد: جمع التبرعات، وتحليل البيانات، والتواصل الجماهيري، وإدارة المحتوى! والنصيحة العملية هنا: افصل قدر الإمكان بين (النظام التشغيلي) الذي تجري فيه عمليات التبرع الحساسة، وبين (النظام التحليلي) الذي يقرأ البيانات ويحللها، وذلك لتحقيق أكبر قدر من الجدوى وحماية المعلومات. ومن شأن هذا الفصل بين البيانات ومستوياتها، أن يحقق مكاسب عدة ومن أهمها ما يلي:- تقليل المخاطر الأمنية: فلو تعرّض نظام التحليل لمشكلة لا تتأثر مباشرة ببيانات بطاقات المتبرعين أو حساباتهم.
- المرونة في تحديث أدوات التحليل: أو تغييرها دون المساس بمنصة التبرع الأساسية.
- الوضوح في الصلاحيات: إذ يمكن لفريق التسويق أو التطوير الوصول إلى مؤشرات وتحليلات دون الاطلاع على التفاصيل البنكية أو البيانات الحساسة، ويتم الربط بين النظامين عبر (طبقة آمنة) تنقل ما يلزم فقط من بيانات مجمّعة أو منقحة، وفق سياسات خصوصية واضحة، وهو ما سيتعمق الحديث فيه في حلقة الأمن السيبراني.
مصطلحات تقنية
حتى لا يبقى استخدام الذكاء الاصطناعي حكرًا على القسم التقني، من المهم أن يتعرّف القيادي الخيري على بعض المصطلحات التي تتكرر في أي مشروع رقمي حديث. من أبرزها:- الأتمتة (Automation): تحويل سلسلة من المهام المتكررة إلى عملية تُنفَّذ تلقائيا (أوتوماتيكيا) وفق قواعد محددة، مثل إرسال إيصالات التبرع ورسائل الشكر آليا بعد كل عملية.
- التخصيص (Personalization): تكييف الرسالة أو الخدمة بحسب خصائص المتلقي وسلوكه؛ كأن يتلقّى متبرع مهتم بالأيتام محتوى يربط تبرعه بقصص النجاح في هذا المجال.
- تحليل الأنماط: استخدام (الخوارزميات) وهي (مجموعة من التعليمات المتسلسلة) لاكتشاف سلوكيات متكررة في بيانات المتبرعين أو المستفيدين أو أداء المشاريع.
- سير العمل الآلي (Workflow): مخطط يحدد خطوات معينة (طلب - مراجعة - اعتماد - تنفيذ) وينقلها آليا من موظف لآخر مع التتبع والتوثيق.
لاتوجد تعليقات