رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد ضاوي العصيمي 17 نوفمبر، 2018 0 تعليق

صور الهجرة الشرعية

 

روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».

     فالمهاجر إلى الله ورسوله: هو الذي أخذ بزمام نفسه فعمل بطاعة الله، وطاعة رسول الله، وابتعد عن معصية الله، ومعصية رسول الله، قال -تعالى-: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (النساء: 13، 14). وقال -سبحانه-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (الأحزاب: 36).، وللهجرة أنواع عدة أهمها ما يلي:

هجر الشرك والكفر

     أعظم ما يجب أن يهجر هو الشرك والكفر بجميع أنواعه سواء كانت صنماً أم قبراً أم ميتاً أم سحراً أم خرافة أم تنجيم أم قراءة فنجان وكف أم اطلاع على أبراج؛ ولأن هذا كله من الكفر والشرك وإن اختلفت طريقته. قال -تعالى- في أول ما أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر:1-5) والرجز هو الأوثان والأصنام، وما يقوم مقامها ويكون شبيهاً بها.

هجر المعاصي

     ومن صور الهجرة كذلك هجر المعاصي بأنواعها صغيرها وكبيرها فهذه هجرة واجبة كذلك، ليس لأحد الخيار في فعلها أو تركها، وقد مرَّ معنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».

هجر موطن المعصية

     هجر موطن المعصية وعدم القعود فيها، قال -تعالى-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}.(الأنعام:68)، ولا يخفى علينا جميعاً قصة الذي قتل مائة نفس وماذا قال له العالم؟ أمره بالهجرة من موطن المعصية إلى حيث يكون الصلاح والدين، ومن هذه المواطن (الأسواق) فهي أبغض الأماكن إلى الله؛ لما يحصل فيها من المعاصي والمنكرات؛ فعلى المسلم والمسلمة ألا يكون ديدنهم الذهاب والإياب إلى هذه المواضع إذا لم يكن ثمَّ حاجة.

هجر البدع

     هجر البدع، وقد حذر - صلى الله عليه وسلم- منها أيما تحذير، ويكفي أنه كان يفتتح خطبه بالتحذير منها: «إياكم ومحدثات الأمور! وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»؛ فالدين قد كمل، والنعمة قد تمت، والمبتدع مستدرك على الله وعلى رسوله ببدعته، ومدعٍ بلسان الحال أنه أهدى من رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وأنه أهدى من الصحابة؛ إذ عرف ما لم يعرفوا، وفطن لما لم يفطنوا إليه!

هجر أهل البدع

     هجر أهل البدع إن ثبتت في حقهم البدعة، وذلك بصم الأذن عن سماع باطلهم، وعدم القراءة في كتبهم والاطلاع على قنواتهم؛ فان الحق أبلج والباطل لجلج، ويجب أن ننتبه إلى أمر مهم وهو أن تبديع من لا يستحق التبديع وتفسيق من لا يستحق التفسيق وتنزيل نصوص الأئمة المتقدمين في أناس قد خرجوا عن ملة الإسلام وحكم بكفرهم؛ أقول تنزيلها على إخوانهم من أهل السنة ممن عرفوا بصحة العقيدة وسلامة المنهج ممن قد يزل بكلمة، أو بتصرف أو مقالة؛ فهذا نوع تجن وظلم؛ ولأنه بهذه الطريقة المحدثة لن يسلم لنا أحد، وسيفرح بأهل السنة أعداؤهم من أهل البدع، وسيختلط أمر الغيبة بالنصيحة. قال شيخ الإسلام: ولو أن كل من أخطأ في اجتهاد مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدَّعناه لقل أن يسلم من الأئمة أحد، رحم الله الجميع بمنه وكرمه. وقال الذهبي: ولو أننا كلما أخطأ عالم بدعناه وهجرناه لم يسلم لنا لا ابن نصر ولا ابن منده.

هجر العصاة والفساق

     كذلك ممن أمرنا الله بهجره، هجر العصاة والفساق ولاسيما ممن يجهر بمعصيته وفسقه، ويظهرها دون حياء أو خجل من الله، أو من الناس لكن لابد أن يكون هجره بعد النصح والبيان والإرشاد، وهذا الهجر استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك؛ فقد هجرهم لأكثر من خمسين ليلة، وكذلك شرع للزوج بعد وعظ زوجته الناشز أن يهجرها في المضجع إن لم يفد معها الوعظ والنصح، وكذلك يشرع للوالد هجر أبنائه العاصين والعاقين، وهذا مقيد بحيث ينفع الهجر ويؤدي هدفه ومقصوده، أما العاصي الذي يزيد شره بالهجر فهذا لا يهجر للقاعدة الشرعية: إذا تعارضت مفسدتان ارتكب أدناهما لدفع أعلاها.

هجر أصحاب السوء

     وممن أُمِرَ المسلمُ بهجره هجر أصحاب السوء من شياطين الإنس الذين ضررهم أشد من الداء العضال والسم الزعاف؛ فكم أفسدوا من صالح وأضلوا من تقي،! ويكفي في ذمهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - شبههم بنافخ الكير الذي لا يتحصل من ورائه إلا الرائحة الكريهة أو حرق الثياب.

هجر أصحاب الحظوة والسلطة

وممن أمر المؤمن بهجره كذلك، هجر الجلوس مع أصحاب الحظوة والسلطة والمنصب والجاه؛ لأن الجلوس معهم يٌضعف الإيمان، ويورث الفتنة، ويضعف معه الإنكار حياء ومجاملة قال - صلى الله عليه وسلم -: «من سكن البادية جفا، ومن تبع الصيد غفل، ومن طرق أبواب السلطان افتتن». وقال الإمام أحمد: فتنتي بالمتوكل أعظم من فتنتي بالمعتصم (يريد ما حصل له من الإكرام على يده).

الهجرة من بلد الكفر

     ومن صور الهجر كذلك بل هي أكثر ما وردت النصوص فيها الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام؛ فهي الهجرة التي أثنى الله على من أتى بها قال -تعالى-: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً}. (النساء:100)

     وهي الهجرة التي ذُم من تركها قال -تعالى- عن المسلمين الذين لم يهاجروا من مكة إلى المدينة مع قدرتهم: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا}(النساء:97)، دليل على أن ترك هذه الهجرة من الكبائر.

- وهذه الهجرة يتقيد وجوبها بما إذا عجز المسلم عن إظهار دينه؛ فإظهار الدين المقصود ليس هو فعل الصلاة والصيام فقط؛ بل إظهار الدين يتعلق بالقدرة على الدعوة إلى الله -تعالى- والأمر والنهي وإلا فإن الصحابة كانوا قادرين على أن يصلوا وهم في مكة في بيوتهم ومع ذلك أمروا بالهجرة.

     ومن مفاسد البقاء في بلاد الكفار وعدم الهجرة الإعجاب بالكفار وما يحصل من تضييع الدين والأخلاق، وإنشاء جيل منسلخ من دينه وهويته، وما في البقاء في ديارهم من موالاتهم ومحبتهم وغيرها من المفاسد.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك