رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: م. أمجد ذياب 24 فبراير، 2026 0 تعليق

عالم التقنية والذكاء الاصطناعي.. الذكاء الاصطناعي وواجب حماية البيانات والخصوصية

  • يمكن اختزال فلسفة التعامل مع الذكاء الاصطناعي في سؤال واحد ينبغي أن يُطرح قبل كل قرار تقني: «هل هذه التقنية قرّبتنا من مقاصدنا الشرعية أم أبعدتنا عنها»؟
  • التقنية قد تختصر الوقت وتُحسن تجربة المتبرع، لكنها في الوقت ذاته ترفع مستوى المسؤولية تجاه خصوصية الأفراد وسرية المعلومات
 

مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الخيرية، تتحول البيانات من مجرد (مدخلات تشغيل) إلى أصل مؤسسي حساس يتطلب إدارة دقيقة؛ فالتقنية قد تختصر الوقت وتُحسن تجربة المتبرع، لكنها في الوقت ذاته ترفع مستوى المسؤولية تجاه خصوصية الأفراد وسرية المعلومات، ولا سيما عندما تتعلق البيانات بفئات تحتاج حماية أعلى؛ لذلك، فإن نجاح أي مبادرة ذكاء اصطناعي لا يُقاس فقط بمدى ذكاء الأداة، بل بقدرة المؤسسة على ضمان أن البيانات تُستخدم داخل حدود واضحة، وبأقل قدر ممكن، وبأعلى مستوى من الانضباط.

حماية البيانات والمعلومات:

        لعل أحد التحديات العملية في بيئة العمل الخيري هو أن البيانات غالبًا تكون موزعة بين أنظمة متعددة، وتتداخل فيها معلومات تشغيلية مع تفاصيل تعريفية، هذا التداخل قد يؤدي إلى إدخال بيانات أكثر مما يلزم لتحقيق الهدف، أو مشاركة غير مقصودة لمعلومات لا ينبغي تداولها خارج النظام، كما إن بعض الاستخدامات اليومية (مثل طلب تلخيص أو ترتيب معلومات) قد تبدو بسيطة، لكنها تتحول إلى مخاطرة إذا لم تُضبط ضوابط الإدخال والمخرجات، أو إذا لم تكن هناك سياسة واضحة لمن يحق له الوصول، وما الذي يجوز مشاركته؟ وكيف يتم حفظ الأثر التدقيقي لأي عملية تمت؟ في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءًا من الحل إذا استُخدم لتعزيز الانضباط بدل توسيع دائرة المخاطر؛ فعندما تُحدد المؤسسة (حدود البيانات) ونطاق الصلاحيات بدقة، وتحوّل الطلبات إلى قوالب عمل معتمدة، يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتقليل الأخطاء البشرية، وتحسين دقة التصنيف، وتسريع إنجاز الأعمال مع الحفاظ على الضوابط. الفكرة ليست في منع الاستخدام، بل في تحويله إلى استخدام مُقنن: بيانات أقل، وصلاحيات أوضح، ومراجعة أدق، بما يوازن بين الفائدة التشغيلية والالتزام الأخلاقي والمؤسسي.

التعهد العام والإجراء التشغيلي:

        بعد ضبط المصطلحات، يبقى عنصر مهم يميز المؤسسات الناجحة في هذا المجال: القدرة على تحويل الخصوصية من (تعهد عام) إلى (إجراءات تشغيلية)، ويظهر ذلك في وضع مسارات واضحة للطلبات الحساسة، مثل: ما الذي يمكن تلخيصه؟ من يعتمد الملخص؟ أين يُحفظ؟ من يراجعه؟ وما الحالات التي تتطلب تحويل الطلب مباشرة إلى مسؤول مختص؟ عندما تتحول هذه الأسئلة إلى سياسات قصيرة قابلة للتطبيق، يصبح الالتزام بالخصوصية جزءًا من سير العمل اليومي لا مجرد بند في وثيقة. كما إن بناء الثقة مع المتبرع لا يعتمد على الرسائل العامة فقط؛ بل على الاتساق الفعلي في السلوك المؤسسي وذلك من خلال: الروابط الرسمية، والقنوات المحددة، وعدم طلب بيانات لا داعي لها داخل المحادثات، وتوضيح الخطوات عند الحاجة للتحويل إلى قناة أكثر أمانًا. هذا النوع من الانضباط يرفع جودة الخدمة، ويقلل الأخطاء، ويمنح الإدارة القدرة على التوسع بثقة دون توسيع دائرة المخاطر.

السؤال المقاصدي الدائم:

       ويمكن اختزال فلسفة التعامل مع الذكاء الاصطناعي في سؤال واحد ينبغي أن يُطرح قبل كل قرار تقني: هل هذه التقنية قرّبتنا من مقاصدنا أم أبعدتنا عنها؟ إذا كانت الإجابة نعم - مع ضوابط واضحة للأمن والخصوصية والعدالة - فالمضيّ فيها من تمام الأخذ بالأسباب، وإن كانت الإجابة لا أو موضع شك كبير، فالتوقف والتريث أولى من الاندفاع خلف موجة لا نعلم مآلاتها.

حَوْكمة الوصول لا كثرة القيود

        تتمثل إحدى القضايا الدقيقة في حماية البيانات في ضبط من يحق له الوصول، وليس فقط ماذا يُحفظ أو يُحذف؛ فالمخاطر لا تنشأ دائمًا من اختراق خارجي، بل من توسّع داخلي غير منضبط في الصلاحيات؛ لذلك، يُوصى بأن تعتمد المؤسسات الخيرية مبدأ «أقل صلاحية ممكنة»، بحيث يُمنح كل دور وظيفي الحد الأدنى اللازم فقط لأداء مهامه، مع مراجعة دورية للصلاحيات عند تغيّر المسؤوليات أو المشاريع، ولا شك أن مثل هذا النهج يخفف من المخاطر التشغيلية، ويعزز المساءلة، ويجعل حماية الخصوصية جزءًا من الإدارة اليومية، لا عبئًا إضافيًا على الفرق العاملة والمشرفة.  

مصطلحات  تقنية مبسطة:

حتى يتمكن صانع القرار الخيري من تقييم مشاريع الذكاء الاصطناعي من زاوية الخصوصية والأمان دون تعقيد، يكفي فهم هذه المصطلحات العملية:
  • البيانات التعريفية (PII): معلومات قد تكشف هوية شخص بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل الاسم والرقم المدني ورقم الهاتف والعنوان.
  • تقليل البيانات (Data Minimization): مبدأ إدخال الحد الأدنى الضروري فقط لتحقيق الهدف، دون زيادة تزيد المخاطر.
  • إخفاء الهوية الجزئي (Pseudonymization): استبدال أجزاء من البيانات (مثل الاسم) بمعرّف داخلي، مع حفظ الرابط داخل نظام المؤسسة فقط.
  • ترميز/تجزئة البيانات (Tokenization): تحويل القيم الحساسة إلى رموز بديلة للاستخدام التشغيلي دون كشف الأصل.
  • مدة الاحتفاظ (Data Retention): سياسة تحدد كم تُحفظ البيانات ومتى تُحذف، لتقليل المخاطر القانونية والتشغيلية.
  • تشفير أثناء النقل/التخزين (Encryption in Transit/at Rest): حماية البيانات وهي تنتقل أو وهي مخزنة، لمنع الاطلاع غير المصرح به.
  • تسرب الموجهات (Prompt Leakage): خروج معلومات حساسة ضمن الردود بسبب إدخالها في السؤال أو تداخلها مع السياق.
 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك