رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: ياسر برهامي 18 نوفمبر، 2017 0 تعليق

صفات جيل النصر المنشود (6) الحب في الله.. هو الأساس الذي بني عليه المجتمع المسلم

بينت سورة الحشر صفات جيل النصر المنشود، التي هي صفات الصحابة -رضوان الله عليهم- من المهاجرين والأنصار، السابقين إلى الله ورسوله، الذين قام الإسلام على أكتافهم، ونقلوا إلينا القرآن والسنة غضين طريين كما أنزلا؛ فهم مصابيح الدجى وأعلام الهدى؛ لذلك كان لابد أن نعرف صفات هذا الجيل وواجبنا نحوهم، لعلنا نقتدي بهم وبآثارهم، واليوم نتكلم عن حب الأنصار للمهاجرين .

     قال الله -عز وجل-: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}: هذه صفة الأنصار، أي: حب من هاجر إليهم في الله، وكلهم كان يحب بعضهم بعضاً، والحب في الله، والبغض فيه أوثق عرى الإيمان، وهي الصفة الأساسية التي قام عليها المجتمع المسلم الأول، وبها يجد الإنسان حلاوة الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».

      ووصف الله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}، وكما قال -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}(المائدة:54).

      فصفة الحب في الله لابد أن تتحقق بين العاملين في الدعوة إلى الله -تعالى- وأن يكون لهم منها أوفر نصيب، فإذا شاعت بينهم زالت وحشة الغربة التي يشعر بها كل ملتزم، يشعر بها عندما يكون وسط من لا يلتزم بطاعة الله -سبحانه وتعالى-، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .

     صفة الحب في الله تخفف أعباء المتاعب وثقلها وآلامها التي يتعرض لها المسلم، فإذا وجد من يحبه في الله هان عليه الأمر، وسهل عليه أن يثبت على الدين؛ ولذلك لابد أن تتقوى العلاقات فيما بيننا، وأن نصدق في تحصيل صفة الحب في الله -عز وجل- وذلك بأن نستحضر الأعمال الصالحة التي من أجلها نحب أهل الإيمان، وأن نتحاب في الله -سبحانه وتعالى- حتى نذوق حلاوة الإيمان، التي تخفف عنا مرارة وآلام المخاض وآلامه الذي يكون قبل شروق الشمس وظهور الدين؛ فهناك متاعب وآلام تزول أو تخف جداً؛ بحيث لا يشعر الإنسان بها حين يجد من يحبه في الله.

حقيقة الحب في الله والبغض في الله

     الحب في الله والبغض فيه يكون ببغض الإنسان لأعداء الله -عز وجل- لا يبغضهم إلا لأجل الله -سبحانه-؛ لأعمالهم القبيحة وصفاتهم المنكرة، ولشركهم وكفرهم ونفاقهم، هذا الذي يجد الإنسان به الإيمان؛ فيثبت في قلبه، فإذا شاعت هذه الصفة في المجتمع المسلم فإن ذلك من النعيم الذي يجده الإنسان بوصفه جزءا مشابها من نعيم أهل الجنة، فإن رفقة الصالحين وحبهم في الله من نعيم أهل الجنة الذي ينعم به الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، قال -عز وجل-: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا}(النساء:69)، ولو لم يكن لهذه الصفة المنزلة العظيمة؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: «اللهم مع الرفيق الأعلى»، انظر ماذا يريد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ يريد الرفيق الأعلى.

     خليل الله إبراهيم يقول: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}(الشعراء:83)، ولا شك أن الصالحين دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ودون إبراهيم في المنزلة، ومع ذلك؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يطلب هذه الرفقة، وإبراهيم يطلب هذا اللحاق، فكيف بالمفضول واحتياجه وسعادته برفقة الفاضل؟!

      إذا كان الفاضل أمر بأن يصبر نفسه مع من يدعو الله بالغداة والعشي، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}(الكهف:28).

     وإذا كان الفاضل مأموراً بأن يرافق المفضول، فأي نصيب المفضول إذًا من صحبة الفاضل ومرافقته، ومن الشعور بالسعادة لوجود المحبة في الله -سبحانه وتعالى- فيما بينه وبينهم؟!

أعظم ما تتحرك له القلوب

     واستشعر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحب عبر الزمان، وهو والله من أعظم ما تتحرك له قلوب المؤمنين، يقول صلى الله عليه وسلم : «وددت أن لو قد رأينا إخواننا؛ فقالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد»، فالنبي صلى الله عليه وسلم ود أن يرى كل مسلم من أمته صلى الله عليه وسلم ، اللهم اجعلنا من إخوان النبي صلى الله عليه وسلم .

      إذاً: كان يستشعر الحب في الله وليس فقط لأصحابه الذين كانوا معه، بل عبر الزمان، ومع تفاوت الأزمنة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً لهم أن يراهم؛ فما ينبغي أن نكون نحن عليه من مودة: هو أن نرى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن نكون معه، وهذا الحب في الله: هو الأساس الذي بني عليه المجتمع المسلم.

فضل الإيثار واجتناب الشح

     قال الله -تعالى-: {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}، أي: لا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرون، أولاً: من الأموال، وثانياً: من الفضل والتقريب في الذكر؛ فإنه -سبحانه- ذكر المهاجرين أولاً، فلما جاءت أموال بني النضير أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين، يعوضهم بها عما أصابهم في أموالهم، وعما ضحوا به في سبيل الله -عز وجل-؛ فما حسدهم الأنصار، وما وجدوا في قلوبهم غلاً لهم؛ لأنهم أوثروا بهذا المال أولاً.

      والنبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها فاصبروا حتى تروني على الحوض»؛ فهم لم يحسدوا المهاجرين على الفضل الذي فضلهم الله به، كذكر الله ذكر المهاجرين دائماً أولاً فقال هنا: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ}، ثم قال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، قال: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}(التوبة:100)، وقال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}(التوبة:117).

المهاجرون أفضل من الأنصار

     والمهاجرون أفضل من الأنصار في الجملة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، ومع ذلك سلمت صدورهم؛ فلم يكن فيها حسد ولا حقد؛ فهذا رجل من الأنصار -رضي الله تعالى عنه- يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»؛ فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته ماء، قد علق نعليه في يده، ودخل فسلم، وفي اليوم التالي قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»؛ فطلع الرجل نفسه على الصفة نفسها، وفي اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ذلك، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو أحد العباد من الصحابة، الذي كان يختم القرآن كل ليلة، إلى أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم : «اختم القرآن في كل سبع»، وظل كل سبع ليال يختم القرآن في قيام الليل، ويصوم يوماً ويفطر يوماً.

     ذهب عبد الله إلى هذا الرجل وقال: إنه قد كان بيني وبين أبي شيئاً؛ فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن أبيت عندك فافعل؛ فقال: نعم، وعرض في الكلام، وهو يعني: أنه ما من أحد إلا ويكون بينه وبين أبيه شيء، وهو أقسم الآن ألا يدخل؛ لأجل أن يؤويه الأنصاري، فآواه الأنصاري، فلم يرَ منه كثير صوم ولا صلاة، غير أنه كان إذا تعار من الليل وتقلب على فراشه ذكر الله -عز وجل- حتى يقوم، فلما مضت الثلاث قال عبد الله بن عمرو: كدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله إنه لم يكن بيني وبين أبي شيء، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم : «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة»؛ فطلعت أنت في الثلاث المرات، فأردت أن أرى عملك فأقتدي بك، فقال: يا ابن أخي! ما هو إلا ما رأيت، ثم لما انصرف عبد الله رده؛ فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني أبيت وليس في صدري حقد ولا غش ولا حسد لمسلم؛ فقال: هي التي بلغت بك، وهي التي لا تطاق.

أكثر الناس لا يطيقون

      وذلك أن أكثر الناس لا يطيقون ألا يكون في قلوبهم حسد ولا غش للمسلمين؛ فهؤلاء الأنصار -رضي الله عنهم- ليس في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون كالحسد عليهم، فليس عندهم ذلك مما أوتي المهاجرون في الدنيا أو في الآخرة، قال الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، الصحابي الجليل وامرأته -رضي الله عنهما- آثرا على أنفسهما، قوله: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، أي: ولو كان بهم حاجة، وهذه أعلى قدراً من التي قال الله -عز وجل-: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(الإنسان:8)؛ فقد يكون الإنسان محباً للطعام، ولكنه ليس مضطراً إليه، فإذا أطعم منه كان مؤمناً، يعني: لو أن رجلاً عنده أكل يحبه في البيت، وهو شبعان، فإذا أنفق منه كان مؤمناً، وهذان باتا طاويين -رضي الله تعالى عنهما- وبات صبيانهما جياعاً؛ لكي يطعموا الفقير المسكين ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

     وقال النبي صلى الله عليه وسلم ، بعد أن أطلعه الله على فعلهما: «لقد عجب ربكما من صنيعكما بضيفكما الليلة»! يعني: أتاه الوحي بما صنعا، مع أنهما كانا في بيت مظلم، ولم يتركا السراج موقدًا؛ حتى لا يرى الضيف قلة الطعام، ويراهما لا يأكلان فقد يترك الطعام وهو يتوق إليه، فأطفأا السراج؛ لكي يأكل براحته -رضي الله تعالى عنهم. وفي بعض الروايات أنها أم سليم وزوجها أبو طلحة -رضي الله تعالى عنهما-، وهي جديرة بأن تكون كذلك، فلها منزلتها العظيمة، قال -تعالى-: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وقد وقاهم الله شح أنفسهم.

التطلع إلى ما في أيدي الناس

      والشح: هو التطلع إلى ما في أيدي الناس، ومن وقي شح نفسه لم يسرق، ولم يزنِ، وليس فقط في المال؛ فالبخل مذموم، والشح أشد، فالشح أن تتطلع إلى ما في أيدي الناس، والبخل: أن تمنع ما في يدك وما يلزمك، ومنه ما هو محرم: وهو منع الواجب، ومنه ما هو مكروه: وهو منع المستحب.

      فالشح ليس فقط أن تأخذ ما بيدك وتمنعه ولكن تريد أن تمنع ما في أيدي الناس؛ ولهذا كان الزنا من عدم وقاية الشح؛ لأن عنده شيئاً حلالاً، فلماذا تطلع إلى الحرام؟ أو ليس عنده زوجة أو أمة؟ لكن حرم الله عليه ذلك الفرج، فإذا به يتطلع إلى ما يحل لغيره ولا يحل له، فهذا لم يوق شح نفسه.

      الذي ينظر إلى العورة المكشوفة ويتلذذ بها لم يوق شح نفسه، ألا يكفيه أن ينظر إلى ما أحل الله؟ وكونه ينظر إلى ما حرم الله؛ فهذا لم يوق شح نفسه؛ لأنه تطلع إلى ما في أيدي الناس، وإلى ما حرمه الله عليه، وجعله لغيره، نسأل الله العافية، وكان عبد الرحمن رضي الله عنه يطوف البيت، لا يزيد على أن يقول في دعائه: اللهم قني شح نفسي.

      وسأله بعض التابعين عن ذلك فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن، فالسارق لم يوق شح نفسه، والغاصب لم يوق شح نفسه، الذي يخاصم بالباطل لم يوق شح نفسه، {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك